لعل الحكمة الشهيرة في الصين، التي تقول «كل السهام أصابت أهدافها»، تنطبق تمامًا مع الشوط الكبير الذي قطعته الصين في سباقها المحموم مع الولايات المتحدة لتحقيق الهيمنة العسكرية على العالم، لكن الكثير من تلك «السهام» ليست أصيلة كما يبدو، بل جرت قرصنتها بطرق مخادعة في ساحة معركة خفية، تحاول فيها الصين استدراك ما فاتها، ليس فقط للحاق بالعملاق الأمريكي، ولكن لتجاوزه. 

مع خروج الصين من الحرب والثورة في عام 1949، أصبح من الواضح أن الاقتصاد الصيني يفتقر إلى القدرة على المنافسة مع الولايات المتحدة في إنتاج التكنولوجيا العسكرية المتقدمة؛ ولذلك، حاولت الصين في العقود الأخيرة تعويض قصورها في عمليات النقل المشروعة والابتكار المحلي بالتجسس الصناعي، وبات لدى الصين عادة راسخة تتمثل في سرقة تكنولوجيا الأسلحة من روسيا والولايات المتحدة، ومع مرور السنين، أصبح جواسيس بكين أكثر مهارة ومرونة في أساليبهم وتكتيكاتهم.  

«ناشيونال إنترست»: الحرب العالمية الثالثة التي كادت تشتعل بين روسيا والصين

لص الـ«إف-35»

كان ستيفن سو، رجل أعمال صيني يدير شركة تدعى «لود تيك»، متخصصة في تصنيع كابلات الطائرات، وعلى مدار نحو خمس سنوات، من عام 2009 إلى عام 2014، أسست شركة سو بشكل دؤوب شبكة من الاتصالات التجارية الوثيقة مع أكبر متعهدي الدفاع في الولايات المتحدة وكندا، من خلال بعض من العقود العسكرية الأمريكية الأكثر حساسية، ومن موقعه ذلك سعى لتكوين شبكة واسعة من الاتصالات مع شخصيات متعددة ومختلفة في الصناعات العسكرية للحصول من خلالها على أسرار بعض من أهم الصناعات العسكرية الأمريكية.

ومن بين المعلومات التي كان يهتم بها سو، تلك التي تتعلق بثلاث طائرات عسكرية أمريكية، هي الأكثر تطورًا على الإطلاق، وهي طائرات لوكهيد مارتن المقاتلة «إف-35» و«إف-22» وطائرة النقل «بوينج سي-17».

Embed from Getty Images

إف-16

لم يكن سو يعمل بمفرده، فقد كان جزءًا من فريق عابر للحدود مكون من ثلاثة أشخاص، حيث يوجد سو في أمريكا الشمالية، أما شريكاه فمن بر الصين الرئيسي. ووفقًا لـ«مكتب التحقيقات الفيدرالي»، فقد حدد سو ملفات الكمبيوتر القيمة داخل الشركات المستهدفة، ثم نقل هذه المعلومات إلى الشركاء في الصين، الذين يتسللون إلى أنظمة الكمبيوتر الخاصة بالشركات المستهدفة لسرقة الملفات المحددة.

كان فريق سو رغم نجاحه الهائل، مجرد جزء صغير من جيش هائل من المتسللين الصينيين المكرسين لسرقة أسرار الحكومة والقطاع الخاص الأكثر حساسية في أمريكا، وعلى مدار العقدين الماضيين، بنت الصين بنية تحتية هائلة وزاخرة بالتجسس الإلكتروني. ويقدر مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة أن الولايات المتحدة تخسر ما يصل إلى 600 مليار دولار في السنة في مجال الملكية الفكرية؛ ونظرًا إلى أنها تعد الصين «منتهك الملكية الفكرية الرئيسي في العالم»، فإن مكتب الممثل التجاري الأمريكي يعتقد أن الصين قد تكون مسؤولة عن الجزء الأكبر من تلك الخسائر.

أحد جبهات «حروب الظل»

سرقة أسرار الولايات المتحدة هي واحدة من أكثر الجبهات مكرًا في حرب الظل: ثابتة ومدمرة بشدة للأمن القومي الأمريكي، وتحدث على مرأى ومسمع من الجميع، وغالبًا ما ترفض الشركات الأمريكية – رغم إدراكها للسرقة- طلب المساعدة من الحكومة، أو حتى تحديد انتهاكات الإنترنت، خوفًا من تنفير شركائها الصينيين أو فقدان الوصول إلى السوق الصينية تمامًا.

وقد سُرِقَت مجموعة غير عادية من المعلومات حول بعض المشاريع العسكرية الأكثر تطورًا، والأكثر حساسية في أمريكا، وأكد تحليل لمكتب التحقيقات الفيدرالي أن الملفات والخطط الفنية، وغيرها من المعلومات المسجلة الملكية المسروقة تُطابق الأصول التي حصل عليها «مكتب التحقيقات الفيدرالي» مباشرة من الشركات الأمريكية، أو الكيانات الحكومية الأمريكية.

وكان عاما 2012 و2013 زاخرين بالعمل للغاية، فقد ادعى سو والمتآمرون معه سلسلة من النجاحات، إذ حدثوا مرارًا معلوماتهم لعملائهم الصينيين حول تقدم مسيرتهم في عمليات السرقة.

في 13 فبراير (شباط) 2013، كتب أحد شركاء سو لمشرفه موضحًا «التركيز على الولايات المتحدة ينصب في المقام الأول على التقنيات العسكرية، ولكنه يمس أيضًا مجالات أخرى، في حين أن التركيز على تايوان ينصب بشكل أساسي على المناورات العسكرية والبناء العسكري»، وواصل الرجل رسالته مفتخرًا بقوله: «في السنوات الأخيرة، نحن، بالعمل الدؤوب ومن خلال قنوات متعددة، حصلنا على سلسلة من بيانات التكنولوجيا الصناعية العسكرية».

انتهى عمل سو بن واحدًا من أكثر الجواسيس الصينيين خطورة في جيله، عندما اعتقل في كندا بموجب أمر أصدرته الولايات المتحدة، بعد خمس سنوات من إرساله تعليماته الأولى إلى المتآمرين معه في الصين، حول تفاصيل أهداف القرصنة داخل الولايات المتحدة، وقال بيان لوزارة العدل أوضح فيه لائحة اتهامه أنه «عمل مع اثنين من المتآمرين في الصين للتسلل إلى أنظمة الكمبيوتر، والحصول على معلومات سرية حول البرامج العسكرية، واعترف بالتآمر مع المتسللين الموجودين في الصين باستهداف مشروعات عسكرية أمريكية».

وفي حين نفت الحكومة الصينية مرارًا أي تورط في عمليات القرصنة تلك، فقد أُشيد بأنشطة التجسس التي فعلها سو وفريقة علانية في الصين، إذ وصفته وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة بأنه «بطل».

وأشادت افتتاحية لصحيفة «جلوبال تايمز» الصينية، التي تربطها علاقات وثيقة بالحزب الشيوعي الحاكم، بعمل سو ورأت أنه يستحق الاحترام، سواء أكان مذنبًا أم بريئًا، وأوضحت أن وفي ميدان المعركة السرية التي لا يستخدم فيها البارود، تحتاج الصين إلى عملاء خاصين لجمع أسرار من الولايات المتحدة. 

إن ساحة معركة «حرب الظل» تلك تتغير باستمرار، فمجرد أن تلقي الولايات المتحدة القبض على جاسوس أو عدة جواسيس، تدخل جواسيس جديدة غيرهم إلى الحلبة ويخوضون المعركة ذاتها من خلال أسلحة جديدة، وتمامًا كما تتقدم التكنولوجيا باستمرار، تتطور تكتيكات القرصنة الصينية، وبالفعل باتت طريقة عمل سو بن وفريقه أمرًا من الماضي، فقد تقدمت القدرات الإلكترونية للصين إلى درجة أن بكين لم تعد بحاجة إلى عميل على الأرض في الولايات المتحدة، فقد أصبح كل من الاستهداف والقرصنة بالإمكان تنفيذهما من بعيد، داخل الحدود الآمنة للصين.

أبرز سرقات الصين من الولايات المتحدة

«جي-31»

كان المحللون الأمريكيون يشتبهون في أن الصين تسرق المعلومات المرتبطة بالطائرة «إف-35»، حتى قبل ظهور تسريبات إدوارد سنودن، وأصبح الواقع المحتمل لهذه السرقة واضحًا عندما توفرت معلومات حول المقاتلة الشبح «جي-31»، والتي تشبه إلى حد كبير الطائرة الأمريكية «إف-35». 

وكما أظهرت رسالة بالبريد الإلكتروني بتاريخ 3 مايو (أيار) 2012 جرى تداولها بين فريق المقرصنين قبل القبض على سو، حجم ما سرقه الصينيون من أسرار الطائرة الأمريكية، فقد احتوت على ملف مرفق يبدو أنه اشتمل على معلومات كاملة عن الطائرة «إف-35»، كما غطى نحو 630 ألف ملف مسروق ذي صلة بالطائرة «سي-17» كل جانب من جوانب تصميم الطائرة.

وكما يقول المسؤولون العسكريون الأمريكيون بسخرية في كثير من الأحيان إن مقاتلات «جي-31» الصينية، وطائرة النقل «واي-20» هما، في أحسن الأحوال، نسخ رخيصة طبق الأصل من الطائرات الأمريكية.

الطائرات المسيرة  

حتى عام 2010، لم تكن الصين قد واكبت بعد الولايات المتحدة في تكنولوجيا الطائرات المسيرة، لكن ومنذ ذلك الوقت، دخل الصينيون مضمار السباق، وينتجون الآن طائرات مسيرة قادرة على المنافسة مع الطرز الأمريكية في سوق الأسلحة الدولي، لكن كيف استطاع الصينيون اللحاق بهذه السرعة؟

وفقًا للمخابرات الأمريكية، استولى المتسللون الصينيون على تكنولوجيا الطائرات المسيرة من عدة مصادر، بما في ذلك الحكومة الأمريكية، والشركات الخاصة والعامة المرتبطة بإنتاج الطائرات المسيرة، وتشبه أحدث الطائرات المسيرة الصينية بشدة الطائرات الأمريكية في الشكل والأداء، وتشهد الصين حاليًا طفرة كبيرة في هذه الصناعة.

Embed from Getty Images

تقنية الرؤية الليلية

بعد حرب فيتنام، قرر الجيش الأمريكي أن يستثمر بكثافة في محاولة للتغلب على صعوبات القتال ليلًا، وأدى ذلك إلى تقدم كبير في تكنولوجيا الرؤية الليلية، بما في ذلك المعدات التي سمحت للجنود والمركبات المدرعة والطائرات بالرؤية والقتال في الظلام، وأعطت هذه المعدات الولايات المتحدة ميزة كبيرة في العديد من الصراعات منذ الثمانينات. 

وتسعى الصين إلى إنهاء هذه الميزة، وقد وجهت بعض جهودها التجسسية نحو الحصول على التكنولوجيا الأمريكية وتكرارها في هذا المجال، وقد شمل ذلك بعض عمليات القرصنة الإلكترونية، وكذلك أيضًا من خلال عدة عمليات اكتسب فيها رجال الأعمال الصينيون بطريقة غير مشروعة التكنولوجيا التي تسيطر عليها الشركات الأمريكية.

خطة صينية طموحة

تسرق الصين أسرار الحكومة الأمريكية، والقطاع الخاص، والملكية الفكرية على مدى عقود، وبالنسبة للصين، فإن هدف هذه السرقة ليس فقط اللحاق بالولايات المتحدة، بل تجاوزها، وهذه النية ليست سرًّا تخفيه الصين في سراديب مخابراتها، بل نية يناقشها المسؤولون الصينيون علنًا في الخطب والمنشورات الرسمية.

وذكر التقرير السنوي للجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأمريكية الصينية أن الصين تعكف على تطوير مجموعة من الأسلحة المتقدمة ذات الإمكانات العسكرية المدمرة على نطاقات واسعة المدى. ويشير التقرير إلى ستة أنواع من برامج الأسلحة المتقدمة، التي وضعتها بكين على رأس أولوياتها؛ سعيًا لتحقيق الهيمنة في مجال الأسلحة التي تعمل بتقنيات فائقة التقدم.

ومن هذه الأسلحة التي تحاول الصين من خلالها تجاوز العملاق الأمريكي: «الرؤوس الحربية الصاروخية ذات القدرة على المناورة»، إذ كشفت الصين عن اثنين من الصواريخ الباليستية المضادة للسفن ذات القدرة على المناورة في عامي 2010 و2015، و«الأسلحة الأسرع من الصوت»، والتي حققت فيها الصين تطورًا كبيرًا، إذ أجريت سبعة اختبارات سرعة انزلاق مفرطة السرعة منذ عام 2014، و«أسلحة الليزر والحزم الضوئية»، و«مدافع رييلغن الكهرومغناطيسية» التي تطلق قذائف كهرومغناطيسية وتعتمد على نظم حركية لتدمير الأهداف.

هذا إضافة إلى «الأسلحة المضادة للهجمات من الفضاء الخارجي»، والتي تتضمن الصواريخ المباشرة المضادة للأقمار الصناعية وأسلحة الطاقة الموجهة من الأرض، وعمليات الالتقاء والقرب لتدمير أو الاستيلاء على الأقمار الصناعية، و«الروبوتات الموجهة بالذكاء الصناعي»، والتي تشمل صواريخ «كروز» الروبوتية، وصواريخ «كروز» ذاتية التفكير، والمركبات ذاتية القيادة، وأسراب من الطائرات المسيرة.

بخلاف الصناعات العسكرية، وكما جاء في تقرير لـ«البنتاجون»، تواصل الصين بناء جيشها للتحول من قوة إقليمية إلى قوة عالمية، وتستثمر بكثافة في التحديث وتوسيع نفوذها العالمي، وتحاول تحقيق أهدافها تلك من خلال قدرتها على ممارسة النفوذ، مستخدمة أدوات مثل الدعاية، والخداع، والتهديدات، وحتى الإكراه.

ويمثل حجر الزاوية في استراتيجية الصين دعوة المواطنين الصينيين في الخارج، أو المواطنين من أصول صينية من دول أخرى إلى تعزيز أهداف الصين من خلال القوة الناعمة. فيما تستخدم أحيانًا الإكراه أو الابتزاز للتلاعب بالمواطنين الصينيين المغتربين، لإجراء عمليات نفوذ نيابة عن الصين، مثل تهديد أبناء الإيغور الذين يعيشون في الولايات المتحدة بسجن أفراد عائلاتهم. ووفقًا لتقرير «البنتاجون»، تنفذ عمليات غرس النفوذ في الأوساط الأكاديمية، ومراكز الفكر، ووسائل الإعلام التي تديرها الدولة، كما تتطلع الصين إلى هذه المجموعات لنشر رسائل دعم لمصالحها الأمنية.

إن تلك الحرب الخفية المحتدمة بين القوى العالمية للهيمنة على العالم هي حرب هجينة، لا تراق فيها دماء، ولكنها بدلًا من ذلك استراتيجية لمهاجمة خصم عن بُعد من خلال استخدام مجموعة من تكتيكات القوة الخشنة والقوة الناعمة: من الهجمات الإلكترونية على البنية التحتية الحيوية، ونشر التهديدات للأصول الفضائية، إلى العمليات الاستخبارية المصممة لإثارة الانقسام المحلي، وسرقة الأسرار العسكرية، وهي جميعًا حروب تحدث في الظل، على الرغم من أن لها عواقب ملموسة دائمة مثل تلك التي للحرب الشاملة… وما تزال ساحتها الواسعة بانتظار المزيد.

هل تصبح اللغة المندرينية الصينية لغة المستقبل في أفريقيا؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد