توسعت روسيا في تمويل وتأسيس وسائل إعلام مملوكة لها، تخاطب المُشاهد العربي والأوروبي، بهدف الترويج لسياسة موسكو خارجيًا وداخليًا، بالتزامن مع إستراتيجية رئيسها فلاديمير بوتين التوسعية، الذي أعاد بها نفوذ بلاده المفقود طيلة العقود الماضية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. 

إستراتيجية هذه الوسائل الإعلامية وسياستها الدعائية أثارت الجدل في الكثير من الدول التي تبث منها، خصوصًا مع رؤية البعض لها أنها مجرد «أذرع استخباراتية» تتجاوز مهمة وظيفتها الإعلامية عبر نشر «الأخبار المزيفة» وتحريف الحقائق في كثير من قضايا الشرق الأوسط التي تتقاطع مع مصلحة موسكو فيها. يحاول التقرير التالي التعرف على إستراتيجية بوتين الإعلامية التوسعية، والكيفية التي تؤدي بها هذه الكيانات مهامها، وحقيقة دورها في نشر «معلومات مُضللة» كما راج عنها، وكيف تواجهها واشنطن والدول الأوروبية في ظل التنافس القائم بينهما خصوصًا مع الاتهامات الأمريكية لهذه الكيانات الإعلامية الروسية ببث أخبار كاذبة حول الشأن الداخلي.

إمبراطورية بوتين الإعلامية.. «الأخبار المزيفة» الوسيلة الأكثر تأثيرًا

خلال السنوات الأخيرة، أطلقت روسيا عددًا من وسائل الإعلام المملوكة لها، التي تخاطب القاريء خارج روسيا، تماشيًا مع سياسة فلاديمير بوتين التوسعية خارج حدود بلاده، ووظف بوتين هذه الوسائل للدفاع عن سياسات بلاده الخارجية، والترويج في الوقت ذاته لإنجازاته، كي تكون منفذًا إعلاميًا يقدم رواية مناقضة لما تبثه وسائل الإعلام الغربية والأمريكية حول الأحداث والقضايا. 

باتت مهمة وسائل الإعلام الروسية الممولة من الكرملين، منذ انطلاقتها، هي التشكيك الدائم، بطرق وإستراتيجيات متنوعة، في الروايات الغربية والأمريكية للقضايا الأساسية، لتصير في غضون سنوات معدودة، خط الدفاع الأول عن روسيا وبوتين، بحسب تحليل لصحيفتي «نيويورك تايمز» الأمريكية و«الجارديان» البريطانية. 

غير أن هذه القنوات تحولت من مجرد ناقل للأخبار أو حتى داعمة لبوتين إلى وسائل وظيفتها الأولى بث الأخبار «المزيفة» و«اختلاق الأكاذيب»، من أجل تنفيذ سياسة الكرملين الذي يلعب دورًا توجيهيًا رئيسًا لها، بحسب محللين ودراسات عملت على تحليل محتوى هذه الوسائل وكشفت وقائع أثبتت هذه المهام التوجيهية.

أحد المؤشرات على هذا التوظيف السياسي من جانب الكرملين لوسائل الإعلام الروسية هو تطابق النصوص المنشورة في منصات هذه الوسائل حول القضايا أو الحوادث الكُبرى التي تتقاطع مع المصالح الروسية. من بين هذه القضايا التي تطابقت فيها النصوص المنشورة، والترويج لرواية واحدة حولها، هي حادثة تحطم الطائرة الماليزية «إم إتش-17» فوق أوكرانيا في 2014، والتي أشارت التحقيقات فيها لتورط مسؤولين رووس كبار في تنفيذها، حيث نشرت الوسائل الروسية روايات آخرى تقول إن السبب في الحادثة هو «القتل العمد» من الطيار.

قضية أخرى تطابقت فيها التغطية الإعلامية، بما رأه محللون توجيهًا من الكرملين لهذه الوسائل، هي مسألة ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، التي قوبلت برفض أوروبي وأمريكي واسع، حيث واجهتها هذه الوسائل الإعلامية الروسية بنشر استطلاعات للرأي تقول خلالها إن النسب الأكبر من سكان أوروبا مؤيدة لعملية الضم.

بحسب بن نيمو، الخبير البريطاني المدقق في مصداقية الأخبار، والمراقب الدائم لوسائل الإعلام الروسية، فإن القضايا والأزمات الكبري التي تكون فيها موسكو موقع الاتهام والطعن، يجد تطابقًا في نصوص تغطية هذه الوسائل الإعلامية الروسية، بينما تتبع هذه الوسائل نمط آخر للتأثير في القضايا الخارجية ضد أوروبا عبر نشر أخبار مضللة دون أن يكون هناك تطابق في النص، بحسبه.

ترتبط هذه المهام أيضًا «بالمهام الاستخباراتية السرية» التي أوكلها لها بوتين، الجاسوس السابق في جهاز استخبارات الاتحاد السوفيتي، إذ كانت أبرز هذه المهام في توظيفه لهذه الوسائل هي دفع بريطانيا للانسحاب من الاتحاد الأوروبي عبر تخصيص برامج على قنواتها لمذيعين مؤيدين لإستراتيجية روسيا لبريطانيا.

والحال ذاته في أمريكا، إذ توصل تقييم أصدره مسؤولو المخابرات الأمريكية بالاشتراك مع مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الأمن القومي، أن شبكة «RT»، ووكالة «سبوتينك» نفذت مهامًا «استخباراتية سرية»، عبر نشر «الأخبار المزيفة». وجاء موقع شبكة «RT» الروسية في المرتبة الثانية عشر التي زودت المستهليكن بالأخبار المزيفة خلال الانتخابات الأمريكية السابقة، مثل التشكيك في صحة هيلاري كلينتون، أو الزعم بوجود خطة لشبكة «جوجل» للتلاعب بالانتخابات لها، فضلًا عن الترويج حول مشاعر قلق لحاملي الأسهم في البورصة الأمريكية في إشارة إلى عدم استقرار الأوضاع السياسية في واشنطن.

وتتقاطع هذه الأدوار مع ما ذكره ديمتري بيسكوف السكرتير الصحافي لبوتين، حول تصوره لوظائف هذه الوسائل الإعلامية أن «الواقع الجديد لهذه الوسائل الإعلامية يخلق فرصة مثالية لاضطرابات جماعية، أو لبدء دعم جماعي أو رفض جماعي».

من بين «المهام الاستخباراتية» التي نفذتها شبكتي «RT» و«سبوتنيك» الروسية، من وجهة النظر الغربية، ترويجها لسبع نظريات مؤامرة حول واقعة تسمم الجاسوس الروسي السابق سيرجي سكريبال، الذي انشق ولجأ إلى بريطانيا، إذ كشف تقرير نشره موقع «كينجز كولدج» في لندن، أن سبع نظريات مؤامرة روجت لها موسكو حول واقعة تورط ضباط تابعين لموسكو لقتله على الأراضي البريطانية.

مقابل هذه الوقائع والشهادات، تدافع الشبكات الروسية والعاملين فيها عن نفسها، والمهام التي ينفذوها، مؤكدين أنهم متمسكون باستقلاليتهم، وسياستهم التي تخضع لمعايير، وأنها المنفذ البديل لما يرونه نخبوية غربية راضية وليبرالية جديدة. 

من بين هؤلاء العاملين أفشين راتنسي، الذي يقدم برنامجًا حواريًا ثلاث مرات أسبوعيًا تحت عنوان «Going Underground»، انتقل راتنسي، إلى شبكة «RT» في عام 2013 بعد العمل في «بي بي سي» و«سي إن إن» و«بلومبرج» والجزيرة وتلفزيون «إيران برس». قال: «على عكس بي بي سي، وسي إن إن، لم يتم إخباري أبدًا بما أقوله في RT». وقلل راتانسي من حالات الاستقالة جراء وجود ضغوط سياسية قائلًا: «هناك حالتان فقط استقال فيها مذيعو «RT» في موسكو بسبب ما قالوا إنه ضغط على خط الكرملين، وليس في مكتب لندن».

واتبعت السلطات الأوروبية طرقًا متنوعة لمواجهة وسائل الإعلام الروسية، تباينت بين التحذيرات كحال بريطانيا التي وقعت غرامة مالية قدرها 200 ألف جنيه إسترليني على قناة «RT» الروسية بسبب ما اعتبرته نشر «الأخبار الكاذبة»، أو دول أخرى حاولت تقييدها قانونًا مثل أمريكا التي تعاملت معها باعتبارها مؤسسة تابعة لدولة أجنبية، وألزمتها بتسجيل نفسها كمنظمة أجنبية تلتزم بقانون «fARA»، الذي يُلزم الدول أو الجهات الأجنبية التي تمارس ضغطًا سياسيًا في واشنطن بالإفصاح عن تعاملاتها. 

 ويشرح روبرت إيليوت، رئيس كبرى الشبكات البريطانية المتخصصة في الإعلام، في مقال منشور له بصحيفة الجارديان البريطانية الفارق بين ماتمارسه وسائل الإعلام الروسية ووسائل الإعلام الأوروبية، قائلًا: «تستخدم الدول دائمًا جميع الأدوات المتاحة لها لحماية مصالحها الوطنية والسعي لتحقيق أهداف السياسة الخارجية»، لكنه يستدرك قائلًا :«بي بي سي ممولة من القطاع العام ولا تسيطر عليها الحكومة، وتخضع لمعايير مشددة فيما تذيعه وتنشره، وهذا تمييز واضح بينها وبين وسائل الإعلام الروسية، موضحًا أنه قد تسعى الحكومة إلى ممارسة الضغط، لكنها لا تستطيع إملاء خط تحريري».

في أزمة كورونا نموذجًا.. أوروبا الهدف الأهم لسبوتنيك وأخواتها

كان آخر مهام وسائل الإعلام الروسية الترويج لحملة إعلامية وصفها مراقبون غربيون بالـ«تضليلية» الواسعة على قنواتها حول آثار أزمة كورونا على الدول الأوروبية، عبر بث أخبار تخلق حالة من الذعر بين مواطني الدول الأوروبية، وذلك بحسب وثيقة للاتحاد الأوروبي، التي أوضحت كذلك أن الهدف الأهم من هذه الأخبار المغلوطة كان «تضخيم الأزمة الصحية العامة في الدول الغربية». من بين هذه التقارير ما نشرته مجموعة سبوتنيك الروسية بالإنجليزية أن «علماء الأحياء والصيادلة الأذكياء للغاية» في لاتفيا اخترعوا فيروس كورونا، كما نقلت عن مصادر أخرى قريبة من الكرملين في تقرير آخر أن «الفيروس جرى تصنيعه في منشآت بورتون داون التابعة للجيش البريطاني».

شملت الحملة نشر تقارير باللغة العربية أيضًا، مثل مانشرته وكالة «سبوتنيك الروسية»، في يوليو (تموز) الجاري، حول خبر بعنوان «كورونا يفتك بالسيارات الجديدة في أوروبا»، بينما يوضح متن الخبر المنشور أن الأثر هو انخفاض فقط في مبيعات السيارات في دول الاتحاد الأوروبي على خلفية القيود المفروضة بسبب أزمة كورونا، كحال كافة دول العالم.

وأبرزت الأخبار المنشورة على وسائل الإعلام الروسية، في هذا الصدد، توجهًا بإبراز الدور الروسي في مساعدة الدول الأوروبية التي «تواجه أوضاعًا صعبة» للعبور من أزماتها، وتقديم الخبرة الروسية في مكافحة الوباء، ومساعدات طبية لها بعدما طلبت ذلك من موسكو، التي استجابت لهذه المطالب «لدوافع نبيلة» وليس من أجل «المُساومة السياسية». وقدرت المفوضية الأوروبية عدد التقارير التي وصفتها بـ«المُضللة» التي نشرتها وسائل إعلام روسية بنحو 80 تقرير، كان الهدف الرئيس منها «إرباك المواطنين الأوروبيين بزرع الانقسام وعدم الثقة». 

حلفاء روسيا ليسوا محميين من أذرع بوتين

لم تستثن روسيا حلفائها من مهامها الترويجية ونشر المعلومات التي تراها هذه الدول «مزيفة» عبر امبراطوريتها الإعلامية، حيث توزعت مكاتب وسائل الإعلام الروسية في عواصم حلفاء موسكو كحال خصومها التي تؤدي نفس المهام. على سبيل المثال، أصبحت «سبوتنيك الروسية» أكبر مصدر للأخبار المحلية في دول البلقان، بعدما أتاحت الوكالة أخبارها «بالمجان باللغات المحلية»، متبعة نفس سياساتها الترويجية، والتي عززتها بندوات وإطلاق مواقع إلكترونية تروج لسياسات بوتين بالمنهج ذاته.

وشملت هذه المهام الترويجية دولًا في الشرق الأوسط؛ ما أثار انزعاج دولًا حليفة لموسكو كحال مصر، كما كشف مصدر إعلامي مصري، مُقيم بالخارج رفض ذكر اسمه، في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» أن السلطات المصرية أرسلت كثيرًا من التنبيهات على العناوين الترويجية للقضايا الهامة، وتحديدًا مثل قضية سد النهضة، كما منعت عددًا من الوجوه الإعلامية الداعمة لها من الظهور على شاشات قنواتها، وحذرت البعض ممن يعملون فيها. 

يقول المصدر الإعلامي، وهو صحافي سابق في وكالة «سبونتيك» الروسية، أن السلطات قد تضيق ذرعًا بما تنشره وسائل الإعلام الأمريكية في مصر بوصفها «انتقادًا للسلطات التي تضيق ذرعًا بقضايا الحقوق والحريات»، غير أنها لا تستطيع الزعم بأن ما تنشره أكاذيب أو يهدف للإثارة كما تفعل الوسائل الروسية التي تثير قلقًا كبيرًا غير مرئي بالنسبة للسلطات المصرية.

يعزز من هذه الرواية ما ذكره اللواء سيد غنيم، الخبير العسكري والإستراتيجي على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» أنه «معروف تمامًا في العالم كله تقريبًا أن «روسيا اليوم» و«سبوتنيك» من أكثر مصادر الأخبار تضليلًا؛ وعن نفسي لاحظت الكثير من هذه الأمور خلال بحثي الفردي والجماعي في عدة دول ومنها الصين نفسها أهم حليف لروسيا حاليًا».

ويُضيف غنيم، المحاضر الدولي في حلف الناتو، أن وسائل الإعلام الروسية بدأت في تكتيك الاستناد إلى أخبار محلية زائفة منتشرة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية غير القانونية، أو حتى من خلال بعض مصادر الأخبار المحلية القانونية والتي يمكن أن تنشر أخبارًا دون التحقق منها، وهو ما حدث بالفعل أكثر من مرة في مصر، مؤكدًا أن «حديثه هذا ليس هجومًا أو دفاعًا عن روسيا، ولا أمريكا، ولا أوروبا، ولا هو مجالًا للمقارنة بين إعلامهم، ولكني أردت أن أوضح أمر شديد الخطورة. وأزعم أن المسؤولين بالمؤسسة الإعلامية والمعنيين بالأجهزة الأمنية المتخصصة في مصر يعدون لأمر ما في هذا الصدد تجنبًا للمخاطر التي تنجم عن تلك المهازل والعشوائية».

المصادر

تحميل المزيد