لم تتوقف السينما الأمريكية منذ أن بدأت مشوارها الفني عن صناعة أفلام تدور حول «عودة الشيطان»، أو ظهور «ابن للشيطان». وفي كل تلك الأفلام يظهر الشيطان وسيمًا ساحرًا للنساء وقادرًا على إغواء البشر بالرغبات والأمنيات التي أوهمهم بقدرته على تحقيقها.

ولكن في نهاية الفيلم، حينما يُظهر هذا الشيطان وجهه الحقيقي؛ يكون قبيحًا ومخيفًا ويشبه وجه الوحوش، أو يظهر على الصورة التقليدية التي يمكن لذهنك أن يتخيلها بمجرد أن تترد كلمة «شيطان» أمامك؛ وهي المسخ أحمر الجسد ذو القرون والذيل والشوكة الثلاثية في يده؛ ولكن من أين جاءت تلك الصورة الذهنية عن الشيطان بينما لم يره بشر من قبل؟ وهل كنت تعلم أن الشيطان لم يُجسد وقت العصور الوسطى مسخًا، بل كان وسيمًا؟

في هذا التقرير نخبرك كيف أصبح للشيطان قرنان وذيل خلال فترة تجسيده في لوحات العصور الوسطى؟

تريد أن ترى الشيطان؟ 5 ممثلين تقمصوا أدوار الشر ببراعة 

«الشيطان جميل ومُشرق»

في القرن السادس عشر صُنعت فسيفساء بغرض تجسيد المسيح وهو مرتدٍ اللون الأرجواني الملكي، ويجلس بين ملاك وشيطان، وأمام كل منهما – الملاك والشيطان – مجموعة من الماعز والأغنام، الذين يقفون أمام الشيطان هم الملعونون، والواقفون أمام الملاك هم الصالحون، ويفصل المسيح بيده بينهما حتى يفرقهما عن بعضهما وقت القيامة الأخيرة ليأخذ كل منهما جزاءه؛ كما ترى في الفسيفساء التالية:

الفسيفساء الموجودة في كنيسة سانت أبولينار نوفو – مصدر الصورة «clarion-journal»

هذا العمل الفني وصُف بكونه أقدم تمثيل للنظرة المسيحية عن الشيطان، وكما ترى هُناك ملاك يرتدي الأحمر وآخر يرتدي الأزرق، وربما يكون تخمينك الأول أن الشيطان هو صاحب الرداء الأحمر، ولكن في الواقع صاحب الرداء الأزرق هو تجسيد الشيطان في هذا العمل الفني، ووصفه النقاد الفنيون بكونه «جميلًا ومُشرقًا» وعلى رأسه هالة مثل التي تتوج رأس الملاك الصالح.

مع العلم أن الهالة في ذاك الوقت كانت ترمز للسلطة، وليس للقداسة، ولكن تلك القطعة الفنية تُظهر لك الشكل الأول للشيطان في أذهان العالم الأوروبي بالعصور الوسطى، وهي صورة لا تشبه صورة الشيطان الذي نعرفه الآن بالمرة، ولم يكن من الغريب أن يرتدي الملاك الصالح الرداء الأحمر؛ لأن الصورة الذهنية عن هذا اللون وارتباطها بالنار والشيطان لم تأت إلا بعد القرن السادس عشر.

«واحد من أجمل الملائكة»

في قصيدة بعنوان «Paradise Lost»؛ وصف الشاعر الإنجليزي جون ميلتون – وقتما كتبها بالعام 1667 – الشيطان بكونه «واحدًا من أجمل الملائكة»، ولكنه تمرد ضد أوامر الله؛ مما أدى إلى سقوطه من السماء، وتحوله من مجرد ملاك ينعم بطاعة الله، إلى خصم للبشرية التي اصطفاها الله لتعمر الأرض؛ بعد أن أقسم -الشيطان- بأن يغويهم عن المسار الذي اختاره الله لهم.

في تلك القصيدة شرح الشاعر فكرة تطور صورة الشيطان عبر العصور الوسطى وعصر النهضة المبكر، حينما نُظر للشيطان على كونه عدو الله والإنسان، وسيد السحرة، وقائد الخطاة، وعلى الرغم من أن صورة الشيطان في وعي أصحاب الديانة المسيحية كانت أكثر واقعية ووعي حول بدايات الشيطان كملاك عاش في طاعة الله، إلا أن أصول القصص عن الشيطان أكثر تعقيدًا؛ لأن مصادرها لم تكن في الكتاب المقدس في أوروبا، بل كان هناك الكثير من الأساطير والقصص الشعبية عنه.

مصدر الصورة موقع «brainpickings»

تلك اللوحة أعلاه هي لوحة للرسام والشاعر البريطاني ويليام بليك والذي استوحاها من قصيدة «Paradise Lost»، وفي تلك اللوحة؛ يمكنك أن ترى الشيطان يقف بين آدم وحواء في محاولة لإغوائهما؛ بغرض التسبب في طردهما من الجنة، والشيطان الذي يقف في المنتصف لا يبدو عليه الملامح «الشيطانية» التي التصقت بكيانه في التاريخ الحديث، ولكنك ترى ملاكًا وسيمًا لا يختلف في شيء عن باقي الملائكة، وليس له قرنان أو ذيل، وجسده ليس أحمرًا ولا يشبه المسخ.

روي كوهين.. رحلة «محامي الشيطان» من عائلات المافيا إلى مؤسسات ترامب

العهد الجديد.. بداية «شيطنة» الشيطان

«سأمنحك كل هذا؛ إذا سقطت وأطعتني»؛ هذا الاقتباس من العهد الجديد على لسان الشيطان موجهًا للمسيح وغيره من الجُمل الأخرى؛ منحت الشيطان صورة الشر التي نراها عليه الآن، مثلما وصفه بولس الرسول بكونه «صياد النفوس» وحذر البشر منه قائلًا: « تنبهوا وانضبطوا؛ فإن هدير الأسد حولكم هو للشيطان الذي يبحث عن شخصًا يلتهمه».

وهكذا أصبح الشيطان رسميًا في أذهان الأوروبين وحشًا قادرًا على التهام أرواح البشر؛ فلم تعد صورته الوسيمة الحالمة تليق على هذا الوصف والغاية، بل أصبح «وحشًا مروعًا» كما وصفه البعض، بعد أن كان لقبه «لوسيفر» وهي تعني «حامل النور»، ولذلك ذُكر على لسان المسيح في الإنجيل: «لقد شاهدت الشيطان يسقط من السماء وكأنه وميض من صاعقة».

لوحة ««The Devil Presenting St. Augustine With the Book of Vices» – مصدر الصورة موقع «pinterest»

ولكن تلك الصورة لم تستقر كثيرًا في وعي المسيحيين الأوائل، الذين كانوا ينظرون للشيطان على أنه ملاك تمرد على الله، ولكنه احتفظ بكيانه الملائكي داخل نفسه، وأنه لم يكن له كيان مادي على الأرض، وإذا اتخذ شكلًا ماديًا قد يختار الشيطان هيئة غير محتملة مثل امرأة جميلة أو شخصية مقدسة لخداع ضحيته.

ومع ذلك، قدم العديد من فناني العصور الوسطى؛ صورة مرعبة للشيطان؛ بغرض توضيح رسالتهم، ولظنهم أن التجسيد الوسيم الملائكي للشيطان لن يفي بالغرض في تخويف عامة الشعوب منه، والذين لا يدركون – من وجهة نظر الفنانين – مدى قدرة هذا الكيان الوسيم في اللوحة على ارتكاب الشرور، ومن هُنا جاء التجسيد المروع للشيطان، ويُذكر أن لوحة «The Devil Presenting St. Augustine With the Book of Vices» للرسام مايكل باشر في أواخر القرن الخامس عشر؛ كانت من أوائل اللوحات التي جسدت الشيطان بقرنين وذيل.

واحدة من الرسوم التي تجسد شكل «بعلزبول» مصدر الصورة موقع «mythology»

ويُمكن إرجاع العديد من الصفات الحيوانية في تجسيد الشيطان بلوحات القرون الوسطى للأديان السابقة، وقد عُثر على أحد النصوص البابلية القديمة والتي تصف الشيطان بتلك الهيئة المخيفة، وكانوا يطلقون عليه في النص اسم «Lilitu»؛ والتي وصفها النص بأنها كائنات مخيفة ومرعبة ومجنحة تطير في الليل لإغواء الرجال ومهاجمة النساء الحوامل.

وفي الثقافة اليهودية تطورت تلك الصورة للشيطان وأصبح أسمها ليليث زوجة آدم الأولى؛ وكانت ليليث تجسيد للشهوة والتمرد وعدم الشعور بالرضا؛ تلك السمات التي ارتبطت فيما بعد بالمفهوم المسيحي عن الشيطان بالعصور الوسطى، ومن الآلهة القديمة الأخرى التي ارتبطت بالشيطان هو «بعلزبول» في كنعان والذي يعني «رب الذباب».

صورة تجسد الإله «Pan» الروماني. مصدر الصورة موقع «pinterest»

ولعبت أيضًا التأثيرات الكلاسيكية دورًا في تطور نظرة المسيحيين للشيطان؛ حينما ترسخت المسيحية في العالم الروماني، ورفض المتدينون الأوائل مفهوم الآلهة الوثنية، وصنفوها أنها أراوح شريرة، ومنها الإله الروماني «Pan» والذي كان جسده نصف ماعز ونصف إنسان وعضوًا ذكريًا منتصبًا، وكان إلهًا مفعمًا بالحياة، ويجسد الشهوة وحب الحياة البرية، وكان من السهل ربطه بالرغبة المُحرمة والخطيئة، ولأنه كان له قرنان وحوافر؛ استخدمه الفنانون فيما بعد ليكون رمزًا للشر أو الشيطان من خلال اقتباس الحوافر والقرون منه.

لوحة « The Great He-Goat» لجويا. مصدر الصورة « atlasobscura»

وظهر هذا التأثير واضحًا في لوحة للرسام العالمي فرانسيسكو دي غويا والتي جسدت الشيطان على شكل ماعز والسحرة يلتفون من حوله؛ تلك الصورة التي لا تختلف كثيرًا في المجتمعات العربية الآن، مثلما ظهرت صورة الشيطان في الفيلم العربي «التعويذة» بكونه له قدم ماعز وقرون طويلة.

وانعكست صورة الشيطان أيضًا في واحد من أكثر الأعمال الأدبية تأثيرًا في العالم وهو «جحيم دانتي» والذي نُشر في أوائل القرن الرابع عشر ضمن الكوميديا الإلهية، ووصف دانتي أعمق مناطق الجحيم حيث سيطر الشيطان عليها، واصفًا إياه بكونه كائن بثلاثة وجوه مخيفة، وفي كل فم منهم أسنان حادة وطاحنة، ولديه أجنحة تشبه أجنحة الخفافيش.

وتوالت الأعمال الفنية في أوروبا حتى وصلت للعالم العربي لمختلف صورها؛ لتتحول صورة الشيطان من الملاك المُبهر الوسيم؛ للوحش ذو القرنين والذيل والحوافر والتي تعتبر مألوفة لنا الآن أكثر من الصورة الأولى التي يظهر فيها الشيطان هادئًا يرتدي حُلة زرقاء وتبدو على ملامحه البراءة.

مترجم: «كورس» طرد الأرواح الشريرة! لماذا يسجل فيه معلمو المدارس في إيطاليا؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد