“دور العروض السينمائية”، قضية من القضايا الجدلية داخل المملكة العربية السعودية، التي تندرج تحت قائمة المحظورات، حيث يحتاج ترخيص دار سينما إلى سلسلة من الموافقات المعقدة، وغالبًا ما يخضع هذا الأمر لنقاش محتدم بين السعوديين وخصوصًا على مواقع التواصل الاجتماعي.

لكن هذا الأمر لم ينتهِ بالسينما السعودية إلى حالة الركود، حيث استطاعت جموع السينمائيين السعوديين العبور بفنونهم آلاف الأميال إلى المهرجانات، لعرض أفلامهم في سينما حقيقة، والاحتفاء بإنتاجهم وإبداعهم الذي تراوحت قصصه حول معايشة لبعض الأوضاع داخل السعودية.

خلال السطور التالية، تحاول “ساسة بوست” رصد أبرز ملامح الإنتاج الفني السعودي، وتاريخ أبرز السينمائيين السعوديين، وأبرز أعمالهم الفنية ومشاركات السينما السعودية في المحافل الدولية.

 

تُعتبر دور السينما في السعودية من المحاذير التي لا يمكن الاقتراب منها، إذ لا دور عرض سينمائي، أو إستديوهات تصوير سينمائي في السعودية، وهو مايرجعه التيار الليبرالي من السعوديين إلى وجود هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المملكة، والتي تُعد الضامن الأساسي لمنعها في المستقبل.

حسب القوانين السعودية، فهناك 4 جهات حكومية لا بد لمن يريد إنشاء سينما في السعودية الحصول على موافقتها، والتنسيق والتشاور فيما بينها للحصول على تلك الموافقة وهي “الهيئة العليا للسياحة والآثار، الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع، وزارة الداخلية، هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.

أمام هذه الموانع الفقهية أمام تشييد دور عرض سينمائي، يضطر نحو 200 ألف مسافر سعودي لعبور الجسر الواصل بين السعودية والبحرين في المناسبات المختلفة خاصة الأعياد لحضور أفلام السينمات المعروضة في البحرين للتحايل أمام قوانين المملكة الحاسمة، الأمر الذي يجعل دور السينما في البحرين كثيرًا ما ترفع لافتة «نفذت تذاكر السينما» في جميع صالات سينما البحرين خلال أيام العيد بسبب السعوديين.

استطاعت “البحرين” تعظيم دخلها الاقتصادي من خلال وفود السعوديين إليها للاستمتاع بمشاهدة الأفلام السينمائية بدوور العرض، إذ تجاوزت مبيعات دور السينما في البحرين حاجز 50 ألف تذكرة خلال أول يومين فقط من أيام العيد ووصل نصيب السعوديين منها ما يقارب 95%.

دور عرض سينمائية تقتصر على الأجانب في المملكة

 

يُعد “الموظفون الغربيون” هم الاستثناء الوحيد من منظومة القوانين الحاسمة بمنع تشييد دور عرض سينمائية للمواطن السعودي، إذ توجد دور عرض سينمائية خاصة بالموظفين الغربيين في شركة أرامكو في مجمعاتهم السكنية الخاصة بهم الموجودة منذ الثلاثينيات الميلادية، وتقوم بعض مقرات الأندية الأدبية والثقافية السعودية بعرض بعض الأفلام.

ويُعتبر الموظفون الغربيون الغربيون في شركة كاليفورنيا العربية للزيت القياسي التي تحول اسمها إلى شركة «أرامكو» هم أول من أدخل دور العرض السينمائية إلى المملكة العربية السعودية وذلك في في مجمعاتهم السكنية الخاصة بهم في السعودية خلال فترة الثلاثينيات الميلادية، واستمر الوضع على ما هو عليه حتى فترة بداية السبعينيات.

خلال السبعينيات حدث تطور مهم، فبعد أن كانت دور العرض السينمائية مقتصرة على الموظفين الغربيين في شركة «أرامكو» في تجمعاتهم السكنية الخاصة في السعودية، أصبحت متاحة للمواطنين السعوديين، ثم تحولت الصالات السينمائية إلى الأندية الرياضية السعودية على وجه التحديد، وكان عرضًا عشوائيًّا يفتقد التنظيم والتهيئة اللازمة للمشاهدة والتسويق المناسب، والاختيار الجاد.

وخلال فترة بداية الثمانينات وبعد شهرين من أحداث الحرم المكي في نوفمبر من عام 1979، قامت الحكومة السعودية بإغلاق دور العرض السينمائية المتاحة للمواطنين السعوديين في محاولة منها لاحتواء غضب التيار الإسلامي السعودي بعد أحداث احتلال الحرم المكي من قبل مجموعة متطرفة.

«كيف الحال» .. أول فيلم روائي سعودي من إنتاج «روتانا»

 

يُعتبر فيلم “كيف الحال” الذي أنتج عام 2009، هو أول فيلم سعودي ينتج بميزانية ضخمة من قبل شركة “روتانا”، والتي أرخت لدخول السينما السعودية في مجال الإنتاج السينمائي.

وشركة “روتانا”، مملوكة للأمير “الوليد بن طلال” ، حفيد المؤسس للمملكة العربية السعودية، التي ذاعت في أرجاء العالم كونه أحد أثرياء العالم والعرب، والمعروف عنه استيعابه لأهمية التعدد والتنوع والانفتاح الاجتماعي بقبول حرية المرأة في عدم ارتداء الحجاب، وعدم الممانعة في قيادة السعوديات النساء للسيارة، بل والحث على تلك المسألة مُستدلًا بأن مَن يقود طائرته الخاصة، هي سيدة سعودية.

ويُنسب هذا الفيلم إلى السعودية، كونه أول عمل سينمائي يعالج أحد القضايا الجدلية داخل المملكة، لا لكون منفذيه على المستوى الفني والإخراجي سعوديين فالفيلم لم يُسجل أي اسم سعودي لا على مستوى الكتابة ولا الإخراج.

 

المهرجانات العالمية والإنترنت .. الطريق الوحيد أمام السينمائيين السعوديين

 

أمام حالة القيود الشديدة من المملكة على تشيدد دور عرض سينمائي، أو ستديوهات تصوير سينمائي في السعودية، يضطر السينمائييون وصناع الأفلام السعوديين إلى عرض أعمالهم السينمائية في المهرجانات العالمية والإنترنت لعلها تجد سبيلها للمشاهدة بعيدًا عن عيون هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر.

ومن أبرز السينمائيين السعوديين الذين برزت أعمالهم في المهرجانات:

عبد الله المحيسن

ولد عبد الله المحيسن عام 1947، درس الفلسفة والسينما في لندن، وأخرج عددًا من الأفلام التسجيلية القصيرة.

“اغتيال مدينة ” هو أول أفلام “المحيسن” الذي أنتجه عام عام 1977 وشارك في مهرجان سينمائي في القاهرة آنذاك.

ويعد فيلمه “ظلال الصمت”، وهو أول فيلم سعودي روائي طويل. يتطرق الفيلم لأزمة الإنسان العربي أمام التحديات والتراكم بين ماضيه وحاضره، وقلقه من المستقبل. نال “المحيسن” في مهرجان نانت جائزة مفتاح المدينة لجهوده في السينما، خلال رحلته الفنية التي تجاوزت 35 عامًا، وشارك الفيلم في 10 مهرجانات عالمية.

 

هيفاء المنصور

في العام 2012 ، أخرجت “هيفاء” فيلم “وجدة”، الذي أثار جدلًا واسعًا في المجتمع السعودي والمجتمعات العربية كافة، إذ يُعد “وجدة” أول فيلم روائي طويل يتم تصويره داخل السعودية.

ويروي فيلم وجدة قصة فتاة تحلم بامتلاك دراجة، ثم تعرف أن ركوب الدراجة ممنوع ومحظور. إلا أنها لا تيأس فتجمع لذلك مالًا من مصروفها اليومي، وسرعان ما ينكشف الأمر، فتلجأ لخطة الدخول إلى مدرسة تحفيظ القرآن لكي تحصل على دراجتها.

وقد حقق الفيلم أصداءً واسعة وفاز بعدد من الجوائز العالمية كجائزة سينما فناير وجائزة الاتحاد الدولي لفن السينما وجائزة إنتر فيلم. كذلك رشح للأوسكار. ولها أيضًا مجموعة مهمة من المسلسلات والأعمال التلفزيونية.

 عبدالله آل عياف

أخرج عياف فيلم “السينما 500 كم” عام 2006، الحائز على النخلة الذهبية في جائزة أفلام السعودية 2008. وفي 42 دقيقة، استعرض قضية منع صالات السينما في السعودية.

ثم أخرج فيلمًا روائيًا قصيرًا مدته 19 دقيقة بعنوان “إطار” عام 2007، وتلاه فيلم “مطر”عام 2008، مدته 23 دقيقة، وحاز النخلة الفضية في مسابقة أفلام السعودية. أما فيلم “عايش”، فيحكي قصة عامل حماية وأمن في أحد المستشفيات، يعمل بدأب ومثابرة في ثلاجة الموتى الخاصة بالمستشفى، وهناك يدخل في حالة من التعايش مع الموتى، فصورتهم وجثثهم دائمًا أمامه. ثم يتم نقله إلى قسم المواليد الجدد، فيصاب بالدهشة لأنه بات معتادًا على رؤية النقيض وما هو مختلف. بين الموت والحياة، يكتشف عايش أنه بات يكره الأحياء ولا يحب أن يكون معهم.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد