في البداية احتفى به المشاهدون، وأشادوا بواقعية أحداثه وطبيعية ممثليه، وبعد عرض نصف حلقات المسلسل تقريبًا، ومع التطور الدرامي لشخصيات المسلسل، والتي أخذت منحى قد يكون صادمًا لبعض الأسر المصرية المحافظة؛ بدأ قطاع من جمهور المسلسل المصري «سابع جار» يشير بأصابع الاتهام للمسلسل؛ لترويجه لبعض الأفكار المتحررة والمنافية لطبيعة المجتمع المصري والعربي.

ولكن في جميع الحالات، سواء كانت الآراء الحالية تمجد العمل، أم تهاجمه، فالأمر الذي يصعب إنكاره، هو نجاح المسلسل في أن يكون جزء من نسيج حياة مشاهديه الذين يتحدثون عن الأبطال على مواقع التواصل الاجتماعي، وكأنهم أحد أفراد أسرتهم، والسؤال: كيف نجح هذا المسلسل في جذب تلك القاعدة الجماهيرية الكبيرة، وفي فترة قصيرة جدًا؟

وهذا السؤال سيجاوب عليه بعض صناع المسلسل بعد أن حاورهم «ساسة بوست»؛ عن أسباب نجاح المسلسل وجماهيريته من وجهة نظرهم، والمسلسل من تأليف هبة يسري، وإخراج نادين خان وآيتن أمين بمشاركة هبة يسري، ويقوم ببطولته من الممثلين الشباب بمشاركة دلال عبد العزيز، وشيرين، وأسامة عباس، ومحمود البزاوي، ومن الجدير بالذكر أن قناة «سي بي سي» أوقفت عرض حلقات المسلسل خلال فترة رأس السنة؛ على أن يُستكمل عرضه بعدها مباشرة، وليس كما يشاع في هذه الأيام أنه تم منعه بقرار من الرقابة.

ملف لكل شخصية.. الشخصية الواقعية تجد مكانها بكل بيت

عادة ما يرتبط المشاهد نفسيًا بالعمل الدرامي؛ عندما يجد في إطاره شخصية تتشابه مع شخصيته، أو شخصية أحد المقربين له، وهبة يسرى مؤلفة مسلسل «سابع جار»؛ ترى أن أحد أهم العوامل التي جعلت الجماهير تلتف يوميًا لمشاهدة هذا المسلسل، ومناقشة مشاكل أبطاله وقراراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي؛ يعود إلى شخصيات المسلسل الواقعية، والمأخوذة من الواقع الذي يعيشه الشباب حاليًا في مصر.

وعلى الرغم من اعتراض بعض المشاهدين؛ على التطور الدرامي في حلقات «سابع جار»، والذي يرون أنه بعيد عن شكل حياة غالبية الشباب المصري؛ إلا أن هبة تؤكد لـ«ساسة بوست» أن هذا هو الواقع، ولا يجب أن ننكره، وأن كل ما تمر به شخصيات المسلسل من أزمات نفسية، وقرارت قد تكون صادمة لبعض الأسر، وتصرفات متهورة بغرض تجربة الجديد، أو حتى علاقات محرمة؛ هو واقع حقيقي ويمر به بعض الشباب في مجتمعنا بالفعل.

بالنسبة لهبة، هذا الأمر يصعب إنكاره، حتى ولو كرهناه أو شعرنا أنه بعيد عن القيم التي تربى أهلنا عليها، فكل جيل لديه آراء ومشكلات وقرارات تختلف عن جيل آبائه، وبدلًا عن تجاهلها والخوف من الاعتراف بها؛ الأفضل أن نعترف بها ونواجهها؛ حتى نصل للحل الأمثل لها، من وجهة نظرها.

وأكدت هبة أن اهتمامها هي وفريق العمل بالبناء المتماسك للشخصيات؛ كان من ضمن أولوياتها، وقد كتبوا ملفًا كامل لكل شخصية، يحتوي على ملابسها، وطريقة حديثها، وكل تفصيلة صغيرة متعلقة بالشخصية، حتى تتحول الشخصية إلى إنسان حقيقي نراه بخيالنا، وفي بعض الأحيان؛ تؤكد هبة: كنت اضطر للارتجال في الكتابة، حينما أترك زمام الأمور للشخصية، وأتخيل قبل أن أكتب ما الذي ستفعله تلك الشخصية في هذا الموقف حقًا.

الاهتمام برسم الشخصية اهتمامًا قويًا هو ما منح التماسك الدرامي للمسلسل – من وجهة نظر المؤلفة – فالجمهور يتعلق بالشخصيات أكثر من تعلقه بالأحداث الدرامية.

شاهد فيلم عشق آخر للمخرجة هبة يسري من هُنا:

من الجدير بالذكر، أن المؤلفة والمخرجة هبة يسري تهوى التمثيل وتحبه منذ صغرها، وربما هذا ما ساعدها في البناء المتماسك للشخصيات، والارتجال المحترف لتصرفاتهم وحديثهم؛ لأن تلك النوعية من الارتجال تعتبر من أهم تدريبات الممثل، وقد عبرت هبة عن حبها للتمثيل من خلال مشروع تخرجها من معهد السينما؛ الفيلم القصير «عشق آخر».

أهم نصيحة للممثل: «ما تمثلش»!

نجاح العمل الدرامي، تقع مسؤوليته على الممثل أكثر من باقي فريق العمل؛ لأنه حلقة الوصل بين المؤلف والمخرج من ناحية، والجمهور من ناحية آخرى، فإن كان الحوار متماسكًا ومُعبرًا؛ يصب هذا في صالح العمل الدرامي، ولكن إن لم ينجح الممثل في استخدم هذا الحوار استخدامًا موفقًا؛ فقد يسرق نجاح السيناريو الذي بُذل فيه مجهود كبير، ولذلك ترى المخرجة أيتن أمين، إحدى مخرجات المسلسل، أن الأداء المفتعل والمُبالغ فيه للممثل، قادر على تحطيم العمل الدرامي؛ ولذلك فهي لا تحب مشاهدة هذا النوع من التمثيل، أو تقديمه في أعمالها.

من العوامل التي ساعدت على نجاح المسلسل – من وجهة نظر أيتن – هي مشاركة العديد من الوجوه الجديدة في العمل، فلم يكن لديهم فكرة مسبقة عن الأداء التمثيلي المطلوب في الأعمال الدرامية، وقد استغلت أيتن هذا في صالحها، حين حمستهم لإطلاق العنان لخيالهم في تجسيد الشخصية التي يلعبونها، وأكدت أن أهم عامل لنجاح الممثل في التجسيد الطبيعي للشخصية، ألا ينشغل بذاته أكثر من انشغاله بنفسه كممثل، ولذلك كان العمل مع الوجوه الجديدة مريحًا في هذا الشأن.

والعامل الآخر الذي ساعد شخصيات المسلسل على الفوز بقلب المشاهدين، يتمثل في الممثلين الكبار، مثل دلال عبد العزيز، والتي أكدت أيتن أنها كانت بالمرونة الكافية، حين تلقت رؤية فريق الإخراج عن الأداء التمثيلي الطبيعي في هذا المسلسل بسرعة شديدة، والتزمت – باحتراف – بتوجيهاتهم، بالرغم من خبرتها الفنية الواسعة، وهذا من شيم الفنان المخضرم المحترف، بحسب وصف أيتن.

الحركة الحرة للممثلين وجاذبية كاميرا الواقع

النجاح الذي حازته كيم كاردشيان يعود – بشكل كبير – إلى جاذبية دراما الواقع التي شاركت فيها، وأقرب شيء لدراما الواقع، هي الأعمال الدرامية التي تحاول بجهد شديد محاكاة الواقع الذي نعيشه، نظرًا لأن نوعية دراما الواقع من الصعب أن تلقى نجاحًا في الوطن العربي؛ لخصوصية الأسر العربية، والتي لن تسمح أن تكون حياتها مشاعًا على شاشات التلفزيون، ولكن مسلسل «سابع جار» استطاع أن يقدم محاكاة لهذا النوع من الدراما.

أكدت الممثلة الشابة سارة عبد الرحمن لـ«ساسة بوست»، التي قامت بدور هبة في مسلسل «سابع جار»، أن مخرجات المسلسل تركن مساحة واسعة للارتجال بين الممثلين، سواء في الحوار أو الحركة، ومع أن مخرج التلفزيون أو السينما لا يفضل أن يتحرك الممثل في اتجاهات غير متفق عليها من قبل، مراعاة لمكان الكاميرا، إلا أن – توضح سارة – فريق إخراج المسلسل أعطوا الممثل الحرية الكاملة في الحركة، حتى لا يشعر أنه مقيد، وهذا ما أضاف على  شخصيات المسلسل لمحة واقعية، وساهم من وجهة نظرها في حب المشاهدين للمسلسل، وتعاملهم مع أبطاله على كونهم شخصيات حقيقية على أرض الواقع.

اللمسة النسائية والاهتمام بالتفاصيل

من الصعب أن نتجاهل السطوة النسائية في صناعة هذا المسلسل؛ حين نتحدث عن عمل أخرجه للعالم أربع فتيات، خاصة عندما يتحدث جمهور هذا المسلسل عن التدقيق في التفاصيل الصغيرة، وتوافق هبة يسري على هذا الأمر، مؤكدة أن فريق الإخراج اهتم برصد كل التفاصيل الدقيقة التي تخص الأسر المصرية داخل منازلهم، على سبيل المثال: اهتمام الأسرة بتنسيق الجزء الخارجي من المنزل، والذي يستقبلون فيه الضيوف، بينما تترك غرف النوم على حالتها منذ أن بدأ الأب والأم حياتهما فيها.

هذا إلى جانب الاهتمام بتفاصيل الملابس المنزلية، والأقمشة الأكثر شيوعًا بين أغلبية الأسر المصرية، والملصقات في غرف الأبناء، والتي تعود إلى فترة صغرهم، و«الكراكيب» المتواجدة في جميع أركان المنزل، وإعادة تدويرها كعادة الكثير من المصريين، وغيرها من التفاصيل التي أكدت – هبة – على دورها المهم في لفت نظر المشاهد؛ حيث سيرى المشاهد بيته في بيوت أبطال العمل الدرامي، ويشعر أنه جزء من تلك الأسرة، ولا تنكر هبة أن العين النسائية لفريق العمل كان لها دور فعّال في التقاط تلك التفاصيل الصغيرة جدًا.

الاحتفاء بالمعاناة اليومية للمجتمع

يرى الناقد مايكل دايفز، أن مسلسل «Friends الأصدقاء» فاز بتلك الشعبية العالمية، والمستمرة حتى الآن بسبب احتفاء المسلسل بالمعاناة اليومية للشخص العادي، وطموحاته الصغيرة في مجال عمله، وحياته العاطفية، وعلاقته بأسرته، شأن الكثير من مسلسلات كوميديا الموقف؛ وهذا النهج هو ما اتبعه فريق عمل مسلسل «سابع جار».

وهذا ما نجح أيضًا في جذب اهتمام الكثير من المشاهدين في وقت قصير؛ لأن المسلسل يحتفي بمعاناتهم اليومية، والتي قد لا يتخللها حدث جلل كجريمة قتل أو لغز في حاجة إلى حل، أو حتى أهمية كبيرة في تسلسل أحداث المسلسل ومساراته، ولكن تلك المعاناة تجسد ما نعيشه في حياتنا كل يوم، وهو أمر – من وجهة نظر أيتن أمين- مثل واحد من العوامل المهمة التي  ساهمت في شعبية المسلسل.

https://www.youtube.com/watch?v=ohzVea8E2K4

من الأمثلة على ذلك المشهد الخاص بالفنانة دلال عبد العزيز، والذي حصل على عدد مشاهدات كبير، وعرضته الإعلامية منى الشاذلي في برنامجها أثناء استضافة فريق العمل، حين دخلت الأم – دلال عبد العزيز – على ابنها المراهق الذي يستمع لإحدى أغاني المهرجانات، ورقصت معه بعفوية.

«لوكيشن» بدون توتر وحوار سلس.. حلم كل ممثل  

عندما تقدم مسلسلًا للأسرة، يجب أن يتوفر هذا الجو الأسري بين فريق العمل أيضًا، وهي الأجواء التي أكدت سارة عبد الرحمن لـ«ساسة بوست» على توفرها أثناء تصوير مسلسل «سابع جار»، وأرجعت هذا الفضل إلى فريق الإخراج، والذي منح الممثل «لوكيشن» خاليًا من التوتر، وسلاسة في التعامل على الرغم من الوقت الضيق المتاح للتصوير، إلا أن فريق العمل اختار أن تخرج الحلقات دون ضغط على أعصاب الممثلين، وهذا – تؤكد سارة – ساعد على وصول تلك الراحة النفسية والجو الأسري بين فريق العمل إلى المشاهد؛ والذي شعر بدوره أنه جزء من هذه الأسر.

بالإضافة إلى تلك الأجواء المشجعة على العمل، أشادت سارة بالحوار السلس الواقعي الذي كتبته هبة يسري، فلم تشعر سارة أنها في حاجة لتغيير بعض الجمل حتى تكون أسهل في نطقها، ولم تشعر أن جمل الحوار بعيدة عن شخصيتها كشابة تعيش في مصر، بل أكدت أن الحوار يشبه حوارها اليومي مع أصدقائها على أرض الواقع، مؤكدة أن الحوار السلس يسهل على الممثل تحقيق التمثيل الواقعي غير المفتعل، وربما يعود أيضًا نجاح هبة في كتابة حوار بهذه السلاسة إلى خلفيتها عن التمثيل وحبها له؛ مما جعلها قادرة على منح الممثلين أدوات سهل التعامل معها في سيناريو وحوار المسلسل، بحسب سارة.

أكدت سارة أن كل المجهودات التي بُذلت في صناعة هذا المسلسل توّج نجاحها تماسك فريق الإخراج، والذي يكن إخلاصًا لا حدود له للجوهر الأساسي في المسلسل، ولم تفكر واحدة منهن أن تتخذ مسارًا مختلفًا عن المسار الذي قرروه سويًا، مؤكدة أن التزام الممثل بتوجيهات المخرج لا يقل أهمية عن التزام المخرج نفسه بتماسك العمل، والحفاظ على الروح الواحدة للمسلسل، فلم يشعر المتفرج أنه يشاهد مسلسلًا له أكثر من مخرج، في حين أن دراما المسلسل استفادت من المجهود الجماعي لفريق العمل دون تشتت أفراده بين رؤى مختلفة للتنفيذ الدرامي.

رصد التأثيرات العميقة على شباب الثورة دون ذكر كلمة «الثورة» إطلاقًا

جنحت بعض الأعمال الدرامية المصرية بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني) إلى  إلقاء الضوء على التغيرات التي لحقت بالمجتمع والشباب إثر تلك التجربة، وكان ذلك من خلال التعبير الصريح عن الثورة، وذكرها أكثر من مرة في أحاديث أبطال العمل الدرامي، على الجانب الآخر اختارت أسرة مسلسل «سابع جار» أن ترصد التأثير النفسي والاجتماعي على الشباب والمراهقين في فترة ما بعد الثورة، وإبراز التغيرات الفكرية والخطط المستقبلية لهم؛ دون التعرض لذكر الثورة بشكل صريح.

وهذا هو الخيط الرفيع بين الدراما الواقعية والأعمال التسجيلية، الأولى ستقدم لك بعض الحقائق بشكل رمزي أحيانًا، وعليك أن تدرك ما وراء تلك الحقائق؛ حتى تمرر لك الرسالة التي يتضمنها العمل الدرامي، دون الوضوح الذي يصل إلى حد الفجاجة، بينما في الأعمال الوثائقية يأتي المشاهد مطالبًا صناع العمل بالحقائق والوقائع وذكرها بالاسم والتاريخ؛ لتعاملهم مع الفيلم الوثائقي كمادة تعليمية أكثر من كونها مادة ترفيهية، وربما يكون تعامل صناع مسلسل «سابع جار»

مع تأثير الثورة على قطاع من الشباب بهذا الشكل المختلف على الصعيد الدرامي، هو عامل آخر مهم في شعبية هذا العمل الدرامي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد