في محاولة لمساعدة الطلبة في البحث عن الذات وعن الشغف الحقيقي داخل كل طالب،  كتب البروفيسور (يوري ألون)، الأستاذ في قسم الأحياء الخلوية الجزيئية بمعهد وايزمان، في تل أبيب- بحثًا عن كيفية اختيار المشاريع البحثية على طول فترة الدراسة ابتداءً من مرحلة ما قبل التخرج إلى الأبحاث العلمية لما بعد الحصول على درجة الدكتوراة.

يستهل البروفيسور في بداية البحث بقوله إن اختيار موضوع بحثي جيد هو أحد معايير العَالِم الجيد، ولكن السؤال هو، ما هو تعريف الموضوع البحثي الجيد؟ وما هي الخطوات الصحيحة لاختيار مثل هذه الموضوعات؟ هذا في الوقت الذي من المعتاد فيه، في الوسط الأكاديمي، عدم المناقشة في هذه المسألة بالتحديد بشكل منفصل، حيث إنه من المفترض تلقائيًّا أن يكتشف الباحث ذلك بنفسه، كنوع من البحث مع الذات. وللأسف غياب هذا النقاش، ينتج عنه مساحة كبيرة من عدم وضوح الرؤية، تلك التي تؤدي بدورها إلى اتجاه بعض الباحثين لاتباع أساليب مثل اختيار المواضيع التي يخرج منها بنتائج بحث تجذب اهتمام المجلات العلمية المرموقة، كنوع من المساعدة في الحصول على وظيفةٍ ما في جامعة أو هيئة بحثية. ويرى الكاتب أن مناقشة هذا الموضوع مناقشة شاملة؛ أي من جوانبه الإنسانية أيضًا، وليست العملية فقط، من الممكن أن يودي بنا إلى معيشة وعلوم أفضل من حولنا، حيث إن الاختيار الصحيح في الدراسة من الممكن أن يؤدي إلى اكتشاف مجالات جديدة، ويساعد الباحث على التعبير عن الذات.

 

نقطة البداية: التنشئة

يقول الكاتب إنه وقبل كل شيء، ومن أجل تنشئة طالب قادر على اتخاذ القرارت الصحيحة في اختيارته، فإن البداية تكون في بيئة العمل، أي الجامعة، أو المعهد، أو المعمل؛ حيث إن هذه الأماكن من الممكن أن يكون هدفها أكاديميًّا بحتًا، من أجل نشر أكبر عدد من الأبحاث على سبيل المثال، أو تكون بيئة أكبر لتنشئة العلماء، فيكون الهدف هو تغذية قدرات الطلبة والباحثين ليصبحوا علماء وآدميين أفضل على حد سواء. هذا الاختيار في أسلوب العمل هو اختيار مفصلي. ويستطرد قائلاً، إن القيم، التي يتربى عليها الطلبة، تؤثر في كل القرارات المُتخذة في مكان العمل، الكبير منها والصغير، مثل كيفية إدارة المعمل، وشكل وترتيب الأجهزة داخل المعمل، ومنها أيضًا كيفية اختيار الموضوعات البحثية. ويقول على سبيل المثال، إن في المعمل الخاص به، يهدفون عند اختيار الموضوع البحثي، إلى مساندة وتعزيز فكرة التنشئة، وحث روح الدفع الذاتي للباحثين.

 

كيف تفكر في الاختيار

لشرح هذا الجزء، يستعين الكاتب برسم بياني، يقوم بوصف الموضوعات البحثية بشكل مبدئي بناء على بُعدين:

أولهما على المحور الأفقي للرسم: درجة الصعوبة، ويمكن استنتاجها من المدة الزمنية المتوقعة لإنهاء البحث، حيث إنه، كلما احتاج العمل لمدة زمنية أطول لإنهائه، كلما أشار ذلك إلى زيادة في درجة صعوبة العمل. وهناك بعض العوامل التي تلعب دور تسهيل أو تصعيب العمل، مثل إمكانيات الباحث العلمية والشخصية، أو مستوى التكنولوجيا المستخدمة في المعمل، فمن البديهي كلما زاد أي من هذين العاملين، كلما ساعد ذلك على إنهاء العمل بشكل أسرع. وينوه الكاتب إلى أمر مهم، وهو أن في معظم الأحيان، درجة الصعوبة الحقيقية للأبحاث تظهر عند التنفيذ على أرض الواقع، فالتخطيط المبدئي لا يوضح أبدًا الصعوبات المحتملة عند التنفيذ.

البُعد الثاني على المحور الرأسي للرسم: عائد المعرفة من البحث، ونحن كبشر نقدر الموضوعات التي تخوض عميقًا في بحور العلم، وتعود علينا بكم كبير من المعرفة الجديدة. ويمكن تصنيف الموضوعات البحثية بناءً على مدى تعمقها في مجالات العلوم المجهولة.

ثم يشرع الكاتب في شرح أنواع الأبحاث العلمية باستخدام هذا الرسم البياني، فيحدثنا أن:

١- هناك دائمًا تلك التي توجد في الطرف الأيمن السفلي من الرسم البياني، وهي السهلة بدون عائد معرفي كبير، أو ما يُعرف بـ “الفاكهة التي في متناول اليد” على حد تعبير الكاتب.

٢- ولكن يوجد أيضًا في عصرنا الحديث كثير من المواضيع العلمية الصعبة، وبدون عائد كبير للمعرفة أيضًا، التي توجد في الطرف الأيسر السفلي من الرسم البياني، وغالبًا ما ينظر إلى هذه النوعية من الأبحاث من منطلق أن ما هو صعب، يكون جيد بطبيعة الحال.

٣- والنوع الثالث من الأبحاث، يكون عبارة عن تحديات كبرى، أي أن المواضيع على درجة عالية من الصعوبة، ومن المحتمل من الناحية العلمية أن تفتح آفاقًا لعلوم جديدة أمامنا.

٤- النوع الرابع – في الغالب المفضل لدينا- هو النوع السهل وفي ذات الوقت يضيف إلى معرفتنا الكثير.

ثم يستكمل الكاتب شرح كيفية اختيار الموضوع الأنسب بمساعدة الرسم، وبشرح مبسط لطريقة الاختيار، فإن أول خطوة هي تقييم المحاور بالنسبة للباحث أو الهيئة البحثية، على سبيل المثال، الطلبة التي ما زالت في مرحلة ما قبل التخرج، الأنسب لهولاء هي الأبحاث السهلة، ذات العائد المعرفي السريع (ليس بالكثير)، وذلك لأن الطلبة في هذه المرحلة المبكرة يحتاجون إلى تعزيز ثقتهم بأنفسهم. أما الأبحاث الممولة في الجامعات والشركات كمثال آخر، يفضل أن تكون تلك الأبحاث التي هدفها التطوير، أو البحث في أعماق العلوم، فتلك عبارة عن مشاريع طويلة الأمد، ويمكن تقسيمها لمشاريع أصغر يتم من خلالها تمرين الطلبة، ويتوقع أن يكون المردود منها عاليًا ومتناسبًا مع حجم التمويل الذي تم.

وبعد مرحلة التقييم، تأتي فكرة مفاضلة المواضيع البحثية التي في متناول يدينا بناءً على ذلك التقييم. ببساطة، عند مقارنة موضوعين بحثيين فإننا من الطبيعي نختار الأفضل بناءً على ذلك المعيار، فنقوم بإزالة الأخرى من على الرسم. وبعد تكرار هذا المبدأ على كل الموضوعات أمامنا، سوف ننتهي بالوصول لأنسب موضوع بحثي يناسب نوع معين من الباحثين (الطلبة، الحاصلين على درجة الدكتوراة، أوالباحثين العاملين في الشركات). وبذلك نصل لرسم بياني، يحتوي على نقاط متفرقة كل واحدة تمثل المشروع الأنسب لكل باحث بناءً على درجته العلمية، إذا قمنا بإيصال هذه النقاط ببعضها، فإننا نحصل في النهاية على منحنى يربط المرحلة العلمية للباحث، مع المشروع الأنسب له، كما هو موضح بالشكل.

لا تتسرع

يقول الكاتب في هذا الشأن، إن من الأخطاء الشائعة عندما تتاح لنا فرصة الاختيار، أن نقوم باختيار أول موضوع يبادر إلى أذهاننا. وبما أن الأبحاث تحتاج إلى سنين لإنجازها، تكون هي الإحباط، وفقدان الشغف بالعمل نتيجة التسرع في الاختيار. ويعطي مثال على ذلك، بشرح ما يتم في المعمل الخاص به عند اختيار الأبحاث، حيث إن الطلبة لا يُسمح لها أن تبدأ في بحث معين، إلا قبل مرور ثلاثة أشهر من بداية العمل في المعمل، في خلال هذه الفترة يقوم الباحث بالقراءة، ومناقشة المحيطين به، والتخطيط. وبعد مضي الثلاثة أشهر، يكون كل شيء معدًّا بالدقة المطلوبة لبداية مدروسة للعمل.

