كيف بدأ الخلق؟؛ هذا السؤال الذي حيّر البشر لعقود من الزمان، ولم يتوقف الإنسان لحظة عن التفكير فيه، ولذلك قبل ظهور الأديان، والتي منحت البشر إجابات على تلك الأسئلة، كانت هناك الكثير من الأساطير والحكايات التي اقتنعت بها الحضارات القديمة عن بداية الخلق وظهور الإنسان، وفي هذا التقرير نحكي لكم أربعة قصص من ثقافات قديمة مختلفة؛ فسروا من خلالها قصة الخلق من وجهة نظرهم.

1- رانجي و باباتانوكو.. عقيدة شعب جزر بولينيزيا القديم

في البدء كانت الصَدَفة البحرية، ولكن صَدَفة بحرية كبيرة بحجم الكون، ولا شيء حولها، هي وحدها في الفراغ الممتد، وتلك الصدفة المكونة من نصفين، قاعدة وغطاء، كانت تجسيدًا للحياة وهي منغلقة على ذاتها، وكان الغطاء الذي يجسد طاقة الذكورة يحب قاعدة الصدفة والتي تمثل طاقة الأنوثة، ويلتصقان ببعضهما البعض وينجبون أبناء داخل تلك الصدفة المُظلمة؛ والذين وصل عددهم إلى ما يزيد عن 70 طفلًا.

                                                لوحة تجسد رانجي و باباتانوكو. مصدر الصورة موقع « pinterest»

ولكن هؤلاء الأطفال لم يرتضوا العيش في تلك الظُلمة كثيرًا، ولذلك قرروا أن الحل هو فتح تلك الصدفة البحرية، والتي يترتب عليها فراق الأب والأم، وكل ابن من أبنائهم كان يمثل قوة من قوى الطبيعة التي نعرفها، فاستخدم كل منهم قوته للخروج من الصدفة البحرية وبداية الخلق.

ثم فُتحت تلك الصدفة ليخرج منها ضوء فضي ساطع، ويتحول جزؤها العلوي إلى السماء ويصبح اسمه رانجي وهو الأب في تلك القصة، والجزء السفلي تحول إلى الأرض وأصبح اسمها باباتانوكو وهي الأم، وبدأت الحياة على صوت صراخ رانجي و باباتانوكو من جزع الفراق؛ فبعد أجيال من التوحد وإنجاب الأطفال؛ تسبب هؤلاء الأطفال في فراقهما؛ ولكن المقابل كان تلك الحياة على الأرض كما نعرفها الآن؛ هكذا كان يعتقد شعب جزر بولينزيا القديم في قصة خلق البشرية.

وفي تلك القصة، وأثناء لحظة فراق الأب والأم؛ كانت الأم تمسك بشريكها بقوة ولا تريد أن تفلته فقال لها أبناؤها: «هيا يا أماه، دعي رانجي يرحل؛ فإذا تم الفراق؛ تزدهر الحياة»، فردت الأم: «أنا أحب رانجي، لا تطلب من أمك هذا الطلب أبدًا»، ولذلك قرر أبناؤهم أن ينفذوا الفراق عنوة، ولهذا، وعلى رغم ازدهار الحياة على الأرض؛ لا يزال رانجي يحلم بيوم لقاء باباتانوكو ليضمها إليه مرة أخرى؛ وحين يحدث هذا؛ تكون نهاية العالم الذي نعرفه.

 

2- السكان الأصليون لأستراليا: حقبة الحلم

في البدء كانت الظُلمة والفراغ والأرض المُجردة من الحياة، ثم جاءت حُقبة الحلم وهي حُقبة الخلق أيضًا؛ حيث عاشت كائنات روحانية أبدية يمكن أن نُطلق عليها لقب «آلهه» كما أسماها السكان الأصليون لأستراليا، وهؤلاء الآلهة سافروا في حقبة الحلم مثل الأبطال الخارقين وصنعوا الحياة كما نعرفها الآن.

وقتها؛ قبل حقبة الحلم التي نشأ فيها الخلق؛-كما آمن السكان الأصليون لأستراليا- كانت الأرض بلا حيوانات ولا نباتات ولا أشجار ولا بشر أيضًا، ثم جاء «Wandjina» وهو الاسم الذي منحته الثقافة الأسترالية القديمة للآلهة التي جابت الأرض في حقبة الحلم، وخُلق الأسلاف وكان بعضهم بشرًا والبعض الآخر مثل الحيوانات، والمميز منهم هو من يستطيع تغيير شكله بين الاثنين.

ثم جابت الكائنات الروحانية الأرض وأحيتها بالنباتات والأشجار والأنهار، وهناك روايات أخرى في تلك الثقافة تحكي أن تلك الكائنات الروحية التي عاشت في حُقبة الحلم؛ كانوا يتعاركون فيما بينهم، ونتيجة تلك المعارك كان ينشأ شيء جديد في الأرض مثل الأنهار والتلال والجبال والبحيرات.

جسد السكان الأصليون لأستراليا «Wandjina» في كهوفهم بشكل أقرب للإنسان ولكن بعيون سوداء كبيرة وبدون فم، وفي تلك اللحظة انتهت مهمة الـ«Wandjina» وجاء دور الإله «Baiame» وزوجته «Emu» آلهة الخصوبة. وكان دور هذا الإله وزوجته؛ هي منح المعرفة والوعي للإنسان؛ فمنعهم من أكل الحيوانات، وساعدهم على التطور والرقي؛ حتى أصبح البشر كما نعرفهم الآن.

يعتقد السكان الأصليون لأستراليا؛ أن تلك الكائنات الروحانية التي خلقت الحياة كما نعرفها؛ اختارت ألا تُظهر نفسها للإنسان العادي، وأن يعيشوا في أماكن سرية على كوكب الأرض، مثل الشقوق الصخرية وينابيع المياة، بينما صعد بعضهم إلى السماء، وآخرون تحولوا إلى قوى طبيعية مثل الرياح والأمطار والرعد والبرق.

مترجم: 6 حضارات انهارت بشكل غامض

3- آلهة المايا تحاول أيضًا خلق البشر

ازدهرت حضارة المايا في أمريكا الجنوبية قبل الميلاد بألفي عام، وطوروا أسلوبًا فريدًا للفنون والهندسة المعمارية وعلم الفلك، وخلدوا اسمهم بين الحضارات القديمة المميزة، ولحضارة المايا قصة خلق أيضًا مثيرة للاهتمام. فقد ذُكر في «Popol Vuh» أو «كتاب الناس» والذي يتضمن مجموعة من الأساطير والحقائق التاريخية عن شعب المايا؛ أن الآلهة خلقت الحيوانات والنباتات والطيور؛ بسبب رغبتها في وجود كائنات تعبدها وتمجدها وتذكر اسمها في الأرض.

ولكن وفقًا للأسطورة كانت المحاولة الأولى فاشلة؛ فالحيوانات والنباتات لا تتحدث وليس لديها وعي؛ ووصف الكتاب هؤلاء البشر بكونهم «جاءوا إلى حيز الوجود، وتكاثروا، وأصبح لديهم بنات، وأصبح لديهم أبناء، ولكن تلك المنحوتات الخشبية لم يكن هناك شيء في قلوبها، ولا شيء في أذهانها، وذهبوا وساروا أينما أرادوا ولم يتذكروا قلب السماء». فأدركت الالهة؛ وفقًا لحكايات شعب المايا؛ أن عليها التجربة مرة أخرى لخلق بشر قادرين على العبادة.

ثم جاءت أكثر من محاولة بغرض خلق كائن واعي ناطق يمكنه عبادة الخالق وإدراكه، فخلقوا البشر من تراب، ثم من الطين والأخشاب؛ حتى وصلوا إلى شكل الإنسان ولكن لم يكن لديه الوعي الكافي لعبادة الآلهه؛ وهو الأمر الذي أثار غضبها فدمرت تلك الدفعة الأولى من البشرية بفيضان كبير؛ حتى تكرر التجربة مرة أخرى لعلها تنجح.

وجاءت المحاولة الأخيرة -والتي اعتبرها شعب المايا هي التجربة التي بدأت خلق البشر كما نعرفه الآن-، فخلقوا الإنسان من الذرة والماء؛ وتلك هي المحاولة التي اعتقد شعب المايا أن الإنسان قد خُلق من خلالها.

4- قصة الخلق لدى الحضارة السومرية: «خُلق الإنسان للشقاء»

قبل البداية؛ لم يكن سوى الإلهة «Nammu» والتي هي عبارة عن بحر شاسع يسكن الظلام، ولا يوجد من حوله سوى الفراغ؛ ثم أنجبت بنفسها الكون والذي يحمل اسم «Anki» ولكن هذا الكون لحظة ولادته كان جزءًا واحدًا متماسكًا، الأرض مع السماء في نفس الكتلة، ولذلك جاء دور إله الهواء «Enlil» وهو الذي قسم الكون إلى أرض ووكل الآلهة «Ki» مسئوليتها، وإلى سماء وكل عنها الإله «An»، وفيما بعد سيتزوج «Enlil» من «Ki»؛ وينجبان طفلًا هو «Enki» والذي يقوم في تلك القصة بدور إله الماء وسيد الكون كله.

وفي قصة الخلق الخاصة بالحضارة السومرية؛ قام سيد الكون بأخذ بعض المياه من «Nammu» ليخلق نهر دجلة والفرات؛ ليمنح الأرض خصوبة تؤهل لظهور الكائنات الحية مثل النباتات والحيوانات، ولكن على تلك الأرض لم يكن هناك سوى الآلهة التي عملت بجهد شاق لجعل الأرض صالحة للحياة، وهذا ما أزعجهم بشدة؛ ومن هنا جاءت فكرة خلق الإنسان يغرض خدمة الآلهة والقيام بكل الأشغال الشاقة عنهم.

5 مدن عالميّة بنت حضارات من الطين باقية حتى اليوم

 

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد