صدمة حرب “القطن” الأهلية في أمريكا أفقدت الاقتصاد العالمي التوازن

تعد الحرب الأهلية في أمريكا واحدة من الأحداث الأكثر بحثًا في تاريخ البشرية، حيث سخّر مئات المؤرخين جهودهم لدراستها، وتناولت آلاف المقالات والكتب تفاصيل المعارك والسياسات التي أحاطت بها، ومدى تأثيرها الثقافي والاجتماعي، كما انتشرت على نطاق واسع المناقشات حول هذه الحرب بداية من الأفلام الشهيرة وحتى الاجتماعات الأكاديمية التي لم يسمع بها أحد. وذلك بالطبع أمر متوقع لحدث تاريخي مميز في تاريخنا، فهو بلا شك يمكن اعتباره بمثابة الثورة الأمريكية الثانية.

والغريب أنه بالرغم من كل هذا الاهتمام بهذه الحرب الأهلية، إلا أننا لم نبذل الجهد المطلوب لإدراك آثارها على المستوى العالمي، ولكن بغض النظر عن حجم المجهودات المبذولة فإنه يمكن بسهولة اعتبار هذه الحرب إحدى نقاط التحول العالمية البارزة في تاريخ القرن التاسع عشر.

فمع هذه الحرب اختفى القطن الأمريكي بشكل مفاجئ من الأسواق العالمية، والذي يعد المادة الخام الرئيسية التي تعتمد عليها الاقتصاديات الأوروبية (وأيضًا تلك الدول الشمالية التابعة للاتحاد)، وذلك ليس كل شيء؛ حيث ازدادت الأمور سوءًا بنهاية الحرب الأهلية وتحرير المزارعين المستعبدين ذوي الأصول الأمريكية الجنوبية وأهم القائمين على جني القطن في العالم، وبالتالي هدم إحدى الركائز التي كان يعتمد عليها الاقتصاد العالمي وقتها وهي العبودية، ومن ثم فهذه الحرب مثلت أزمة حادة للرأسمالية العالمية، إذ لعبت نتائجها دورًا جوهريًا في إعادة ترتيب خريطة العالم اقتصاديًا.

فعندما نتحدث عن تاريخ الرأسمالية، عادة ما نركز على الصناعة، والمدن، وأيضًا أجور العاملين، في حين ننسى كم التغيير الذي شهدناه مع بزوغ الرأسمالية الحديثة في مجال الزراعة في القرى، حيث تزايدت العمالة والأسواق بشكل هائل مع ازدهار الصناعة الحديثة عقب الثورة الصناعية في عام 1780، وممارسة الضغوطات على هذه القرى من أجل توفير المواد الخام اللازمة، كما ساعدت الصناعة الحديثة على ظهور عمليات الغزل والنسيج للقطن في كل مكان، الأمر الذي دفع بشكل مفاجئ المصنعين في أوروبا وأمريكا الشمالية إلى زيادة الطلب على كميات هائلة من القطن الخام.

وكان هذا القطن يأتي بشكل حصري تقريبًا من المزارعين المستعبدين في الأمريكتين. في البداية كانت الهند الغربية والبرازيل ثم الولايات المتحدة الأمريكية، ومع نفاذ المزارعين الأمريكيين إلى الأسواق العالمية في عام 1790، استطاعوا في وقت قصير الهيمنة على أسواق القطن، وكان ذلك عقب الثورة التي نشبت في جزيرة “سانت دومينيك” والتي كانت تمثل وقتها إحدى أهم الجزر التي تزرع القطن. ففي عام 1800 صدرت أمريكا الجنوبية 25% من إجمالي القطن الذي وصل إلى ميناء ليفربول الذي يعد من أهم الموانئ المستوردة للقطن، وبعد عشرين عامًا ارتفعت هذه النسبة المصدرة إلى 59%، ثم في عام 1850 ارتفعت نسبة القطن المصدر من الولايات المتحدة الأمريكية لتصل إلى 72% من إجمالي واردات القطن إلى بريطانيا، كما استحوذ هذا القطن الأمريكي على 90% من إجمالي واردات القطن إلى فرنسا، و60% من إجمالي واردات القطن إلى ألمانيا، و92% من إجمالي واردات القطن إلى روسيا. ويمكن القول أن القطن الأمريكي خلال هذه الفترة استطاع أن يحكم قبضته على الأسواق العالمية بشكلٍ قلما تمتع به منتجو مادة خام ما من قبل أو من بعد.

ويرجع السبب وراء هيمنة المزارعين في الولايات المتحدة على إنتاج أهم مادة خام في العالم –القطن- إلى عدة عوامل رئيسية اجتمعت معًا، يأتي في مقدمتها الأرض الشاسعة التي تم الاستيلاء عليها من سكانها الأصليين، ووفرة الأيدي العاملة من العبيد، إلى جانب الفرصة التي أتيحت جراء مستوى الزراعة المتدني للتبغ في شمال الجنوب، وأيضًا القدرة على النفاذ إلى كبريات الدول الأوروبية.

ومن ناحية أخرى فقد فشل التجار الأوروبيون في الحصول على محاصيل القطن من المزارعين المنتجين له في مناطق مثل الأناضول والهند وأفريقيا، إذ رفض هؤلاء المزارعون إخضاع القطن لعمليات التصدير على اعتبار أنه منتجهم الوحيد. وفي المقابل ظل التجار الأوروبيون مكتوفي الأيدي حيث لم يكن لديهم القوة الكافية لإجبار المزارعين على التصدير، وبالتالي فقد أدى ذلك إلى انتشار مصانع القطن جنبًا إلى جنب مع مزارع السخرة – المزارع التي تعتمد على العبيد كأيدٍ عاملة -، ومن ثم فإن ذلك أكسب الولايات المتحدة أهمية كبيرة لدى الاقتصاد العالمي للمرة الأولى في تاريخها.

وكانت مزارع السخرة تختلف تمامًا عن مزارع الفلاحين كمواقع لإنتاج القطن، فمالكو مزارع السخرة كان في استطاعتهم السيطرة على جميع مراحل الإنتاج بمجرد الاستيلاء على الأرض من سكانها الأصليين، إذ كانوا يجبرون المستعبدين الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية على القيام بعمليات البذر التي تقصم الظهر، وتقليم وجني محصول القطن بأكمله، إلى جانب التحكم فيهم بوحشية غير معهودة، والحرية في تسريحهم وإعادتهم إلى العمل مرة أخرى دون أي قيود على المالك، وذلك بغرض تخفيض النفقات.

وانتشر هذا الشكل الغريب من الرأسمالية مع انتشار الرأسمالية الصناعية، حيث تدافعت كبريات الدول الأوروبية في إطار إستراتيجيتها للسعي وراء القطن على المناطق التي يسكنها العبيد في العالم بكميات أكبر من أي وقت مضى، لتصبح بعد ذلك العقودُ المبرمة، وسيادة القانون، والعمل المأجور، وحقوق الملكية أو حرية الإنسان أمورًا في طي النسيان، ويحل مكانها الحكم الاستبدادي، والتعديات الجسيمة على الملكية بالتجريد منها، والإكراه، والعبودية، والعنف دون سبب واضح. وهذا الشكل من الرأسمالية يمكن أن نطلق عليه “حرب الرأسمالية” التي اجتاحت مناطق من الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أدى في نهاية المطاف إلى حرب أهلية.

ومع زيادة الطلب على القطن في العالم التي صاحبها ازدهار صناعات الغزل والنسيج في مناطق التصنيع السريع، نزحت مجمعات زراعة القطن إلى أماكن أبعد في الغرب الأمريكي مثل ألاباما، وميسيسيبي، وأخيرًا تكساس، معتمدةً على العمالة المستعبدة أكثر من أي وقت مضى، إذ تم تهجير حوالي مليون من العبيد إلى الغرب والجنوب للعمل في هذه المساحات الشاسعة بحلول عام 1830، بغرض تعظيم أرباح هذه الصناعة، في واحدة من أكثر الممارسات عنفًا في التاريخ الأمريكي.

ولم تكن إستراتيجية الاعتماد على العبيد مربحة لمالكي المزارع فقط، وإنما أيضًا استفاد منها التجار في كل من نيويورك، وبوسطن، وليفربول، بالإضافة إلى المصنعين في ألاسكا، ولانكشر، وإنجلترا الحديثة، وبالتالي أصبحت العبودية في الولايات المتحدة الأمريكية هي محور ارتكاز أداء الاقتصاد العالمي، وهو ما عبر عنه سين جيمس هنري هاموند أحد مزارعي ساويث كارولينا في مقولته “القطن هو الملك”، كما أن العبودية أيضًا مثلت محور ارتكاز مجمعات الإنتاج الأضخم ديناميكيًا وثقلًا ونفوذًا على مر التاريخ، حتى إن  أحد المستعمرين البيروقراطيين البريطانيين ويدعى هيرمن ميلفيل عبّر عن ذلك في عام 1839 بقوله: “أن العبيد هم من قاموا بتنمية الحصة الأكبر من قطننا”.

ولكن عندما نشبت الحرب الأهلية في أبريل من عام 1861، انهارت هذه العلاقة الاقتصادية الدولية، وبدأت الكونفدرالية (حكومة نشأت في 8 فبراير 1861، من قبل ست من سبع ولايات الرقيق الجنوبية التي كانت قد أعلنت انفصالها عن الولايات المتحدة) تمارس الضغوط على القوى الأوروبية للاعتراف بها عن طريق وقف تصدير القطن إليها، ولكن سرعان ما أدرك الجنوب حتمية فشل هذه الإستراتيجية لأن أوروبا لم تبدِ أي استعداد للاعتراف بهذا الاتحاد على المدى القريب، وبالتالي اتجهت الكونفدرالية لفرض الحصار على التجارة في الجنوب لقرابة الأربع سنوات فيما يعرف بـ”مجاعة القطن”. ولعل هذا التصرف يذكرنا بسياسة حظر النفط على بعض دول الغرب التي اتبعتها دول الشرق الأوسط المنتجة له في سبعينات القرن العشرين، إلا أن “مجاعة القطن” كان لها السبق كأول أزمة مواد خام عالمية تواجه الرأسمالية الصناعية.

وقد تسببت قرارات الكونفدرالية في العديد من التطورات الدراماتيكية خاصة على المستوى الأوروبي، حيث فقد مئات الآلاف من العاملين في أوروبا عملهم، وأحاط البؤس الاجتماعي والاضطرابات بالدول القائمة على صناعات المنسوجات مثل المملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، وبلجيكا، وهولندا، وروسيا. أما في ألاسكا فقد ارتفعت اللافتات مطالبة بـ”الخبز أو الموت”.

ولعل اعتماد الأسواق العالمية على كميات متواضعة من قطن المنتجين الأحرار – غير المستعبدين – في الثمانين سنة الأولى بعد الثورة الصناعية، جعل العديد من المراقبين للأوضاع شبه متأكدين أن كلًا من أزمة العبودية وحرب الرأسمالية ستؤديان إلى أزمة رئيسية طويلة الأمد للرأسمالية الصناعية.

وقد شهد خريف عام 1861 أول عملية تحرير للعبيد في ولاية ميسوري على يد جون فريمونت، الأمر الذي أثار مخاوف صحيفة الإيكونومست البريطانية حول إمكانية انتشار مثل هذه القرارات على مستوى باقي الولايات التي تُبيح امتلاك العبيد، واصفةً إياه بأنه “قرار جبان”، وأضافت “ألحق الخراب الكلي والدمار الشامل على تلك الأراضي الخصبة”، وأيضًا على التجار في بوسطن ونيويورك – الذين دائمًا ما حققوا الثراء – على حساب قطاع كبير من عمالة العبيد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد