بعد أيام معدودة، تقترب الحرب السورية التي غيّرت وجه العالَم، وأحد أكثر الحروب الحديثة دموية، من عامها الثامن. هذه الحرب التي أسفرت عن نزوح الملايين في داخل سوريا وخارجها، بالإضافة إلى سقوط نحو 650 ألف قتيل؛ خلفت آثارًا مروعة جسديًا ونفسيًا، يقول عنها الأطباء إنها ستستمر لأجيال قادمة.

ويمكن القول بأن تلك الآثار المباشرة وغير المباشرة التي خلفتها الحرب السورية المدمرة؛ واسعة المدى بشكل يصعب حصره، خاصةً مع اضطرار 13 مليون سوري لترك البلاد، والبحث عن حياة بديلة في الشتات.

إنها الحرب تُثقل القلب. *أمل دنقل

صدمات وخوف.. ونقصٌ من الأنفسِ والثَمرات

الصدمة النفسية ونوبات القلق وارتفاع ضغط الدم، هي أكثر الأعراض التي يعاني منها من تعرض للضغط النفسي المستمر بسبب الحرب السورية طوال السنوات الماضية، وما يترتب عليها من ارتفاع مخاطر التعرض للأزمات القلبية. ويقول الأطباء إن هذا الضغط يؤثر في الجهاز المناعي، ويجعل الجسم أكثر هشاشة، وعُرضة للأمراض المُعدية، وأنواع مختلفة من السرطان. وبجانب الموت والإجبار على النزوح داخليًا وخارجيًا؛ فهناك إصابات مهولة، ونقص في الغذاء، تسببت في الإصابة بسوء التغذية، كما تَفشّت للأمراض المُعدية، بسبب الأماكن فقيرة الإعداد المزدحمة.

وبحسب الأمم المتحدة، فإن البيانات التي جُمعت منذ عام 2013 حتى 2014 تفيد بأن هناك 11.500 ألف طفلاً قد قُتلوا خلال ذلك العام فقط، وقد وُصف عام 2017 بأنه عام الموت لأطفال سوريا، إذ قُتل في ذلك العام، 910 طفلًا، وأجبر 961 آخرين على العمل في خدمات قتالية، وتعرض 361 آخرين لإصابات، فيما تعَرض 12% من الأطفال لسوء تغذية بسبب نقص الغذاء عبر البلاد.

Embed from Getty Images

المستشفيات السورية هدفًا للقصف

أما أكثر البصمات الوحشية التي تركتها الحرب السورية، فكان الاستهداف الممنهج للمستشفيات، والمرافق الطبية، فبحسب تقرير صادر عن «منظمة الصحة العالمية» عام 2014 فقد تعطلت 73% من مستشفيات سوريا، وتحولت لقواعد عسكرية، وتعرض 625 ألف شخص لصدمة نفسية، وهناك أكثر من 50% من الأشخاص يحتاجون لدعم نفسي، وجاء في التقرير نفسه، أن الوضع الصحي في سوريا سيئ للغاية، وتشهد مناطق الحرب نقصًا شديدًا في الأدوية، وفي الأطباء.

أما الشهور الستة الأولى من عام 2018، فقد تلقت المستشفيات السورية 92 هجمة من قِبل نظام الأسد وحليفه الروسي، مما تسبب في قتل 89 شخصًا، وإصابة 135 آخرين، في بداية 2018 فقط. علاوة على الدمار غير المسبوق، الذي جعل المستشفيات تعمل بنصف كفاءتها فقط، وتركت بعضها لا يعمل على الإطلاق.

«فورين بوليسي»: كيف سيُكتب تاريخ الحرب في سوريا بعيدًا عن تزييف الأسد؟

أثر الحصار يُرى.. أثر الحصار لا يزول

وبالنظر في الأحداث التي وقعت خلال السنوات الطويلة السابقة، نجد أن الحصار طويل الأمد على المدن كان أبرز الاستراتيجيات التي نُفّذت خلال الحرب السورية، من قِبل نظام الأسد و«الائتلاف الدولي ضد داعش»، مما أثّر بالسلب على آلاف المدنيين. وكان أشهر هذه الحصارات؛ الحصار الذي ضُرب على الغوطة الشرقية، التي تم عزلها لمدة خمس سنوات، وشدّد النظام عليها الحصار في الشهور الأخيرة قبل سقوطها، فأغلق الأنفاق، التي كانت تُستخدم لتهريب احتياجات أساسية.

لكن التأثير النفسي والجسدي لا ينتهي بانتهاء القصف والحصار، بل يمتد إلى أجيال، مثلما تخبرنا الدراسات التي تتبعت حصارًا آخر وقع الحرب العالمية الثانية. إذ حوصرت ليننجراد (سانت بطرسبرج الآن) خلال الفترة من 9 سبتمبر (أيلول) 1941 حتى 18 يناير (كانون الثاني) 1943، وعانى مليون شخص من الجوع الذي قادهم إلى الموت. أما من نجا فقد عانى من دمار تام لنظام الأيض الغذائي في جسمه نتيجة الطعام الشحيح. وعانى الناجون من الحصار أيضًا من أمراض نفسية عديدة، علاوة على ازدياد حالات ارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، وأزمات تنفسية، والإصابة بالسكر وحتى السرطان.

Embed from Getty Images

هذا ما يفعله الهجوم الكيميائي في ضحاياه

«احمرار في العينين، تشنجات عصبية، رغاوى صفراء من الفم، ضيق في حدقة العين، زُرقة في الوجه والشفاه، وضيق شديد في التنفس، وأسفيكسيا أو الموت على أثر الاختناق»، هذا ما يحدث بعد التعرض لاستنشاق غاز السارين، بناءً على التحاليل التي أٌجريت على ضحايا الهجوم الجوي الكيماوي الذي بدأ في 4 أبريل (نيسان) 2017 بمدينة خان شيخون التي تسيطر عليها المعارضة السورية. وبالرغم من إنكار نظام الأسد أنه من يقف وراء سلسلة الهجمات الكيماوية هذه، والتي وقعت أيضًا في دوما والغوطة الشرقية، ومنطقة خان العسل بحلب، وقرية سرمين بإدلب، ألا أن المؤكد هو الأثر المروع لهذا الغاز على الضحايا. ويُذكر أن استخدام الأسلحة الكيميائية محرمة دوليًا، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، ويعد استخدامه ضد المدنيين من جرائم الحرب.

Embed from Getty Images

ما يبقى بعدما تضع الحرب أوزارها

بجانب الآثار المباشرة للتعرض للعنف وتأثيرات الحرب، هناك دلائل متزايدة تشير إلى وجود آثار غير مرئية للحرب يظل الشخص يحملها تحت جلده، حتى بعد أن تضع الحرب أوزارَها. فالأطفال الذين يتعرضون لصدمات نفسية، قد يصابون فيما بعد يإعاقات نفسية حادة، إذا لم يخضعوا لعلاج نفسي مكثف. وتزداد الصدمات النفسية أو الـ(trauma) بعد الحروب، بسبب التطبيع مع العنف، إذ بينت 13 دراسة أجريت على بعض النازحين من سوريا إلى الدول المجاورة، وجود معدلات عالية من الأعراض النفسية، من بينها تعرض الأطفال للكوابيس، والتبول اللاإرادي، وبعض التغيرات السلوكية، مثل الميل للعدوانية. وأظهرت دراسة على لاجئيين سوريين في لبنان، تعرض 76% من الأطفال النازحين هناك إلى متلازمة كرب ما بعد الصدمة أو الـ(PTSD).

إنفوجراف: أبريل شهر الكيماوي! أبشع الهجمات الكيماوية في سوريا منذ بداية الحرب

وبعض آثار الحرب عابرة للأجيال؛ فالحرب بيئة تنتشر فيها الأمراض المعدية، ويعيش فيها البشر على الكفاف غذائيًا، وقد بلغ نقص الغذاء في المناطق المحاصرة ذروته، إذ لم يجد الناس شيئًا لسد جوعهم سوى الحشائش. هذه الظروف المأساوية تؤثر بالطبع على الحوامل، فتنتشر الولادات المبكرة، والولادات القيصرية، وتقيّد نمو الأجنة داخل الرحم، مما يؤثر بالسلب على المواليد.

وبينت الدراسات أيضًا ارتفاع الصدمات النفسية لدى الحوامل، إما بسبب التعرض للعنف أو الاغتصاب، أو عنف الشريك، أو التعرض للعدوى، كما تعاني الأمهات من نقص الحليب الطبيعي، بسبب سوء التغذية، والاضطراب النفسي، وذلك يضعف بالتبعية الجهاز المناعي للمولود.

Embed from Getty Images

وبحسب الدراسات التي أجريت على المجاعة الهولندية أثناء الحرب العالمية الثانية، والحرب الأهلية النيجرية أو حرب بيافرا؛ فقد عانت الحوامل اللاتي شهدن المجاعة من ارتفاع نسبة الأمراض المزمنة، مثل السكّر، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب عند الأبناء. كما أن زيادة الضغوط النفسية، كان عاملًا مشترك في كل من تعرضوا للعنف، سواء مباشرًة أو بشكل غير مباشر، وهو ما ينتج عنه تغيّر في «نظام إفراز الأدرينالين، بحفز تحت المهاد للغدة النخامية» أو الـ(HPA)، وهي مجموعة التأثيرات المتبادلة بين ثلاث غدد: النخامية، والكظرية، وتحت المهاد، ويتسبب ذلك في زيادة إمكانية الإصابة بالأمراض النفسية، والتغيّرات الحادثة في الخلايا الإنتاشية أو الخلايا الجنسية، التي تحتوي مواد وراثية تنتقل للنسل، تبث هذه التغيرات عبر الأجيال.

الحرب السورية تحاصر من نجا

أما هؤلاء الذين هربوا من عنف الحرب السورية، فما زالوا يخضعون لتأثيراتها على صحتهم؛ بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فتتفشى الأمراض بين من تركوا البلاد، بسبب الإجبار على العيش في غرف مزدحمة، وظروف سيئة، تقل فيها إمكانية المحافظة على النظافة الشخصية، أو حتى شرب مياه غير نظيفة ملوثة، وبسبب الأجهزة المناعية التي أضعفتها ظروف الحرب، يضاف إلى ذلك المعاناة النفسية، وعدم إمكانية التمتع برعاية صحية بسبب الفقر، وعدم وجود فرص للعمل؛ فيما بيّنت دراسة، زيادة معدلات الإصابة بالأنيميا، بين اللاجئين السوريين في مخيمات الأردن. وترجع أهمية معرفة الآثار الوقتية وبعيدة الأمد وعابرة الأجيال أيضًا على من عاصروا الحرب، بإمداد هؤلاء البشر بمساعدات إنسانية، ووضع استراتيجية متماسكة للعلاج.

كيف دمر الزواج «البراني» حياة السوريات وأطفالهن بعد الحرب السورية؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد