لم تقتصر سياسة التغيير الديموغرافي التي يتبعها بشار الأسد بحقّ سكّان المناطق الخارجة عن سيطرته، عبر الحصار، والتجويع وصولًا إلى فرض تسوية تفضي لخروج أهلها، بل ينتهج النظام السوري أيضًا سياسة تهدف لتهجير السكان الأصليين للأحياء الخاضعة لسيطرته في دمشق، عبر عمليات ابتزاز وتهديد، دفعتهم لترك أملاكهم والرحيل إلى مناطق سيطرة المعارضة.

محمد عبد الرحمن بابللي، شاب سوري من حي الميدان بمدينة دمشق، روى لـ«عربي21» ما حدث معه ومع عائلته قبل نحو شهرين، عندما اعتقلته قوات النظام على أحد الحواجز في منطقة ركن الدين، بذريعة الاحتياط وخدمة العلم، علمًا أنه أنهى خدمته العسكرية منذ العام 2009.

يقول: «كنت في سيارة نقل عمومي، عندما استوقفنا حاجز للنظام في حي ركن الدين، قاموا بأخذ الهويات للتحقق منها. وبعد قليل حضر إليّ أحد العناصر وصرخ: فلان، فنزلت من السيارة ليخبرني بأنني في سن الاحتياط، وعليّ أن ألتحق فورًا، وفي حال الممانعة سيضطر لأخذي بالقوة».

ويضيف: «لم تنفع توسلاتي له بأن يتركني هذه المرة فقط، بل لم تنفعني النقود التي أحملها في جيبي؛ ففي زمننا هذا بات مبلغ 20 ألف ليرة سورية بنظر الغالبية مبلغًا بسيطًا، وليس ذا قيمة».

وتابع: «في النهاية وضعوني في حافلة مع عدد من الشبان البائسين مثلي، وأخذونا إلى أحد نقاط التدريب في منطقة المزة، كان علينا أن نخضع لدورة مدتها أسبوع، ثم يتم توزيع السلاح علينا ونقلنا إلى خطوط الجبهات لقتال المعارضة، ومن يخالف فسيكون عقابه الموت المحتوم، ولا خيار آخر سوى القبول بالأمر الواقع»، مشيرًا إلى أن أحد الركاب الذين كانوا معه في الحافلة أخبر ذويه بما جرى له.

وقال: «بعد أن علم أهلي بما حصل، تواصلوا مع وسطاء ومتنفذين في قوات النظام؛ علهم يجدوا وسيلة لإنقاذي، وبالفعل عرض أحد عناصر الدفاع الوطني على أهلي تخليصي من الخدمة الاحتياطية، ولكن مقابل شرطين: الأول هو الرحيل من دمشق، والثاني تسجيل جميع ما نملك باسم الضابط الذي سيتولى هذه المهمة، وقد وافق أهلي مرغمين على ذلك، وبالفعل تم إخراجي من النقطة بحجة العرض على المشفى العسكري والتأكد من السلامة البدنية».

وأوضح بابللي لـ«عربي21»: «أخبرني الضابط الموجود في السيارة، والذي لا أعرف اسمه، بأن أهلي في انتظاري، وهنا لم أصدق إلا عندما رأيت أمي وأهلي وإخوتي يصعدون إلى نفس السيارة التي انطلقت بنا إلى آخر نقطة فاصلة بين النظام والمعارضة شمال حماة، حيث تم إنزالنا وتسليمنا لوسطاء محسوبين على المعارضة، ومنها خرجنا إلى إدلب».

أما قدري اليوسف، وهو أحد سكان حي كفر سوسة الدمشقي، والذي تعرض للاعتقال بتهم ملفقة أبرزها الانتساب لجماعات إرهابية، فقد تحدث لـ«عربي21»، عن كيف قام ضباط في النظام بالاستيلاء على أكثر من أربعة منازل ومحلين تجاريين عائدين لوالده مقابل الإفراج عنه والرحيل من دمشق، لافتًا إلى أنه وعائلته خرجوا إلى ريف حماة الشمالي خالي الوفاض، ولا يملكون سوى ثيابهم وبعض النقود التي أخفوها.

وذكر أنه «بعد اعتقالي لمدة أسبوع، وفي ظل الوساطات التي بدأ والدي بالسعي لها منذ اليوم الأول لاعتقالي، توصل والدي لأحد العناصر المتطوعين في الأمن العسكري، وبعد رواية كل شيء للعنصر، وبأنني لم أرتكب ذنبًا، سوى أن قيودي وميلادي في حي الميدان، طلب العنصر من والدي مبلغًا ماليًا قدره 70 مليون ليرة سورية، أو التنازل عن منزلنا ومحلين تجاريين يملكهما، والدي في حي الميدان، وفي حال عدم الدفع، فإن قرار الإعدام سيصدر بحقي خلال مدة قصيرة، فما كان من والدي إلا أن كتب تنازلًا لهم عن المنزل والمحلين وتم الإفراج عني لقاء ذلك».

وبالرغم من ذلك، يقول اليوسف: «لم نعد قادرين على المكوث في دمشق؛ فقد خسرنا كل شيء، وعلينا بدء حياة جديدة؛ فاخترنا السفر إلى تركيا، والعمل هناك، كغيرنا من اللاجئين».

ويرى الناشط الإعلامي إبراهيم الجسريني؛ أن النظام يتبع هذه الأساليب من أجل تحقيق هدفين، الأول هو استكمال التغيير الديموغرافي الذي بدأه خارج مناطق سيطرته وسار به إلى داخلها، «من أجل إنهاء وجود السنّة في أماكن محدة من دمشق، والآخر جني أموال طائلة بلغت مئات آلاف الدولارات، لقاء الإتاوات وعمليات الابتزاز التي يقوم بها عناصر النظام في حق كافة شرائح المجتمع من السنة»، وفق تعبيره.

عرض التعليقات
تحميل المزيد