4,507

«كل الذين يديرون أستوديوهات هوليوود يذهبون إلى واشنطن، ويجلسون مع أعضاء مجلس الشيوخ، ويتسكعون مع مديري وكالة المخابرات المركزية، وجميعهم على وفاق» *رجل المخابرات المركزية السابق بوب باير في إحدى تصريحاته.

علاقة وكالة الإستخبارات الأمريكية بالإعلام والتليفزيون قديمة جدًّا؛ وتعود إلى فترة تولي ألين دولكس إدارتها؛ إذ قام هو وفريقه – في خمسينات القرن الماضي- برسم الصورة الذهنية المُرادة عن الولايات المتحدة من خلال التعاون مع نخبة من الصحافيين والإعلاميين بنيويورك وواشنطن.

 The Recruit.. فوز الفكرة على حساب المحتوى الفني

مع الوقت؛ طورت وكالة الاستخبارات الأمريكية مهارتها في صناعة الحقيقة – التي تريد الإدارة الأمريكية أن تصدرها- والتأثير في الرأي العام، وهذا من خلال نافذة أكثر تأثيرًا وإبهارًا وهي «هوليوود».

حرصت الاستخبارات الأمريكية على التواجد بصفة دائمة بقلب هوليوود؛ من أجل ضمان خروج كل الأعمال التي تخص عمليات التجسس والاستخبارات بالشكل الذي يصب في الصالح الأمريكي؛ خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول).

وعلى عكس الماضي، حين كانت تعمل الوكالة جنبًا إلى جنب مع هوليوود تحت غطاء سري؛ فقد غيرت الوكالة سياستها هذه منذ منتصف التسعينات، وقامت الوكالة بالمشاركة في صناعة الأفلام بشكل علني، مما ساعدها على توسيع استراتيجيات تمرير الأفكار الخاصة بها في شكل سينمائي، وخلال عام 1996 قامت الـ«CIA» بالتصريح – من خلال تشايس براندون أحد ضباط المخابرات– عن الهدف الذي تريد أن تحققه من وراء المشاركة في إنتاج الأفلام بهوليوود، وهو بحسب تصريحات براندون: «تصحيح الصورة الشريرة والسيئة التي لفقت لنا عالميًّا؛ وإظهار الجوانب الإيجابية لوكالة الاستخبارات الأمريكية».

اقرأ أيضًا: هكذا اخترق «سي. آي. إيه» عالم الفنون والآداب

واستمر براندون في تمثيل المخابرات بهوليوود حتى عام 2007، حيث عمل خلال هذه السنوات على تقديم العديد من الأفلام والمسلسلات التلفزيونية تحت إشرافه الخاص، ومن أشهر الأفلام التي خرجت إلى النور في فترة وجود براندون بأستوديوهات هوليوود هو فيلم «The Recruit»، والذي قام ببطولته النجم آل باتشينو، وحاولت المخابرات الأمريكية تمرير الفكرة المعقدة والمرهقة وراء تجنيد الرجال داخل الوكالة، وكان التركيز على تلك النقطة واضحًا للغاية، معبرين عن الحياة الصعبة والمرهقة التي يمكن لرجل المخابرات أن يحياها من أجل حماية الوطن – الولايات المتحدة الأمريكية- وهو الأمر الذي وصفه أحد النقاد على صفحات الـسي إن إن بـ«سيناريو ضعيف وفيلم غير ناجح» موضحًا أن التدريبات التي أظهرها الفيلم لا تبدو واقعية، على الرغم من إشراف رجل المخابرات براندون على كتابة الفيلم.

هذا الأمر الذي اتفق عليه العديد من النقاد على موقع النقد الأمريكي الشهير «روتين توماتوس»، إذ حصل الفيلم على تقييم نجمتين فقط من خمس نجوم.

Argo.. التجسيد البطولي لإنقاذ رهائن أمريكا من طهران

 

يعتبر فيلم Argo والذي تم إنتاجه عام 2012؛ هو الابن الصالح لعلاقة هوليوود بالـ«CIA»، وفقًا لتقييم النقاد بالولايات المتحدة الأمريكية، وقد حصل الفيلم على ثلاث جوائز أوسكار من ضمنها جائزة أحسن فيلم، وتدور أحداث الفيلم عن عملية الإنقاذ الجريئة التي قامت بها الوكالة لصالح مجموعة من الرهائن الأمريكيين.

في عام 1979، قام مجموعة من الإيرانيين بالهجوم على السفارة الأمريكية بطهران واعتقلوا العشرات من الرهائن الأمريكيين، الأمر الذي استمر لما يزيد على 400 يوم، وأحدث ضجة سياسية عالمية، ولكن تم إنقاذ الرهائن بفضل خطة وضعها أحد ضباط المخابرات الأمريكية، واستطاعت هوليوود بكل ما تملكه من خبرة فنية ودعائية ومؤثرات أن تجسد عملية الإنقاذ بشكل بطولي خارق، الأمر الذي أوضح رغبة الوكالة في تصدير صورة ذهنية عن ضباطها تنم عن الذكاء والشجاعة والبطولية، في هذا الوقت الذي بدأت الثورات العربية في الاشتعال، استنادًا إلى واقعة حقيقة تاريخية؛ لتأكيد قوة الوكالة بالماضي والحاضر، خاصة بعد تعرض السفارات الأمريكية لهجمات في بعض البلاد العربية كما حدث في ليبيا.

في المقابل، هناك بعض الآراء أن الـ«CIA» قد تجاهلت بعض المعلومات الحقيقية التي تخص هذه المهمة التاريخية، مثل دور السفارة الكندية في مساعدة الولايات المتحدة في تهريب الرهائن؛ من أجل تضخيم الدور البطولي الذي قامت به الـ«CIA» في ذاك الوقت.

الجدير بالذكر أن الممثل الأمريكي بين إفليك؛ الذي قام بإخراج وبطولة هذا الفيلم، هو زوج سابق للممثلة جينفر جارنر؛ والتي قامت ببطولة سلسلة حلقات تلفزيونية تحت إشراف الـ«CIA» في عام 2001، وكانت الحلقات بعنوان Alias.

سلسلة حلقات Alias .. الترويج للنزاهة الوطنية

 

تم إنتاج هذا المسلسل التلفزيوني بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وعلى الرغم من أن بطلة هذه السلسلة ليست شخصية حقيقية من ملفات المخابرات، إلا أن الوكالة أشرفت على المعالجة التلفزيونية لهذا الكتاب، والذي يحمل نفس الاسم ِAlias، وكانت الأحداث بالمسلسل تدور حول عميلة استخبارات أمريكية، تضطر لتغيير اسمها وهويتها أكثر من مرة حتى تؤدي واجبها الوطني تجاه الولايات المتحدة الأمريكية.

 

وكان الغرض الأساسي من وراء هذه السلسلة هو الترويج لنزاهة عملاء المخابرات الأمريكية، وإظهار المعاناة التي يعيشونها على أرض الواقع، ولا يستطيع أحد منهم في المقابل أن يحصل على المدح أو التقدير الذي يستحقه بسبب سرية عمله وخطورته. الأمر المهم الذي راعته الوكالة وهي تشرف على هذه السلسلة، هو شعور المواطن الأمريكي بالتضحية التي يقوم بها عميل الـ«CIA» من أجل أمريكا.

Black Hawk Down.. تجاهل ذكر الحقيقية للصالح الأمريكي

في عام 2001، قام المخرج رايدلي سكوت بإخراج فيلم Black Hawk Down، والذي كان يؤرخ لأحداث غارة وقعت في عام 1993 في مقديشو – عاصمة الصومال- من قبل الجيش الأمريكي بهدف القبض على الجنرال القيادي الصومالي محمد فرح عيديد، وما أعقب ذلك من معركة، والتي عُرفت بعد ذلك باسم معركة مقديشو. وقد قام الفيلم بتجسيد الدور الذي اعتبره بطوليًّا للضابط الأمريكي الذي قاد هذه الغزوة التاريخية، متجاهلين ذكر معلومة مهمة للغاية عنه، وهو أنه اتهِم في قضية اغتصاب للأطفال؛ إذ قام باغتصاب فتاة تحت عمر الـ12 عامًا.

وعلى الرغم من عدم التصريح علنًا بتدخل الـ«CIA» في كم المعلومات المتاح استخدامها عن البطل الأمريكي الذي يتم الترويج له، إلا أن الكثير من النقاد والإعلاميين تحدثوا عن البصمة التي تتركها الوكالة في الأفلام التي تجسد سيرة ذاتية للجيش الأمريكي.

وبعد إخراج هذا الفيلم، قام المخرج رايدلي سكوت بتوطيد علاقته مع الوكالة فيما أطلق عليه بعض الإعلاميين «وضع أساس العلاقة بين هوليوود ووكالة الاستخبارات الأمريكية»، حين أخرج فيلم The body of lies في عام 2008، والذي دارت أحداثه حول العلاقات المتوترة بين الغرب والشرق، إلى جانب تحسين صورة ضابط المخابرات الأمريكية، والذي قام بدوره النجم الأمريكي ذو الشعبية العالمية: ليوناردو دي كابريو.

2013 .. العام الذي نافست المخابرات الأمريكية فيه نفسها على الأوسكار

استطاع فيلم Argo حصد العديد من الجوائز، من أهمها ثلاث جوائز أوسكار (أحسن فيلم وأحسن سيناريو وأحسن مونتاج) الأمر الذي اعتبره بعض النقاد، منحًا سياسيًّا للجوائز الفنية؛ لما يحمله الفيلم من ترويج للسياسة الأمريكية، إلا أن الجودة التي صُنع بها الفيلم لم تعط المساحة الكافية للنقد فيما يخص انحياز الإدارة الأمريكية لبعض الأفلام، وتعاونها مع لجنة تحكيم الأوسكار.

اقرأ أيضًا: «السياسة في الفن».. دليل تسييس حفل جوائز الأوسكار

أما فيلم Zero Dark Thirty، الذي تم إنتاجه في عام 2012، وجسدت أحداثه مطاردة المخابرات الأمريكية لأسامة بن لادن، فقد تم ترشيحه للعديد من جوائز الأوسكار، فيما يخص أفضل فيلم وسيناريو ومونتاج ومؤثرات صوتية، ولكن مع الانتقادات التي صاحبت ترشيح الفيلم، والتي ارتكزت على العديد من الأخطاء الفنية والتاريخية به؛ أدى الأمر إلى فوز الفيلم بجائزة أوسكار أفضل مؤثرات صوتية فقط.

والمثير للتساؤل هو أن هذين الفيلمين كانا ينافسان بعضهما البعض على الأوسكار في نفس العام؛ مما يطرح سؤالًا: «هل تنافس المخابرات الأمريكية نفسها على الأوسكار؟»، مع العلم أن 2013 هو العام الذي ترشح فيه أفلام Life of Pi وLes Misérables وLincoln لجائزة أفضل فيلم أمام أفلام الـCIA، وهي أفلام نجحت عالميًّا، وحققت إيرادات عالية، وتوقع لها الكثير من النقاد الفوز بأوسكار أحسن فيلم لهذا العام.