«إذا كان يجب على بريطانيا الاختيار بين أوروبا ومنطقة البحر المفتوح؛ فعليها دائمًا اختيار البحر المفتوح» ونستون تشرشل

عاشت بريطانيا سنوات من صراعها مع الزمن، سنوات «البريكست» التي أنهك وبحَّ فيها المعارضين والمؤيدين أصواتهم. فبعد استقالة رئيسين وزراء، ديفيد كاميرون وتيريزا ماي، وصعود الثالث، بوريس جونسون، معلنًا عن انتخابات عامة مبكرة، بعدما رفض مجلس العموم الاتفاقية التي أحضرها معه من بروكسيل، مقر الاتحاد الأوروبي. وكانت أخيرًا، الانفراجة يوم 12 ديسمبر (كانون الأول) 2019، عندما صوت البريطانيون لصالح بوريس جونسون.

اكتسح المحافظون بقيادة جونسون بأغلبية هي الأكبر منذ فوز «المرأة الحديدية» مارجريت تاتشر عام 1987، وكان ذلك بعبارة بوريس جونسون البسيطة «Get Brexit Done»، والتي تعني «سننهي قضية البريكست»، الذي بات يرددها ويكررها في كل محفل ومناسبة. على بساطة العبارة، إلا أنّ الواقع أكثر تعقيدًا، فالتحديات التي يواجهها جونسون وحزبه ليست بهذه البساطة.

بالرغم من أنّ «البريكست» أصبح حقيقة شبه حتمية، بهذه الأغلبية، إلا أنّ مستقبل بريطانيا يظل غامضًا، فهنالك مرحلة ما بعد تصويت مجلس العموم على الخروج، وهي مرحلة التطبيق، التي تشمل السياسات والإجراءات التي ستمس الواقع بشكل مباشر. نحاول في التقرير رصد الخطوات القادمة لرئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، في ملف التجارة، والهجرة، والعلاقات الخارجية، والسياسة الداخلية.

ما الذي سيحدث في اليوم الذي يلي خروج بريطانيا؟

سيتمكن جونسون بحكم أغلبيته في البرلمان، من الإيفاء بوعده الانتخابي الأول، فمن خلال التصويت على اتفاقيته التي أحضرها من بروكسيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، والتي تعرقلت بسبب أنّ المحافظين لم يملكوا أغلبية برلمانية. سيكون 31 يناير (كانون الثاني) 2020، يوم التصويت على الخروج.

إذًا ما الذي سيحدث عندما يستيقظ البريطانيون صباح يوم الأول من فبراير (شباط) 2020؟ في الحقيقة لا شيء سوى أنّه لم يعد هنالك تمثيل لبريطانيا في الاتحاد الأوروبي، وستمنح بريطانيا 11 شهرًا، إلى نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2020، كفترة انتقالية للوصول إلى اتفاقية تجارية مع الاتحاد الأوروبي. لم تحدد اتفاقية جونسون للخروج، مستقبل العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي، ولكنّها وضعت حلًا لأكبر معضلة في قضية «البريكست»، وهي الحدود الأيرلندية.

File:United Kingdom location map.svg

وحتى تدرك الإشكالية، عليك النظر إلى خريطة المملكة المتحدة، وجمهورية أيرلندا، وستجد المعضلة أمام عينيك. فـ«شمال أيرلندا» هي أحد أقاليم المملكة المتحدة، ولكنّ جارتها الجمهورية الأيرلندية التي تملك استقلالًا كاملًا كدولة وأحد أعضاء الاتحاد الأوروبي، سيكون خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بالنسبة لها مشكلة كبيرة. والسؤال الذي بقي محل جدلٍ لسنوات: كيف سننظم العملية التجارية بين شمال إيرلندا والجمهورية الإيرلندية؟
جاءت اتفاقية جونسون، لتنص على أنّ شمال أيرلندا ستبقى جزءًا من الاتحاد الجمركي للاتحاد الأوروبي، ولكنّ من حق شمال أيرلندا التصويت مع أو ضد البقاء، بعد أربع سنوات من الآن، وإذا ما صوتت شمال أيرلندا ضده، سيفتح نقاش جديد عن ترتيب آخر بعد سنتين من تاريخ التصويت، مما يعطي وقتًا أكبر للوصول إلى حل. وخلال هذه السنتين تشكل «لجنة مشتركة» من بريطانيا والاتحاد الأوروبي للقيام بتوصيات، فإذا لم تفلح هذه اللجنة بوضع حلول منطقية وملائمة لشمال إيرلندا، فمن الممكن حدوث السيناريو الذي يخافه الجميع؛ حدود صلبة تفصل شمال أيرلندا عن الجمهورية الأيرلندية.

بالعودة إلى الفترة الانتقالية التي تملكها بريطانيا لإبرام اتفاقات تجارية تحدد مستقبل العلاقة مع بروكسيل، والتي هي كما ذكرنا 11 شهرًا، لدى جونسون إمكانية تمديدها لعامين إضافيين، والمهلة لحسم قضية التمديد بداية يوليو (تموز) القادم، إلا أنّ جونسون صرح بأنّه لن يقوم بتمديد هذه الفترة؛ لأنّه «لا حاجة لذلك».

جوناثان فاول، المدير العام السابق للمفوضية الأوروبية، يقول بأنّه لم يجد أحدًا يعتقد أنّ من الممكن التوصل إلى اتفاقية تجارية شاملة خلال عام، وذلك ما يحذر منه أيضًا الاتحاد الأوروبي بأنّ الفترة الزمنية للوصول إلى اتفاقية غير واقعية، ولكنّ جونسون ومن معه يعتقدون أنّ بإمكانهم الوصول إلى اتفاقية، إذ قال جونسون في مقابلة له مع الـ«بي بي سي»، عندما سُأل عن احتمالية الوصول لاتفاقية قبل ديسمبر 2020 بأنّ الوصول إلى اتفاق تجاري هو «السيناريو الأكثر ترجيحًا»، وأنّه لديه خطة مالية للسيناريو الأسوأ واصفًا إياه بـ«غير عقلاني».

جونسون يريد اتفاق مثل كندا وبروكسل

يسعى جونسون إلى عقد اتفاق تجاري مشابه لاتفاق الاتحاد الأوروبي مع كندا، والذي يسمى «الاتفاق التجاري والاقتصادي الشامل». جاء هذا الاتفاق الشامل الذي يسعى لتحفيز التجارة الحرة بين الطرفين، من خلال إلغاء 98% من الضرائب الجمركية. ولكنّ هذه الاتفاقية لم تكن نتاج عامٍ واحد، بل عملية استمرت 12 عامًا، اختتمت في عام 2016 عندما وقعت الاتفاقية من قبل رئيس الوزراء الكندي جستن ترودو.

وقد صرح جونسون بداية شهر يناير بأنّه على استعداد للتفاوض مع الاتحاد الأوروبي على اتفاق مشابه لاتفاق كندا، والذين يعني بالنسبة لبريطانيا؛ التحكم الكامل بملف الهجرة، وعقد اتفاقات تجارية عالمية باستقلالية كاملة من دون القيود القانونية للاتحاد الأوروبي، وهذا أيضًا يعني أنّ المملكة لن تدفع للاتحاد الأوروبي سنويًا ما يقارب 13 مليار باوند.

وسط هذا الترتيب سيكون هناك بالضرورة نقاط تفتيشية للبضائع التي تنتقل من وإلى الاتحاد الأوروبي، ولكنّ هذه الاتفاق قد يستثني العديد من الخدمات المهمة، كالخدمات البنكية، هذا ما لم يتفاوض جونسون على هذه الخدمات أيضًا. ولكي يتمكن جونسون من التوجه إلى بروكسل وبدء عملية التفاوض من أجل عقد صفقة تجارية، سيتوجب عليه خلال 30 يوم من بعد تصويت على اتفاقية الخروج، أنّ يصدر بيانًا محددًا فيه الأهداف والخطوط العريضة التي ستقوم عليها المفاوضات، مع موافقة المجلس العمومي، ومجلس اللوردات البريطاني.

«العيون الخمس».. بريطانيا تريد تجارة عابرة للمحيط الأطلسي

لدى المملكة المتحدة شركاء عالميون كثر تربطهم علاقات تاريخية وثقافية، كالولايات المتحدة. ودول أخرى كنيوزلاندا، وكندا، وأستراليا، التي هي أعضاء في رابطة الأمم المتحدة. لذا سيسعى جونسون إلى توسيع علاقاته التجارية هذه الدول، خصوصًا أنّ هذه الخمس دول تجمعها اتفاقية «العيون الخمس»، وهي اتفاقية تعاون استخباراتي مشترك عقدت ما بعد فترة الحرب العالمية الثانية ما بين هذه الدول، وتم تفعيلها أكثر أثناء الحرب الباردة، من خلال تطوير نظام رقابيّ للتجسس على الأنظمة الاتصالية للاتحاد السوفيتي، وهي أيضًا مفعلة الآن للتجسس على مليارات الاتصالات الخاصة في العالم.

أثناء فترة الحملة الانتخابية البريطانية الأخيرة، خرج زعيم حزب العمال، جيرمي كوربين، بوثيقة مكونة من 451 صفحة، فيها تفاصيل لاتفاقات تجارية واستثمارية ما بين أمريكا وبريطانيا لفترة ما بعد «البريكست». وبعد فوز جونسون، غرد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بتهنئة جونسون، والتأكيد على أنّه سيكون هنالك صفقة تجارية ضخمة بعد «البريكست».

 زعيم حزب العمال جيرمي كوربين يستعرض وثيقة الاتفاقات التجارية بين أمريكا وبريطانيا.

ولكنّ هذه «الصفقة الضخمة» غالبًا ما ستعتمد على مستقبل العلاقات التجارية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، فالصداقة لا تكفي لإتمام الصفقات التجارية. ستواجه بريطانيا عقبات واشتراطات أخرى من قبل واشنطن، فقد أرسل بعض المسؤولين الأمريكان تحذيرًا لبريطانيا قائلين: إنّه من «الجنون» ارتباط البنية التحتية لتقنية الـ«5G» لبريطانيا بشركة هواوي الصينية، كما أنّ واشنطن تريد من بريطانيا الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني وفرض بعض العقوبات الاقتصادية على إيران، وهو ما وافق عليه جونسون مؤخرًا في تصريح له يقول فيه: «علينا استبدال الاتفاق الإيراني باتفاق ترامب»

وفي ملف اتفاقات التجارة الدولية، عيّن جونسون، ليز تروس كوزيرة التجارة الدولية. التي انطلقت في مباحثتها مع سفير أمريكا في بريطانيا، للتوصل إلى اتفاقية تجارية، وكانت قد زارت أستراليا في سبتمبر (أيلول) الماضي، واقترحت بأنّ يكون هنالك صفقة تسمح للمواطنين البريطانيين العيش والعمل في أستراليا من دون الحاجة إلى فيزا، وتبع ذلك زيارة لها لنيوزلاندا للبحث أيضًا عن اتفاقية تجارة حرة بين البلدين، وأخرى لليابان. وبالنسبة لكندا فإنّ مستقبل العلاقة التجارية معها سيعتمد بشكل كبير على مستقبل العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وذلك لارتباطها بالاتحاد باتفاقيتهم التجارية الشاملة التي ذكرناها مسبقًا.

الاستدامة تتطلب إعادة ترتيب البيت الداخلي

أحد أكبر الإشكاليات التي يواجهها جونسون، هي أنّ السياسة البريطانية مهيكلة على أساس عضويتها في الاتحاد الأوروبي، فكثير من السلطات الداخلية موزعة على البرلمانات الداخلية ما بين أيرلندا الشمالية، وأسكتلندا، وويلز، والتي تتحكم وتسير العديد قطاعًأ كبيرًا من المشاريع الزراعية، والملاحة، والصيد، والصناعة.

فعودة بريطانيا مرة أخرى إلى سياسات مستقلة، سواء تجارية أو قانونية، قد يؤدي إلى صدام مباشر مع هذه البرلمانات. وبالفعل فقد رفض جونسون طلب الوزيرة الأولى الأسكتلندية، نيكولا ستارجن، بعقد استفتاء ثاني لاستقلال اسكوتلندا عن المملكة المتحدة، ويأتي طلبها بعد استفتاء أول عقد في اسكتلندا عام 2014، حول إذا كان على إسكتلندا أن تصبح دولة مستقلة، وكانت نتيجة الاستفتاء بـ55% من الأسكتلنديين يرفضون الانفصال عن المملكة المتحدة. ولكن عام 2014 ليس كاليوم، ولذلك فقد صرحت ستارجن بأنّ رفض جونسون للاستفتاء سيزيد من رغبة الناس بالانفصال.

مظاهرة احتجاجية في أسكتلندا تدعوا للانفصال – 5 أكتوبر 2019

يقود جونسون مسيرة تغيير جذرية لحزب المحافظين، فهو يسعى إلى اعتماد سياسات اقتصادية أكثر يسارية، وسياسات ثقافية أكثر يمينية، فهذا المزيج سيسمح لجونسون بالحفاظ على شعبيته شمال المملكة بين الطبقة العمالية، التي صوتت له في الانتخابات الماضية. وما يفعله جونسون متسقٌ بشكل كبير مع سياسات ترامب، فقد صرح المستشار السابق لترامب، ستيف بانون، في لقاء له مع صحيفة «الجارديان» بعد ظهور نتائج الانتخابات البريطانيا: «لقد حولنا الحزب الجمهوري إلى حزب للطبقة العاملة».

وأخيرًا وليس آخرًا، فأثناء انشغال جونسون وفريقه بتأمين اتفاقات تجارية والحفاظ على وجهة الحزب، يوجد هناك شخصٌ تم تفويضه، ليعيد تشكيل وترتيب الحكومة من الداخل، مهندس «البريكست» وكبير مستشارين جونسون الخاصين، دومينيك كامينجز، الشخص الذي أدار حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي. كان حلم كامينجز منذ سنوات طويلة هي إعادة هيكلة الحكومة البريطانية، فقد أعلن بداية الشهر الحالي، في مدونته الخاصة بأنّ فتح الباب التقديم للعمل في المقر الأساسي للحكومة البريطانية، وأنّه يبحث عن علماء بيانات، ومديري مشروعات، ومختصين في الذكاء الصناعي، وباحثين، وآخرين «غريبي الأطوار» من غير المؤهلين ويمتلكون مهارات غريبة. فهل يستطيع جونسون وفريقه عبور هذه الفترة التاريخية الحرجة ومرحلة ما بعد «البريكست» بسلام؟

دولي

منذ شهر
مهندس «البريكست» الذي اخترق السياسة البريطانية ووضع جونسون في الواجهة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد