52,057

الآن، تحررت سوريا تمامًا من قوات تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أصدقاؤكم ووطنكم في انتظاركم، ستعودون إلى هناك وأنتم منتصرون، لقد أُنقذت سوريا باعتبارها دولة مستقلة ذات سيادة. سيعود اللاجئون إلى وطنهم، والوضع الآن أصبح مناسبًا لتسوية سياسية تحت رعاية الأمم المتحدة.

هكذا صرَّح الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لجنوده، خلال زيارته المفاجئة لقاعدة حميميم الجوية الروسية في سوريا، وذلك خلال يوم الاثنين، الذي وافق 11 ديسمبر (كانون الأول) 2017 الماضي؛ حيث أعلن بوتين سحب قواته من سوريا، وذلك بعد حققت أهدافها التي تدخلت عسكريًا من أجلها.

ما يقارب شهرين بالتمام والكمال مرا على تصريحات بوتين، وهي أقرب نقطة من الزمن كان فيها الأسد أقرب إلى الانتصار التام في سوريا، إلى أن حدث عدد من التغيرات المفاجئة مرة أخرى لتتغير المعادلة في سوريا من جديد؛ أبرزها التدخل التركي في مدينة عفرين، شمالي غرب سوريا، والتي شكَّلت تحولًا كبيرًا في الخريطة السورية وميزان القوى، إلا أن مجزرة الغوطة الشرقية التي ارتكبها النظام السوري مؤخرًا في منتصف شهر فبراير (شباط) الجاري، كانت هي النقطة التي قد تُحول دون انتصار الأسد بالكامل في سوريا.

كيف كان الأسد في طريقه للانتصار التام إلى أن حدثت مجزرة الغوطة الشرقية في ريف دمشق؟ حدثان رئيسيان  يحكيان مدى قرب الأسد من الخروج منتصرًا في الحرب السورية التي بدأت منذ سبع سنوات، قبل أن تأتي نقطة التحول في الغوطة الشرقية.

انتصار الأسد كان مسألة وقت

تصريح بوتين بانتصار القوات الروسية جاء للتعبير عن انتصار الأسد بشكل شبه كامل على الحرب في سوريا، ليس بفضل القوات الروسية وحدها، وليس بسبب مزاعم بوتين بالقضاء بشكل كامل على قوات (داعش) في سوريا، وإنما لوجود الثلاثي المتمثل في القوات الجوية الروسية، بجانب القوات السورية، والقوات الخاصة بحزب الله اللبناني، والمدعومة من إيران على الأرض؛ حيث استطاع هذا الثلاثي جنبًا إلى جنب تحويل المعركة في سوريا بشكلٍ حاسم لمصلحة النظام السوري بقيادة بشَّار الأسد.

اقرأ أيضًا: بوتين يعلن الانسحاب للمرة الثالثة من سوريا.. ما الذي يريده الآن؟

المكاسب الكبيرة للحكومة السورية، كان أبرزها إعادة السيطرة على المدن التي فقد النظام السوري السيطرة عليها خلال السنوات الماضية؛ فقد ساهمت في استعادة مدينة تدمر الأثرية من «داعش»، وذلك في شهر مارس (آذار) 2016، بالإضافة إلى استعادة حلب منذ ما يقرب من عام تقريبًا من الآن، والتي تعتبر أحد أهم المدن الرئيسية في سوريا، وذلك في ديسمبر 2016، فضلًا عن كسر الحصار الطويل على دير الزور بعد ثلاث سنوات كاملة منه، بالإضافة إلى مساحات واسعة من مدينة الرقة، والتي اعتبرت في وقتٍ سابق عاصمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ومقرًا رئيسيًا له.

ولذلك، فقد اعتُبر أن انتصار الأسد بالكامل في سوريا بات محتومًا، وإن الأمر فقط يتعلق بالوقت، وذلك بحسب ما أشارت إليه صحيفة «واشنطن تايمز» الأمريكية، وذلك بعد أن استعاد غالبية المدن في جميع أنحاء سوريا، وبعد القضاء شبه الكامل على تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في نهاية العام الماضي.

إلا أن منطقة الغوطة الشرقية، كانت تعتبر أحد أهم المعاقل التي تسيطر عليها قوات المعارضة المسلحة منذ عام 2012؛ حيث تسيطر المعارضة المسلحة على الغوطة الشرقية، وإدلب، ودرعا، إلا أن غالبية المناطق الأخرى يسيطر عليها النظام السوري.

الحدث الأول.. مؤتمر الحوار الوطني في سوتشي

عُقد مؤتمر الحوار الوطني السوري، والذي قد دعت إليه روسيا في 30 يناير (كانون الثاني) 2018، وذلك في منتجع سوتشي المطل على البحر الأسود، وقاطعه قطاع كبير من المعارضة السورية والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.

وقد شارك في المؤتمر عدد كبير من الشخصيات السياسية والدبلوماسية، ووصل عددهم إلى 1600 شخص، من النظام والمعارضة، بالإضافة إلى مبعوث الأمم المتحدة الخاص بسوريا، ستفان دي ميستورا، غير أن عددًا كبيرًا من أفراد المعارضة المكون من حوالي 80 شخصًا أعلنوا انسحابهم من المؤتمر بسبب عدم تحقق أي من الوعود التي قُطعت من أجل المشاركة في المؤتمر، وهي وقف القصف الوحشي على المدنيين، وإزالة أعلام ولافتات وشعارات النظام السوري من المؤتمر.

مخرجات المؤتمر جاءت عبارة عن تأسيس لجنة لإعادة كتابة الدستور السوري، ودعوة لإجراء انتخابات ديمقراطية؛ حيث أكد البيان الختامي أنه تم الاتفاق على تأليف لجنة دستورية تتشكل من وفد الحكومة الجمهورية العربية السورية، ووفد معارض واسع التمثيل، وذلك بغرض صياغة إصلاح دستوري يساهم في التسوية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، وذلك وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم 2254. وبالإضافة إلى ذلك، دعا المؤتمر إلى بناء جيش سوري وطني قوي وموحد؛ يقوم على الكفاءة ويمارس واجباته وفقًا للدستور الجديد.

اللافت في الأمر في هذا المؤتمر، أن جميع حواراته دارت في جلسات مغلقة، كما أن البيان الختامي للمؤتمر لم يذكر بأي شكلٍ من الأشكال محاكمة مرتكبي جرائم الحرب في سوريا، أو الرئيس السوري بشَّار الأسد، أو حتى تغيير النظام السياسي الحالي الجاري، وهو ما أعطى تكهنات لوجود مستقبل للأسد في مستقبل سوريا، وذلك نظرًا لعدم اتهامه بشيء، وأيضًا بسبب التأكيد على أن الشعب السوري سيختار من يريد، مما يؤكد أن المؤتمر مثَّل خطوة أقرب للأسد من أجل الانتصار التام؛ حيث إن مشاركة عدد من الشخصيات السياسية المحسوبة على المعارضة جعل من نتائج المؤتمر اتفاقًا ضمنيًا من المعارضة، بالإضافة إلى وجود المبعوث الأممي «دمستورا»، والذي أضفى نوعًا من الشرعية على المؤتمر.

الجدير بالذكر، أن هذا المؤتمر كان قد دعا إليه بوتين مرَّاتٍ عديدة، ولكنه لم ينعقد إلا في نهاية الشهر الماضي، وقد قرأ وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، في افتتاح المؤتمر بيانًا للرئيس فلاديمير بوتين، جاء فيه قوله بأن: «الأجواء مواتية لأن تطوي سوريا صفحة مأساوية في تاريخها»، وهو ما أضفى المزيد من الشرعية لوجود الأسد في مستقبل سوريا دون محاكمة أو محاسبة.

الحدث الثاني.. تعاطف دولي مع الأسد بسبب تركيا

التدخل التركي في مدينة عفرين، شمال غربي سوريا منذ يناير الماضي، كان من أبرز التحولات التي شهدتها الحرب في سوريا خلال الفترة الماضية.

قامت القوات التركية بالهجوم عسكريًا على المدينة، آملين في القضاء على الأكراد الموجودين في المنطقة، كوحدات حماية الشعب الكردية (YPG)، وذلك في الوقت الذي ترى فيه تركيا أن الأكراد السوريين هم مجرد امتداد لحزب العمال الكردستاني التركي (PKK)، الذي تخوض معه معارك منذ أربعة عقود، وبالتالي فإن التخوف لدى تركيا من أن وجود مجموعات من الأكراد، الداعمين لحزب العمالي الكردستاني، من وجهة نظرها، في مدينة عفرين، التي تقع بالقرب من الحدود التركية السورية، يشكِّل خطرًا كبيرًا بالنسبة لها، ولأمنها القومي، وحدودها.

اقرأ أيضًا: رغم تفاقم اليأس.. هل تجددت فرص نجاح «الثورة السورية» بعد حرب تركيا في عفرين؟

توالت ردود الأفعال الدولية على التدخل التركي في مدينة عفرين السورية، في العملية التي أطلقت عليها تركيا اسم «غصن الزيتون»؛ حيث نددت غالبية الدول بالتدخل التركي، داعين إياها للانسحاب، وضبط النفس، بالإضافة إلى إبراز انتهاك تركيا للسيادة السورية.

اقرأ أيضًا: «أنا وابن عمي على الغريب».. الأكراد يستنجدون بـ«الأسد» لمنع تركيا من دخول عفرين

وفي الوقت الذي دعم فيه «الائتلاف الوطني السوري» المحسوب على المعارضة، العملية التركية، وذلك بدافع «النضال ضد الكيانات الإرهابية كحزب العمال الكردستاني، ووحدات حماية الشعب الكردية، وحزب الاتحاد الديمقراطي»، بحسب ما أعلنه، أدان رئيس النظام السوري، بشَّار الأسد، ما أسماه «العدوان التركي على مدينة عفرين»، واصفًا ذلك بـ«الإرهاب».

اقرأ أيضًا: بعد دعم الأسد لأعدائه السابقين «الأكراد».. ما مصير عملية «غصن الزيتون» التركية؟

ردود الفعل الدولية المنددة بالتدخل التركي في عفرين جاءت من دول عديدة، أبرزها الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، وروسيا، والمملكة المتحدة، وألمانيا، والنمسا، ومصر، وإيران، والعراق، وهولندا، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وحتى قطر، التي يعتبرها الكثيرون أحد أبرز حلفاء تركيا في الوقت الحالي.

الجدير بالذكر، أن هذه الخطوة، وضعت النظام السوري في موضع المنتهكة حقوقه، مما أدى إلى تعاطف القوى الدولية المختلفة معه، وهي المرة الأولى تقريبًا التي تدعم فيها غالبية دول العالم النظام السوري، بمن فيهم جميع القوى الكبرى، مبرزين ضرورة ممارسة حق سيادة الدولة السورية، مما اعتبر خطوة أقرب للانتصار التام والكامل للنظام السوري في سوريا.

النقطة الفارقة.. تكثيف الهجوم على الغوطة الشرقية

كان المجتمع الدولي مشغولًا بمحاولات التخطيط لمستقبل سوريا عن طريق الحوار، بمعاونة الأمم المتحدة، وبعملية «غصن الزيتون» التركية، ضد وحدات حماية الشعب الكردية في عفرين، في الوقت الذي قرر فيه الرئيس السوري بشَّار الأسد، بمعاونة القوات الجوية الروسية، تكثيف الهجمات الجوية، والضربات العسكرية، على مدينة الغوطة الشرقية، ليعتبر ذلك أحد أكثر المعارك دمويةً ضد المعارضة السورية خلال السنوات الماضية، مما أسفر عن مقتل أكثر من 296 شخص خلال أربعة أيام فقط، بدايةً من يوم الأحد 18 فبراير 2018.

وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن هناك ما يقارب 71 طفلًا لقوا حتفهم خلال الهجمات الأخيرة على الغوطة الشرقية، بالإضافة إلى حوالي 42 امرأة، فضلًا عن إصابة الآلاف.

الهجوم على الغوطة مثَّل الحدث الذي قد يحول دون انتصار الأسد في الوقت الحالي؛ فبعد أن كانت غالبية دول العالم، والقوى الكبرى، حتى من غير المؤيدين لنظام الأسد، موافقين على واقع سيادة الأسد ونظامه، حتى ولو ضمنيًا ودون إعلان، فإن الأمر تحوَّل إلى العكس تمامًا؛ حيث أعربت مصر، التي تعتبر من أكبر الداعمين للأسد، عن قلقها العميق إزاء الأوضاع في سوريا بعد معركة الغوطة الشرقية.


قسوة معركة الغوطة كانت كافية لتتبرأ منها روسيا، الحليف الأهم والأبرز للنظام السوري، حيث أكد السكرتير الصحفي للرئيس الروسي، دميتري بيسكوف، أن الاتهامات الأمريكية والأممية الموجهة لروسيا حول مسألة سقوط ضحايا مدنيين جراء قصف منطقة الغوطة الشرقية في سوريا لا أساس لها، في الوقت الذي أضاف فيه أن بلاده تعمل على وقف ما يحدث هناك، وتعمل على إعداد مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي، حول الغوطة الشرقية.

الحليف الأبرز الثاني، إيران، تخلت نوعًا ما عن الأسد أيضًا، مؤكدةً أن طهران تجري مباحثات مع دمشق بشأن سبل خفض التصعيد في الغوطة الشرقية وإيصال المساعدات الإنسانية إلى هناك، وذلك على لسان نائب وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي.

اقرأ أيضًا:«حلب الثانية».. قصة هجوم الأسد الكاملة على الغوطة الشرقية

وفي الوقت نفسه، وصفت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، ما يجري في سوريا جراء قصف قوات نظام الأسد على الغوطة الشرقية، وإيقاع مئات القتلى المدنيين بـ«المجزرة»، داعيةً إلى وقفها فورًا.

وقالت ميركل، في تصريحاتها أمس الخميس، «إنها مجزرة يجب إدانتها ويجب مواجهتها بـ(لا) واضحة»، داعيةً الاتحاد الأوروبي إلى لعب دور أكبر.

على جانب آخر، فإن الصحافي والمحلل الويلزي في شبكة بي بي سي البريطانية، جيرمي بوين، يرى أن ما قام به الأسد في الغوطة الشرقية لا يعني نهاية الحرب السورية، وإنما يوحي بأنها تتغيَّر، وبعد أن كان الأسد على وشك ضمان فوزه في الحرب، فإنه أعاد ارتباط سوريا بشبكة من الحروب، وسياسات القوة، مما يضمن المزيد من الصراع.