مصطفى جمعة

20

مصطفى جمعة

20

9,294

ماذا لو أخبرك أحدهم عن رجل يعمل مصنّعًا لمادة مخدرّة، وقاتل أراق الكثير من الدماء طيلة حياته، وسألك بعد ذلك عن رأيك الشخصي في هذا الرجل؟

على الأرجح قد تطالب بإعدامه فورًا من جرّاء ما ارتكب من جرائم قتل متعددة، كذلك قد تكنّ له الكثير من مشاعر الكراهية والازدراء لما أحدثه من ضرر كبير في حياة مئات الشباب الذين تناولوا المخدر الذي صنعه بيده، لكن بعد مشاهدتك لمسلسل بريكنج باد ستفكر كثيرًا قبل الإجابة عن السؤال، وربما تتغير وجهة نظرك بأكملها.

اختلال ضال.. أو كيف تتحول سريعًا إلى السوء؟

يعتبر الكثير من النقاد والمشاهدين مسلسل بريكنج باد أفضل مسلسل تليفزيوني في التاريخ، إذ لاقى المسلسل قبولًا هائلًا وسط المتابعين؛ نظرًا للأداء التمثيلي الرائع لكل طاقمه، متبوعًا بالحبكة الدرامية المتميزة من فينس غليغان، مؤلف ومنتج المسلسل، وقد استمر عرضه خمسة مواسم كاملة انتهت عام 2013.

لكن ليس التمثيل وحده هو سبب شهرة المسلسل والنجاح الهائل الذي حققه؛ إذ إنّ هناك أبعادًا أخرى كثيرة غيّر بها بريكنج باد نظرة مشاهديه تجاه الكثير من الأشياء في هذا العالم.

تدور الأحداث حول والتر وايت الرجل الخمسيني الذي يعمل مدرسًا للكيمياء في المدرسة الثانوية، وعاملًا في مغسلة للسيارات بمدينة ألباركيكي في ولاية نيو مكسيكو الأمريكية، متزوج من سكايلر، وله منها ولد مصاب بشلل دماغي اضطره إلى أن يستعمل عكازين للسير، يُدعى والتر جونيور (فلين)، بالإضافة إلى هانك شريدر عميل في وكالة مكافحة المخدرات الأمريكية (DEA) وهو زوج أخت سكايلر (ماري).

يكتشف والتر وايت إصابته بسرطان خطير في الرئة، ما جعله يؤمن أن عمره الباقي أصبح قصيرًا، وهو ما دفعه للتفكير في مستقبل أُسرته بعد وفاته.

في الظروف الطبيعية ربما لم يكن والتر وايت ليفعل شيئًا سوى انتظار قدره، وقضاء الكثير من الوقت مع أسرته إلى أن يحين أجله ويودعهم في سلام، إلا أن والتر يفكر فيما بعد وفاته، وكيف ستعيش أسرته بدون أموال، فيقرر أن يفعل كل ما بوسعه لكي يترك لهم مبلغًا كبيرًا من المال قبل وفاته.


لم يكن والتر وايت يملك الكثير من الحلول، فعمله كمدرس لا يكفي احتياجاتهم الأساسية، وعمله في مغسلة السيارات جعله عُرضة لسخرية تلاميذه منه، وبعد فترة قصيرة يتعارك مع صاحبها ويقرر تركها، ويفكر طويلًا في طريقة سريعة لجلب المال، فيهديه تفكيره إلى عمل يتقنه تمامًا بحكم دراسته للكيمياء؛ وهو صناعة الميثامفيتامين المادة المخدرة والمحظورة في الولايات المتحدة، فيستعين بتلميذه السابق جيسي بينكمان، ويقرران طبخ الميث في سيارة متنقلة بشكل سري تمامًا، ومن ثمّ بيعه كي يجلب لهم أرباحًا هائلة في وقت قصير.

تغير حال والت -كما تحب زوجته أن تناديه- سريعًا من مدرس فاضل لمُصنّع وتاجر مخدرات مع تلميذه، ودافعه الظاهر هو خوفه على أسرته من الضياع بعد وفاته.

دائمًا ما يجد المجرم مبررًا لارتكاب جريمته، في أول يوم من طبخه للميث يتسبب والت وجيسي في قتل شاب واحتجاز آخر ليطرح من البداية تساؤلًا خطيرًا: أهو اختلال حاد من الفضيلة إلى القتل أم ضلال مختل أصلًا حين سنحت له الفرصة أظهر الشر الكامن بداخله وتحول إلى قاتل؟

كيف أنسانا «هايزينبرج» إنسانيتنا؟

«إن الإنسان يختلف عن الحيوان في حقيقة كونه قاتلًا، لأنه الحيوان الوحيد الذي يقتل أفرادًا من بني جنسه ويعذبهم ويحس بالرضا التام عن ذلك». *الفيلسوف الألماني إيريك فيروم

ما يستحق الانتباه بعد مشاهدة مسلسل بريكنج باد ليس الأداء التمثيلي المتميز، ولا الإخراج الذي يجعلك تشعر أنك واحد من أفراد أسرة والت تعيش معهم كافة انفعالاتهم وأزماتهم، ولا القصة الواقعية غير المفرطة في الخيال المنفصل عن الواقع فحسب، بل سنتحدث عما هو أخطر من ذلك بكثير: كيف تعاطفنا مع جيسي ووالت ونحن نعلم يقينًا أنهما قاتلان، ومصنّعا ومروّجا مخدرات محترفان؟

في رحلتهما لتصنيع الميث وتوزيعه أراق الشريكان الكثير من الدماء؛ تسببا أيضًا في تدمير كثير من الشباب، وعلى الرغم من ذلك عقب انتهاء المسلسل تعاطف كثيرون معهما، ما يطرح سؤالًا مهمًّا للغاية: لماذا دائمًا نجد مبررًا للمجرم إذا كان يروُقُنا؟

في سؤال طرحه أحد الزوار على موقع qoura الشهير عن سبب تعاطف قطاع كبير من مشاهدي المسلسل مع جيسي ووالتر وايت برغم ما ارتكباه من جرائم، أجاب أحد المتابعين أن سبب هذا التعاطف الظروف التي تعرض لها وُالتر نفسه من اكتشاف لإصابته بالسرطان، وخوفه من ضياع أسرته، لذا تشاطر معه المشاهدون هذا الخوف وتفهموا دوافعه لارتكاب تلك الجرائم.
لكن هنا تبرز نقطة بالغة الأهمية:
لو كان الدافع وراء الجريمة هو الخوف على الأحبة من الضياع لتحول المجتمع بأسره إلى مجرمين، ولو كان التعاطف مع المرضى يبرر لهم ارتكاب الجريمة لما بقي في محيطنا شخص سليم، هنا يعترف الكثيرون ممن شاهدوا المسلسل بتعاطفهم مع قاتل، وبأنهم تمنوا في كثير من الأحيان نجاته من الموت على حساب الأرواح البريئة التي أزهقها هو وشريكه.

ما فعله بريكنج باد هو أنه عرّى إنسانيتنا في نظر البعض، وجعلنا نتعاطف مع مجرم، ونختلق له كثيرًا من المبررات على ما فعله.

«عند مشاهدتك لوالتر وايت ستقول لنفسك: «حسنًا، سوف أمضي قدمًا في هذه الرحلة، أنا لا أحب ما يفعل، لكنني أفهم، وسوف أمضي معه بقدر ما يذهب». *فينس غليغان منتج ومؤلف المسلسل

أهي الرأسمالية حقًّا؟

الجانب الآخر من مسلسل بريكنج باد هو كشف عيوب الرأسمالية القاسية التي تمنح الإنسان خيارًا صعبًا بين الثروة أو العاطفة، وعليه أن يختار واحدة منهما فقط كما يرى الكاتب مايكل بارلبيرج في جريدة الغارديان البريطانية. فرجل مثل والتر وايت لم يكن ليتحمل وحده تكاليف علاجه الباهظة التي فرضها عليه النظام الرأسمالي، والذي اضطره بوصفه مدرسًا للعمل في وظيفة أخرى في مغسلة للسيارات كي يسد احتياجات أسرته المادية. كان على والتر أن يختار بين ضياع أسرته وأقرب الناس له وبين الجريمة؛ بين الثروة وبين الإنسانية، لا توجد حلول وسطى.

تشير الإحصاءات إلى أن هناك 45 ألف حالة وفاة سنويًّا في الولايات المتحدة الأمريكية نتيجة عدم قدرتهم على تغطية تكاليف العلاج، وهو نفس الأمر الذي وجد والتر وايت نفسه فيه، فما كان منه إلا أن اتجه لعالم الجريمة، ما يطرح بدوره تساؤلًا مهمًا: لو كان والتر في مجتمع آخر غير المجتمع الرأسمالي الأمريكي هل كان ليجد بدائل أخرى أكثر فاعلية لتغطية تكاليف علاجه وضمان مستقبل أسرته؟

«فكرة أن يتحول مدرس كيمياء إلى تاجر مخدرات ليست مستبعدة الحدوث في زماننا هذا وفي اقتصادنا هذا». *يضيف مايكل في مقاله

إن شخصية كوالتر وايت جذبت أنظار الكثير من النقاد في الولايات المتحدة لعيوب المجتمع الرأسمالي الخطيرة، فما فائدة أن يدفع المواطن الأمريكي كل هذه الدولارات سنويًّا ضرائب، وفي نهاية المطاف لا يجد رعاية صحية كاملة تٌقدم له مجانًا؟ ما فائدة مؤسسات الدولة إذًا إن كان ينتفع بها الأغنياء فقط؟


يرى كثير من المشاهدين والتر وايت ضحية لمجتمعه، فهو في نظر القانون مجرم قاتل، لكن من يُحاسب الظروف التي اضطرته لذلك؟ من كان ليسدّ حاجة أسرته بعد وفاته بسبب المرض، ومن كان ليتحمل تكاليف علاجه في نظام رأسمالي تغيب فيه العاطفة أمام القوانين، ويضطر كثير من الناس لجمع المال بشتى الوسائل كي يتسنى لهم تأمين مستقبل أولادهم؟

العائلة.. لا تتخلَ عنها أبدًا

تطرق المسلسل إلى الجانب العائلي في حياة أبطاله بشكل كبير، فوالتر وايت فعل كل ذلك من أجل عائلته كما يبدو في الظاهر حتى لو اختلفت دوافعه الداخلية، وتوكو تاجر المخدرات الشهير كان يهتم بعمه المعاق ويحرص على رعايته دائمًا، وحتى والد جين الفتاة التي أحبها جيسي كان يردد لوالتر هذه الكلمات:

«العائلة. لا يمكنك التخلي عنها، أبدًا. ماذا يوجد غيرها؟».

وهانك زوج ماري كان يكنّ لوالتر احترامًا وحبًّا كبيرين، وكذلك لأبنائه، وكان يأخذهم معه في منزله ليعيشوا معه هو وماري.

حتى أشد شخصيات المسلسل قسوة كانت مرتبطة بعائلتها، عصابة جاك ويلكر التي ظهرت في الموسم الأخير من المسلسل كان قائدها يردد: «العائلة: لا تبخل عليها أبدًا».

هل يمكن للقاتل أن يحب؟

لطالما يبرز تساؤل عن مدى قدرة الحب على العيش بين جنبات الشر الكامن في نفوسنا، كيف يقتل المجرم ضحيته في الصباح ويعود ليطبع قبلة على جبين زوجته وأولاده في المساء؟ في بريكنج باد سنرى تلك التركيبة العجيبة لشخصية الإنسان الذي سقط في بئر الجريمة والقتل، يحاول دائمًا أن يبرز الجانب العاطفي في حياته، يوطد صلته بأحبائه وأقاربه، ويقتنع في قرارة نفسه أن كل هذا من أجلهم.

سنرى جاس فرينج الشخصية غريبة الأطوار والجامعة لكافة المتناقضات، وكيف يعيش بجانبين مختلفين تمامًا أحدهما رجل أعمال فاضل يحرص على خدمة مجتمعه، والآخر تاجر مخدرات كبير لا يتورع عن إراقة الدم دون أي وازع.

نعم يمكن للقاتل أن يحب، أو أن يتظاهر بالحب، كما يمكن له أن يتظاهر بالشرف والتضحية والفداء، في الحقيقة يمكن له أن يتظاهر بأي شيء، لكن هذا لن يغير من حقيقته.

لا خير دائم ولا شر مستمر

إحدى أبرز الأفكار التي ناقشها المسلسل هي رؤية الخير والشر المتجذر داخلنا من كافة جوانبه، وإثبات أنه ليس هناك خير على الدوام أو شر مستمر. قد يبدو والتر شخصية مخلصة لأسرتها، مقاومة ومناضلة للمرض وللظروف، لكن هذا لا ينفي جرائمه في حق المجتمع.

«أريد أن أؤمن أن هنالك جنّة. لكنني لا أستطيع ألا أؤمن أن هنالك نارًا». *فينس غليغان.

بهذه الكلمات يوضح غليغان فلسفة المسلسل التي تقوم على أنّ الخير والشر متلازمان ومعقدان للغاية، يصعب فصل كل منهما عن الآخر، فقد نجد عملًا ما خيرًا في جانب وشرًّا في جانب آخر كما رأى المشاهدون شخصية والتر وايت، وفي النهاية هناك قصاص عادل سيأتي -لا محالة- في آخر المطاف، مهما أفلت المجرم من عاقبة ارتكابه لجرائمه، أما جرائم المجتمع والدولة في حق الإنسان فعلى الأغلب ستبقى بلا حساب.