ويقول الكاتب إن من الطبيعي جدًّا أن يزداد الشعور بالإغراء تجاه البداية في العمل، في خلال هذه الأشهر الثلاثة، ولكن مهما كان الشعور جارفًا، لا يتم كسر القاعدة أبدًا. ويدرك الكاتب أن التأني في الاختيار ليس بالأمر السهل، بسبب البيئة والضغوط المحيطة بالباحث، مثل عدم وفرة المشاريع أو التمويل، أو ضيق الوقت بسبب الالتزامات الزمنية.

وهنا يشدد الكاتب على أن الباحث، يجب أن يتم دعمه من المحيطين حوله، لعدم الانجراف وراء هذا الشعور، وعلى الباحث أن يقوم بعمل كل ما يستطيع حتى يضع نفسه في موقف يجعله قادرًا على الاختيار بتأني، فعدم التسرع من الممكن أن يحدث فرقًا شاسعًا في العمل.

قيمة العائد المعرفي من البحث، من المسئول عن تحدد مدى أهميته؟

من المبادئ البديهية في العلم، أن تحديد قيمة المعرفة المكتسبة هو أمر شخصي، يقوم بتحديده الشخص الذي سوف يتولى البحث، والذي غالبًا ما يكون في حيرة من أمره، نتيجة وقوعه تحت تأثيرين، الأول: تأثير البيئة المحيطة به من الأساتذة والزملاء في المؤتمرات والهيئات، والآخر: ذلك الصوت الخافت بداخلنا الذي يدفعنا إلى ما شيق إلى أنفسنا، واختيارنا للأبحاث بناءً على هذه الرغبة الداخلية، تضيف إلينا الشعور بالرضا أثناء العمل على المدى البعيد. والباحث دائمًا في حاجة لوسط يدعمه، حتى يستطيع الإنصات لشغفه الداخلي، هذا الصوت الخافت بداخلنا يمكن أن يُقوى إذا ما وجدنا حولنا المعلمين الجيدين.

ويقول الكاتب إن أحد الطرق لتوجيه الباحث لإيجاد شغفه، هو إجابة هذا السؤال: أي هذه المواضيع سوف أختار إذا كنت أنا الشخص الوحيد على كوكب الأرض؟، فالإجابة الأمينة على هذا السؤال، قد تساعد في تقليل ذلك الشعور لدى الباحث، أنه في وضع مساومة أو مفاضلة بين عدة مشاريع، ويقلل من حيرته.

ويقول أيضًا إن من علامات النداء الداخلي لدى أي شخص، هو تلك الأسئلة التي تتكرر في ذهن الباحث مراتٍ ومرات على مدار شهور وسنوات فائتة، فتلك من الممكن أن تكون نواة لمواضيع بحثية جيدة، على عكس تلك الأفكار التي تأتي للباحث في الآونة القصيرة الفائتة، كأسابيع مثلاً. وأحد الأسئلة الأخرى هو: “ما هو شعورك عندما تقوم بشرح موضوع علمي معين لأحد أصدقائك؟

“إنه حقًّا لشيء مبهر، إن أنصاتنا لنداءات الشغف النابع من أعماقنا، فهي الطريق لعلوم أفضل من حولنا”

فهي تجعل لدى الباحث الدافع الذاتي للعمل، وتجعله يشعر أن رتابة أو ملل روتين العمل يمكن أن يعود عليه بنتائج جيدة.

على المدى البعيد، كلما ازداد الاهتمام الشخصي بالموضوع، كلما كان من المرجح أن يستطيع الباحث جذب اهتمام من حوله للموضوع.

 

التعيبر عن الذات

وهنا يطرح الكاتب سؤالاً، لماذا الاعتماد على ذلك الصوت الداخلي؟ اهتمام الباحث بالعمل شيء مهم، ولكن ما الفائدة التي تعود على العلم من شغف الباحث الداخلي؟

يقول الكاتب إن ذلك الشغف الداخلي هو مصفاة الباحث الشخصية، تلك المصفاة التي يرى العالم من خلالها ويدركه. وهذه المصفاة الداخلية مكونة من مجوعة القيم الشخصية للباحث، إيمانه بما هو حقيقي وجميل وصالح في الحياة من حوله، وإيمانه بما هو عكس ذلك. هذه المصفاة الشخصية للعالم هي مصفاة فريدة لكل عالم، وهي كل ما يستطيع أن يقدمه للعلم. وتعدد الفكر والبحث بناءً على رؤية كل عالم الشخصية هي الطريق لعلم يتميز بالإبداع، وقابل للتطوير والنمو.

ولكي نقوم باختيار موضوع بحثي جيد، يجب علينا أن ندرك رؤيتنا للعالم، ونعكسها من خلاله. نستطيع كمعلمين أن نساعد الطلبة في المراحل الأخيرة من الدكتوراة أو ما بعد الدكتوراة على اكتشاف شغفهم الداخلي. نستطيع ذلك بأن ننصت لهم وهم يصفون ما الذي يجذبهم في العلم، أو الحياة خارج العلم، وما هي تلك اللحظة التي قرروا عندها أن يصبحوا علماء، وما هي نوعية العمل البحثي الذي يفضلونه. من هنا، من نقطة الإنصات هذه، تبدأ الرؤية في الوضوح أمامنا. هل الطالب يحب الجماليات الظاهرية، أم يؤمن بالأفكار المجردة؟ هل يتجه للإيمان بما هو مثبت وعقائدي من حوله، أم يحاول أن يتمرد على هذه المعتقدات؟ هل يميل إلى النتائج القائمة على الأسس العلمية فحسب، أم يؤمن أيضًا بالإثباتات المنطقية؟ وما إلى ذلك…

هذا يساعد المعلم على اختيار موضوع بحثي للطالب، يجد الطالب فيه القدرة على التعبير عن الذات، وعندها، سوف يكون العمل حيويًّا، مليئًا بالاندفاع، ومعبرًا عن قيم الباحث الشخصية، ومن المرجح أن يكون في العمل فرصة لاكتشاف شيء جديد في الحياة.

 

التخطيط للعمل

ما الخطوة التالية بعد أن قمنا باختيار الموضوع البحثي المناسب؟ كيف يتطور العمل؟ يوضح الكاتب هنا الصورة أو الطريقة، والتي من المتوقع أن يقوم عليه البحث. التفكير المعتاد، أن يبدأ العمل من الأسئلة المطروحة التي تبحث عن أجوبة، وينتهي عند الوصول للأجوبة المناسبة لهذه الأسئلة من خلال أقصر طريق ممكن. ولكن ليس من المتوقع دائمًا أن يكون الطريق سهلاً، فمن الممكن جدًّا أن تتعقد الأمور قبل أن نحصل على إجابات، وفي هذا التوقيت، الالتزام بهذا المنهج، أي بضرورة الوصول للأجوبة لتلك الأسئلة تحديدًا، يصبح شيئًا مضرًا، ووقتها يصبح أي خلل في منظومة العمل – مثل إحباط لدى الطلبة من قلة النتائج أو فشل التجارب- غير مقبول على الإطلاق، ويصبح الطلبة الوسيلة للوصول للغاية لا أكثر، ويسبب ذلك الانحراف عن المسار المرجو الإحباط والتنافر لدى الطلبة.

ويوضح الكاتب أنه يمكننا أن نتبنى مسارًا آخر للمشروع، وهو مسار أقرب للواقع من سابقه، وهو كالتالي:

يبدأ البحث من الأسئلة المطروحة، ويتحرك الباحث باتجاة إيجاد الأجوبة، ولكن في منتصف الطريق سوف تتعثر الأمور، ويخرج المشروع عن المسار المحدد، التجارب لا تعمل، الافتراضات الأولية تبدو وكأنها خطأ، ويبدو كأن كل شيء أمامنا خارج المنطق. حينها، يبدأ الباحث في الشعور بالإحباط، تأتيه تلك المشاعر السلبية تجاه المشروع، ويدخل ما يسمى بمرحلة الغيوم في المشروع.

في هذا الوقت، من الممكن أن نجد آفاقًا لمشروع آخر بعيد عن ذلك الذي بدأ الباحث فيه، نستطيع أن نجد هذه الآفاق في ما هو متاح أمامنا مما توصلنا إليه. إذا ما كان هذا الموضوع البحثي الجديد أسهل وأكثر نفعًا من الموضوع الأصلي، نستطيع أن نتحرك باتجاهه. تلك الرؤية تجعلنا على مقدرة لاستيعاب تلك العقبات التي توجهنا أثناء العمل، وإدماجها في العمل، ولا ننظر إليها على أنها مصدر إزعاج. من أحد وظائف المعلمين، أن يوجهوا الطلبة أثناء المرور بهذه المرحلة الضبابية الصعبة.

وختامًا يقول الكاتب، تلك الرؤية الأخرى لإدارة المشروع البحثي، تزودنا بالقدرة على إدراك أن من الممكن أن يكون هناك نقطة بحثية أفضل غير التي بدأنا منها دون التحيز لها. تلك الرؤية تدعم الشجاعة والانفتاح للعلم لدى الطلبة، فالخوض في أعماق المجهول يتطلب الشجاعة، والقدرة على رؤية أن هناك في الأفق شيئًا آخر مختلفًا عن التوقعات، يتطلب تفتح ذهني غير عادي.

وينهي حديثه بنصح الطلبة، بعدم التسرع في الاختيار، لإيجاد ذلك الشغف الداخلي.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد