ليس من الغرابة أن يستخدم الآن تنظيم الدولة “داعش” في تدميره للدبابات الأمريكية التي تحاربه صواريخ Hillfire ،AT-4 أمريكية الصنع، ففي سلسلة من الإرسال لا تنتهي، حصل هذا التنظيم على كم هائل من الأسلحة الأمريكية الفعالة التي لا يستطيع جميع داعميه تأمينها له، وهي قوة تعمل على صموده عدة سنوات قادمة.

وسواء كانت هذه الأسلحة منحت للجيش العراقي أو الفصائل السورية “المعتدلة”، فقد اغتنم داعش أسلحة أمريكية متعددة حتى أصبحت الولايات المتحدة أكبر مزود له، وهذا ما تثبته الاستعراضات الكثيرة والصور التي يبثها التنظيم باستمرار.

عدة تساؤلات يطرحها تقرير «ساسة بوست» لتوضيح قضية وصول الأسلحة الأمريكية لداعش.

 كيف وصل السلاح والعتاد العسكري الأمريكي لداعش؟

فعليًّا وردت الولايات المتحدة لـ«داعش» أسلحة متطورة لم يكن يأمل في الحصول عليها البتة، لقد جاء وصول الأسلحة الأمريكية لداعش، كما توقع أستاذ الاقتصاد في مركز مركاتوس في جامعة جورج ماسونكري كوين العام الماضي عندما «أدار كثير من العراقيين ظهورهم وفروا ليتركوا وراءهم المعدات العسكرية التي قدمتها الولايات المتحدة بكميات كبيرة إلى الحكومة العراقية بنية أنها ستستخدم لهدف خير».

توضح منظمة “أبحاث صراع التسلح” المعنية بتتبع الأسلحة في ميدان المعارك، والممولة من قبل الاتحاد الأوروبي، أن عينات الأسلحة والذخيرة التي قامت بفحصها ودراستها مع تنظيم داعش، كانت مخصصة في الأساس لدعم قوات الأمن العراقية في المنطقة لقتال التنظيم، ويشير تقرير المنظمة إلى “أن تلك الذخائر التي انتقلت إلى سوريا والعراق للمساعدة في استقرار الحكومات هناك، انتقلت بدلًا من ذلك عبر الحكومات إلى الجهاديين؛ مما ساعد في صعود تنظيم الدولة الإسلامية وزيادة كفاءته القتالية”.

شخصيات سياسية تحدثت عن أسباب وصول الأسلحة الأمريكية لداعش، منهم السيناتور الجمهوري المرشح لخوض السباق الرئاسي المقبل في الولايات المتحدة راند بول الذي قال: “إن تنظيم داعش نشأ وأصبح أكثر قوة بسبب صقور الحزب الجمهوري الذين قدموا الأسلحة بدون تمييز، وتمكن التنظيم من الاستحواذ على معظم هذه الأسلحة”.
بينما يرى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن تنظيم الدولة الإسلامية تمكن من بسط نفوذه على 40% من الأراضي العراقية بفضل الأسلحة المقدّمة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية للجيش العراقي، أما موسكو فتعتبر إن وصول الأسلحة الأمريكية إلى داعش سببه غياب التنسيق بين واشنطن ودمشق، حيث قال المتحدث باسم الخارجية الروسية ألكسندر لوكاشيفيتش إن مسلحي “الدولة الإسلامية” استولوا على الأسلحة الأمريكية، لأن واشنطن رفضت التعاون مع دمشق في الحرب على الإرهاب.

كم تقدر كمية الأسلحة الأمريكية في حوزة داعش؟

الأرقام تتحدث عن أن كمًا هائلًا من الأسلحة الأمريكية اغتنمها تنظيم الدولة من الجيش العراقي وحده، وفي تقرير قدم مؤخرًا لمجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة فإن تنظيم الدولة يمتلك حاليًا مخزونًا احتياطيًّا من الذخائر والأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة ما يمكنه من الاستمرار بالقتال في الشرق الأوسط لمدة عاميين متتالين، وذلك على فرض أن الولايات المتحدة الأمريكية لن تخسر المزيد من الأسلحة لصالح قوات التنظيم عن طريق الجيش العراقي.

وتذكر منظمة “أبحاث صراع التسلح” الأمريكية، أن ما يقرب من نصف الأسلحة والذخيرة التي يستخدمها تنظيم “داعش” في سوريا والعراق هي صناعة أمريكية وصينية، وأنها تشكل مع الأسلحة ذات المنشأ الروسي والصربي، 80% من إجمالي الأسلحة التي يستخدمها التنظيم، وكشفت الدراسة أن تنظيم “داعش” يأتي بمعظم ذخيرته من المعارك ضد الجيشين العراقي والسوري وأن 19% منها هو حديث الصنع من الولايات المتحدة وبعد حرب العراق في 2003.

في الوقت ذاته، ذكرت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية أن تنظيم داعش استولى على حوالي 425 مليون دولار من بنوك الموصل بعد سيطرته على المدينة، بالإضافة إلى سيطرته على حقول للنفط رفعت من مخزون التنظيم المالي الذي قدرته بعض الصحف ومؤسسات الأبحاث بـ2 مليار دولار، والذي يمكن داعش من الحصول على السلاح الذي تريده من السوق السوداء.

متى سقطت أكبر كميات الأسلحة الأمريكية بيد داعش؟

مع استمرار الوضع على ما هو عليه، يتواصل سقوط الأسلحة الأمريكية بيد «داعش»، ومن أبرز تلك الحوادث:

– في الخامس من هذا الشهر، استولى تنظيم داعش على أسلحة أمريكية كانت بحوزة القوات العراقية بالموصل، ومن هذه الأسلحة عربات مفخخة طراز “همفي”، وكانت آخر شحنة أمريكية من تلك المركبات المصفحة سلًمتها للجيش العراقي العام الماضي شملت 1000 عربة من طراز همفي.

– في يناير الماضي، نشر تنظيم الدولة الإسلامية، صورًا تضمّنت صواريخ وأسلحة حديثة أمريكية الصنع، حصل عليها خلال هجماته على القواعد والمعسكرات التابعة للجيش العراقي، وتضمّنت صواريخ تاو الأمريكية ومدافع رشاشة من طراز f6، وصواريخ أرض جو حديثة، وبنادق الـ”M16” الأمريكية.

– استولى داعش على 2300 عربة همفي مدرعة من قوات الأمن العراقية عندما اجتاح مدينة الموصل في يونيو 2014، وتضمنت الخسائر التي غنمها داعش 40 دبابة إم1 أيه1، وأيضًا أسلحة صغيرة وذخيرة تشمل 74 ألف مدفع رشاش، وما يصل إلى 52 مدفع هاوتزر متحرك طراز إم 198.

وذكرت وزارة الدفاع الأمريكية أن القوات العراقية المنسحبة من الرمادي تركت وراءها كمية كبيرة من الإمدادات العسكرية، بما في ذلك نحو ست دبابات و100 مركبة تقريبًا وبعض قطع المدفعية، ونقل عن ضابط بالجيش العراقي قوله إن «داعش» استولى على مخزن بالرمادي يحتوي على ذخيرة تكفي لاستمرار «داعش» في القتال لمدة شهور.

 

– في أكتوبر الماضي، نشر مقاتلو داعش فيديو على موقع يوتيوب بعنوان “أسلحة وذخائر ألقتها الطائرات الأمريكية وسقطت في مناطق سيطرة الدولة الإسلامية في كوباني”، ويظهر الفيديو مقاتلين يفحصون صناديق قنابل يدوية وقذائف صاروخية، ولم يستطع مسؤولون في البنتاغون أن ينكروا أن الجيش الأمريكي أسقط عبر طيرانه مساعدات عسكرية لصالح هذه القوات المحاصرة، لكن جزءًا من هذه المساعدات وصلت إلى مقاتلي داعش، الأمر الذي بررته قيادة الجيش الأمريكي المركزية بأنه وصل بالخطأ.

هل أوصل فساد الجيش العراقي الأسلحة الأمريكية لداعش؟

يثير الكم الهائل من الأسلحة الأمريكية التي اغتنمها تنظيم الدولة خلال معاركه في العراق خلال سنة واحدة الكثير من الشكوك، فكيف لهذا الجيش الذي صرفت عليه الولايات المتحدة الأمريكية 25 مليار دولار خلال الفترة 2003- 2011 أن تقع أسلحة بحوزته بسهولة في يد “داعش”.

يكشف تقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” أن بعض الأسلحة المقدمة مؤخرًا للجيش العراقي قد انتهت بالفعل في السوق السوداء وفي أيدي مقاتلي الدولة الإسلامية، وذلك وفقًا لضباط ونواب عراقيين، وتنقل الصحيفة عن زعيم عشائري سني في محافظة الأنبار قوله: “قلت للأمريكيين، لا تعطوا أي أسلحة من خلال الجيش، ولا حتى قطعة واحدة، بسبب أن الفساد في كل مكان”.

ويؤكد تقرير نيويورك تايمز على أن الفساد المنتشر في صفوف الجيش العراقي يشكل عقبة كبيرة، وربما قاتلة، فالأسلحة التي تقدمها الولايات المتحدة إلى الجيش العراقي تقع في النهاية بيد مقاتلي داعش، ويقول الكاتب طارق الحميد: “في كل انسحاب، للجيش العراقي أمام «داعش» تسقط الأسلحة الأمريكية بأيدي التنظيم المتطرف، ولا تزال الإدارة الأمريكية، ورغم كل ذلك، تواصل دعم حكومة بغداد بالأسلحة”، متسائلًا في مقاله “داعش بأسلحة أمريكية”: هل يمكن القول اليوم بأن الإستراتيجية الأمريكية قد فشلت فقط في العراق؟ الإجابة هي أن الفشل الأمريكي ليس في العراق وحسب، بل وفي سوريا، وجل المنطقة، وأبسط مثال رفض تسليح المعتدلين في سوريا والعراق رغم أن الأسلحة الأمريكية، وغيرها، تسقط يومًا بعد آخر بيد «داعش» الذي بات مسلحًا بأسلحة أمريكية!”

المصادر

تحميل المزيد