لم تكن قلة الموارد المالية العائق الوحيد أمام «بيلي بين» – مدرب فريق البيسبول في فيلم كرة المال، «Money ball» لكن كان أيضًا انتقال عدد من أهم اللاعبين في النادي والخوف من تخبط الفريق في الدوري أحد أهم الصعوبات التي واجهها.

تخطر على بال المدرب فكرة أن يستعين بـ«بيتر براند» الذي يعمل ضمن الفريق الاقتصادي والمالي للنادي، ليعتمد على الإحصاءات والبيانات الرقمية والبرمجيات الحاسوبية لدعم مسيرة النادي في خياراته وفي مسيرة اختياره للاعبين وتنظيم مسيرة النادي، وبالرغم من قلة عدد المعجبين بلعبة البيسبول، إلا أن الفيلم رُشح للأوسكار لجائزة أفضل فيلم، إذ يستعرض الفيلم قصة حقيقية لمدير عام نادي أوكلاند، والذي أعتمد على تطبيقات البيانات الضخمة، ليغير من مسار النادي الذي تعرّض للخطر بسبب التهديدات التي واجهها، لينجح في النهاية للوصول إلى المباراة النهائية.

لم يكن ذلك سهلًا على الإطلاق، إذ لم تكن إدارة النادي – ذات الأعضاء كبار السن – مقتنعة بأن شابًا متخصصًا في جمع المعلومات وتحليلها والحصول على نتائج منها قادر على الدفع بالنادي إلى الانتصارات في رحلة الدوري لكرة البيسبول، لكن تمسك «بين» برأيه وسعى في تحقيق وجهة نظره التي استطاع من خلالها إبهار الجميع في النهاية.

سهل عصر «البيانات الضخمة» عملية إتخاذ القرار، فالبيانات التي نبني عليها قراراتنا أصبحت متجددة يوميًا وبالتالي تعطينا تلك البيانات رؤى سريعة وحديثة ومتجددة دائمًا، وهو ما جعل عملية اتخاذ القرار أكثر مرونة ويسر بكثير، حيث المصادر المتنوعة والحديثة والتحديثات المستمرة من شبكات التواصل الاجتماعي وغيرها من المواقع على شبكة الإنترنت، وبيانات الهواتف المحمولة والتطبيقات الهائلة، وهذا ما ينتج كمًا كبيرًا من البيانات الضخمة غير المهيكلة.

ولهيكلة هذا الكم الهائل من البيانات الذي يُنتج يوميًا؛ أُنشِئت العديد من المنصات والتطبيقات التي تعمل على تنظيم كم هائل من المعلومات يمكن الإستفادة منه؛ والتي نذكر بعضها، في هذا التقرير، وكيفية تكوين قصة منها، ففي عالم اليوم أصبح من يمتلك المعلومات الأكثر ويعلم كيف يُمكن توظيفها؛ هو من يتصدر المشهد ويصبح هو القادر على تحقيق الانتصارات كما أظهر فيلم «كرة المال».

قواعد البيانات مفتوحة المصدر ومحركات بحث الأوراق البحثية

اعتمدت كل من «البيانات» و«الصحافة» منذ عقود على الأساليب نفسها للوصول إلى نتائج يمكن عرضها للجمهور، لكن ظلا فنيين مستقلين عن بعضهما البعض، أما الآن وبفضل الإمكانات الجديدة التي أدت إلى اندماج الصحافة بالبيانات؛ أصبح من الممكن سرد قصص تحتوي على كم هائل من المعلومات الرقمية المتوفرة على شبكة الإنترنت، حيث اندماج الفنيين معًا. يوجد في كل مكان كم من البيانات الضخمة التي يمكن بلورتها في قصة صحافية مثيرة مما غير من شكل الصحافة التقليدية، ولعل من أبرز الترجمات الصحفية لـ«ساسة بوست» اعتمادًا على تقنيات صحافة البيانات مؤخرًا؛ كان: درس في الصحافة: هكذا تحقَّقنا من صحة فيديو قاذفة الصواريخ قرب مطار القاهرة

إن دور صحافي البيانات لا يقف عند جمع المعلومات وصياغتها في قصة صحفية تُمتع القارئ لبعض الوقت وحسب، بل يتعدى دوره إلى اختيار أفضل الوسائل للتثبت من تلك المعلومات، وتحليلها والاعتماد على علم الإحصاء للخروج بقيم «رقمية» تؤكد ما يطرحه الصحافي من معلومات، ثم عرض تلك المعلومات بصريًا؛ مما يُسهل على القارئ فهم تلك المعلومات، والتي ربما يحتاج الصحافي فيها الاعتماد على بعض الأكواد البرمجية لإنجاز مثل هذه المهمة، وتقرير «درس في الصحافة» أفضل مثال على ذلك.

ولإعداد قصة صحافية تعتمد على البيانات؛ يذكر عمرو العراقي – صحافي البيانات المصري، أن أول محطة لإنتاج مثل هذه القصص الصحفية هي جمع البيانات «الخام» والتوثق منها ومن ثم تحليلها وعرضها بطريقة مبتكرة للخروج بالقصة، وهذا ما نتناوله في هذا التقرير.

مع تدفق البيانات بغزارة من مصادر متعددة لم تعد الصحافة التقليدية مُشبِعة لنهم القارئ الذي يريد أن يصل إلى تحليل واقعي، يعتمد على الحقائق وليس مجرد سرد الأخبار، وهنا يأتي دور صحافة البيانات في جمع وتصفية وتصوير ما لا تستطيع العين أن تراه خلف الأحداث، وهذا ما تسهل قواعد البيانات ومحركات البحث المتخصصة – على الصحافي – الحصول عليه.

اقرأ أيضًا: صحافة البيانات في الجارديان: كيف يمكن أن تتحول البيانات إلى قصة؟

واقرأ أيضًا: «جنرالات الذهب»: تجربة «نون بوست» الفريدة في صحافة البيانات

والآن؛ تخيل أنه أصبح باستطاعتك الوصول إلى 50 مليون ورقة بحثية في مجالات مختلفة ومتعددة. ماذا يمكنك أن تفعل بهذه الثروة الضخمة؟ وللرد على هذا السؤال يجب أن نتطرق إلى سؤال آخر وهو: ما هي خطوات كتابة قصة صحافية من مصادر موثقة ومتاحة؟

في الحقيقة إن امتلاكك لكنز به 50 مليون ورقة بحثية لا يعني أي شيء، إن لم تكن تملك فكرة لقصتك، فأول خطوة للشروع في تجميع بيانات قصتك الصحافية هو أن تحدد الفكرة الأساسية، ومن ثم تحديد نوع البيانات والطريقة التي ستتحصل بها على البيانات، وهنا يأتي دور قواعد البيانات ومحركات البحث المتخصصة.

إن ما سنستعرضه الآن ليس مجرد 50 مليون ورقة بحثية فقط، بل بحر من البيانات والمعلومات الموثقة والمتجددة والمتاحة مجانًا في أي وقت تمتلك فيه فكرة تريد البدء في تنفيذها.

  • Book SC: محرك بحث ومكتبة مجانية توفر أكثر من 50 مليون ورقة بحثية وما يقارب الثلاثة ملايين كتاب، مؤرشفة وموثقة يمكنك البحث بالعنوان الذي تريد والحصول على العديد من الأوراق المتوفرة بصيغة PDF.
  • Open Data Network: محرك بحث آخر جدير بالاهتمام لاكتشاف البيانات المتعلقة بالإدارة الأمريكية، والذي يوفر أدوات عرض رائعة أيضًا.
  • The CIA World Factbook: كتاب حقائق العالم للـ«CIA» والذي يوفر معلومات عن التاريخ، والسكان، والاقتصاد، الحكومة، البنية التحتية والعسكرية لـ 267 بلدًا.
  • Google Public data explorer: محرك بحث جوجل المتخصص في البحث عن محركات البحث التي تؤرشف البيانات الخاصة بمؤشرات التنمية حول العالم خاصة المتعلقة بالاقتصاد، وتتوفر هذه الأداة العبقرية بعدة لغات من بينها العربية.
  • New York Times: خدمة توفرها «نيويورك تايمز» للمطورين، تمكنهم من البحث في أرشيف مفهرس يعود إلى 1851 وذلك بعدة طرق رائعة.

شبكات التواصل الاجتماعي وأدوات البحث عن الروابط

يقول أمجد النشوقاتي – متخصص في العلاقات العامة – إن فيسبوك يوسع دائرة العلاقات بين الأفراد وذلك لتزويد البيانات لتكون الإعلانات أكثر فاعلية في مستهدفاتها، وذلك عبر الأداة الجديدة «Discover »people والتي تربط بين الاهتمامات المشتركة بين الأشخاص مما يصنفها ويقسمها إلى مجموعات يسهل التعامل معها.


صارت شبكات التواصل الإجتماعي – في الآونة الأخيرة – مخازن البيانات الضخمة بجدارة؛ إذ أن في دقيقة واحدة يُكتب 3.3 مليون منشور على «فيسبوك»، و 448.800 تغريدة على تويتر، ويستقبل عالم يوتيوب فيديوهات تُقدر بـ 500 ساعة، وذلك طبقًا لآخر تقرير لـ Smart Insights. لذا أصبحت شبكات التواصل مصدر مهم للحصول على البيانات وتوارد المعلومات.

اقرأ أيضًا: ماذا تعرف عن «البيانات العملاقة» التي يحتفظ بها الإنترنت عنك؟

فبوصولك للأشخاص الأكثر معرفة بموضوع معين، تستطيع الوصول إلى مصادر موثقة ومتخصصة تمكنك من البدء في كتابة قصتك الصحافية، لكن تكمن المشكلة في مدى موثوقية البيانات المقدمة على هذه الشبكات، لذا ظهرت أدوات تعمل على ربط أصحاب التخصصات المتشابهة بمصادر يمكن الاعتماد عليها، مثل:

  • LinkedIn Showcase Pages: هي امتدادات لشركات خاصة تسلط الضوء على مبادرات وأعمال تجارية محددة، ويكون جمهورها متخصصًا مما يوسع دائرة العلاقات في مجال العمل ممن يهتمون بنفس ما تهتم به ويتشاركون مصادر متخصصة.
  • Facebook Insights: عن طريق تسخير رؤى فيسبوك، والعمل مع الباحثين، يأتي دور تلك الأداة لكي يصبح فيسبوك مصدر إلهام وإمداد للمعلومات من خلال ما يمتلكه من قاعدة للبيانات هي الأكبر على الإطلاق حول العالم، وذلك عن طريق فهم سلوك مستخدمي فيسبوك من الفئات العمرية المختلفة، والمناطق الجغرافية المتعددة مع أكثر من 1.7 مليار شخص على فيسبوك.
  • Diigo: شبكة مشاركة الروابط، والتي تعمل على تنظيم روابط الإنترنت طبقًا للكلمات المفتاحية التي يتشاركها آلاف البشر، فتعمل دييجو على إدارة روابطك الشخصية التي تود الاحتفاظ بها، لكن لا يقف دورها عند هذا، إذ يمكنك الوصول إلى الروابط التي شاركها الأشخاص في المجال الذي تود الوصول إلى مصادر فيه عبر استخدام الهاشتاجات المتخصصة.

كما توجد عشرات التطبيقات التي تمد مستخدميها بمعلومات دورية في مجالات عامة ومتخصصة، مثل تطبيقات الصحف والمجلات والقنوات الإخبارية وغيرها العديد. لا شك أن عالم صحافة البيانات المتطور يومًا بعد يومًا سيشكل تغييرًا جذريًا لطريقة تعاملنا مع الصحافة وتستبدل من مفهومها مع الوقت، ونتمنى أن يكون هذا التقرير خطوة لتوثيق بعض الأدوات الهامة التي يمكنك الإستعانة بها في هذا المجال الرحب.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد