حين وصل عدَّاء المسافات الطويلة الإثيوبي فييسا ليليسا إلى خط النهاية، في دورة الألعاب الأولمبية 2016، فعل شيئًا كان يدرك أنَّه سيُحَوَّله من بطلٍ رياضيٍ إلى مُدانٍ سياسيّ، وقد يُعَرِّضه للسجن أو حتى للقتل: شبَّك معصميه فوق رأسه في صورة متقاطعة – وهي إشارة استخدمها قومه من عرق أورومو  طيلة شهور من احتجاجاتهم ضد الحكومة- ليُحَوِّل الأضواء المُسَلَّطة على انتصاره بالميدالية الفضية إلى معاناة شعبِه في مسقط رأسه، ويُهدي فوزه من ريو دي جانيرو إلى نضال بني جلدته في أرض الوطن. 

كان التزام ليليسا الأخلاقي تجاه المتظاهرين في إثيوبيا، أقوى من الحظر الذي تفرضه المادة الخمسون من الميثاق الأولمبي على الإشارات أو الاحتجاجات السياسية، وكان دافع البطل الأوليمبي على نُبلِه بسيطًا وخاليًا من التعقيدات: «الحكومة الإثيوبية تقتل قومي؛ ولهذا أساند احتجاجات قبيلتي الأورومو في كل مكان. أقاربي في السجن، وعندما يتحدثون عن الحقوق الديمقراطية يُقتَلون».

رغم المخاطر التي ينطوي عليها إعلان معارضته للحكومة الإثيوبية بهذه الطريقة الصاخبة، لم يتردد ليليسا في تكرار رسالته الجريئة خلال المؤتمر الصحفي، الذي عُقِدَ بعد السباق. في ذلك اليوم، لم يكن العدَّاء الإثيوبي يريد أن ينحصر فوزه في ميدان الماراثون، بل أراد إحراز نصرٍ آخر في معركة العلاقات العامة، وأبى أن يتصدَّر وحده عناوين الصحف العالمية، بل أن يُكسِب المظاهرات في إثيوبيا زخمًا أكبر، وهو ما حققه بفضل طريقته المبتكرة في الاحتجاج. 

كان هذا ما يريده بالضبط، رغم معرفته بالثمن الباهظ الذي قد يدفعه، حين قال: «إذا عدت إلى إثيوبيا ربما يقتلونني. إذا لم يفعلوا فسيزجون بي في السجن، أنا لم أقرر بعد،  لكن ربما أنتقل إلى بلد آخر». لكن الشجاعة لا تُقَصِّر عمرًا والجبن لا يطيل أجلًا، فبعد أشهر من تولي رئيس الوزراء آبي أحمد حكم البلاد، وإعلانه عن إصلاحات شاملة، عاد ليليسا من المنفى في الولايات المتحدة، على وعدٍ من مسؤولين رياضيين بأنه لن يُحاكَم. وبالفعل تلقى ليليسا ترحيبًا حارًّا في المطار، حيث كان في استقباله وزير الخارجية وغيره من كبار المسؤولين.

معارضو الشتات.. «شوكة في حلق الحكومات»

كانت الاحتجاجات التي اندلعت منذ بداية أغسطس (آب) عام 2016، ردًّا على حادث تدافع دموي خلال مهرجان أورومو الديني، بعد اشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين، هي الأكبر في تاريخ البلاد، على مدى السنوات الخمسة والعشرين الماضية، ما دفع الحكومة إلى قطع الإنترنت في محاولة للسيطرة على الموقف. 

لكن ما لم تحسب الحكومة حسابهم على ما يبدو هم: «المغتربون الذين يتمتعون بحرية التحدُّث بلا قيود والتجمع والتنظيم بموجب دساتير وقوانين البلدان التي يقيمون فيها، يمكن للمغتربين قول الحقيقة للسلطة بطرق لا يمكن تخيلها في وطنهم»، على حد قول أليمانتي سيلاسي، الأستاذ فخري بكلية ويليام وماري الأمريكية. 

يُقَدَّر عدد المغتربين الإثيوبيين في العالم بنحو مليونَيْ شخص، يتركز أكثرهم في الولايات المتحدة، بأعداد تتراوح بين 250 ألفًا إلى حوالي مليون. وهم يتحركون بدافع أن «هؤلاء المتظاهرين إخوانهم، وأخواتهم، وعماتهم، وأعمامهم، ورفاق دراستهم، وجيرانهم، وزملاؤهم السابقون»، كما يوضح حسن حسين، الأكاديمي والكاتب الإثيوبي المقيم في ولاية مينيسوتا الأمريكية. 

Embed from Getty Images

عرقية الأورومو في إثيوبيا

«ومعظم الناشطين في الشتات هم أشخاص طُرِدوا من العملية السياسية، ونفاهم النظام الحالي من إثيوبيا، لذلك يرون أنفسهم أصحاب مصلحة في الجهود المبذولة لتشكيل مستقبل البلاد»، حسبما يقول محمد أديمو، الصحفي الإثيوبي المولد الذي يعيش في واشنطن العاصمة.

وعلى حد قول البروفيسور أليمانتي، فهم «يشعرون بأنهم مستبعدون مما يُسَمَّى «المعجزة الاقتصادية الإثيوبية» التي تروج لها الصحافة الغربية، على الرغم من الفقر المدقع في جميع أنحاء البلاد، وخاصة ولاية أمهرة».

إعلام الشتات.. المشكلة التي خلقتها الحكومة لنفسها

لا تفتقر إثيوبيا فقط إلى المعارضة المحليّة الفعالة، بل لا توجد أيضًا وسائل إعلام محلية مستقلة. وهو ما اعترف به صحافي إثيوبي، يعمل في صحيفة يومية محلية، أثناء مشاركته في مؤتمر صحفي حكومي في أكتوبر (تشرين الأول) 2016 قائلًا: «لم تسمح الحكومة لوسائل الإعلام المستقلة بالتطور؛ لذلك يلجأ الناس إلى الأخبار التي يبثها الشتات، لقد خلقت الحكومة هذه المشكلة لنفسها».

و«المراسلون الأجانب في الغالب لا يغطون سوى الاحتجاجات في أديس أبابا»، ومن هنا «كان للشتات دور فعال في زيادة الوعي بالفظائع التي تحدث في أماكن أخرى داخل إثيوبيا وتغطية الاحتجاجات»؛ كما يرصد الصحافي الإثيوبي المولد أمريكي الإقامة، محمد أديمو.

وبينما كانت الحكومة تحاول تطويق الاحتجاجات في الداخل بالأساليب التقليدية، احتشد الإثيوبيون في الشتات بطرق مبتكرة، وانضم إليهم كتاب ومدونون وصحافيون، إلى جانب قنوات تلفزيونية فضائية ذات شعبية كبيرة تبث من الولايات المتحدة، وتوفر تغطية واسعة للاحتجاجات.

يقول الأكاديمي الإثيوبي حسن حسين: «ليس لدى الأورومو صوت مستقل في الداخل، فكل وسائل الإعلام المحلية، وهي قليلة أصلًا، إما طُرِدَت من البلاد أو مملوكة للدولة، الشتات يملأ هذا الفراغ الضخم».

«وبينما تقمع الحكومة الأحزاب السياسية المسالمة في هذا البلد، أصبح الناس يائسين جدًا من النضال السياسي السلمي، وهكذا يبدأون في الاستماع إلى الأحزاب السياسية عبر المحيط الأطلسي»، حسبما يوضح ليديتو أييلي، مؤسس «الحزب الديمقراطي الإثيوبي المحلي المعارض». 

«الحداثة المستحيلة».. لماذا يظل «حلم الدولة الديمقراطية» بعيد المنال في إثيوبيا ولبنان؟

أموال الشتات.. لهدم الاستبداد وبناء حلم إثيوبيا

تأثير الشتات يتجاوز بكثير التغطية الإعلامية، إذ حصلت جماعات المعارضة في إثيوبيا سابقًا على تمويل سخي من جماعات الشتات المناهضة لائتلاف «الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية» الحاكم، بسبب قلة الخيارات المحلية. ورصد إلوي فيكيه، المدير السابق «للمركز الفرنسي للدراسات الإثيوبية» في أديس أبابا، تحويل مبالغ مالية كبيرة من الإثيوبيين في الشتات، خاصة من الولايات المتحدة، إلى إثيوبيا إبان احتجاجات الأعوام الماضية.

لكن أموال الشتات سلاحٌ ذو حدين؛ فقد تعوق هذه التبعية المالية المعارضة في الداخل عن التوصل إلى حل وسط سياسي، وتمنعهم من التواصل البناء مع الحكومة، مما يعقد الأمور أكثر. لكنها في الوقت ذاته قد تشكل رافعة قوية لاقتصاد إثيوبيا، لذلك بادرت الحكومة الإثيوبية الجديدة بدعوة الإثيوبيين في الخارج إلى الاستثمار في الوطن. 

مظاهرات معارضي الشتات في إثيوبيا

وفي حين استقبل العلماء ورجال الأعمال والمهنيون هذه الدعوة بحرارة، تطلع آخرون لتغييرات إضافية، معربين عن شكوكهم بشأن ما إذا كان الاستقرار الذي تحقق في الأشهر الماضية سوف يستمر. ولأنه لا يمكن فصل فرص الاستثمار عن الإصلاح السياسي؛ كانت دعوة الحكومة بمثابة اعتراف ضمني بالدور الذي يمكن أن يلعبه الشتات في رسم مستقبل إثيوبيا. 

صحيح أن الدين الخارجي تجاوز 24 مليار دولار، لكن أموال الشتات ليست وحدها ما تحتاجه إثيوبيا، بل الأغلى من ذلك هي: الخبرات المهدرة والعقول المهاجرة، إذ يُقال إن عدد الأطباء المولودين في إثيوبيا ويمارسون الطب في شيكاغو أكبر من عدد الأطباء في إثيوبيا نفسها. ونزيف العقول لا يقتصر على مهنة الطب، ففي عام 2015، كانت إثيوبيا ثاني أكبر دولة من حيث عدد الصحافيين المنفيين في العالم بعد سوريا؛ نتيجة سنوات من سوء المعاملة النظامية، التي أهلكت الصحافة الحرة، وأنهكت بقية الإثيوبيين.

الشتات الإثيوبي في قلب السياسة الأمريكية

بعد أسبوع واحد من أداء أبي أحمد اليمين الدستورية رئيسًا جديدًا لإثيوبيا، وتحديدًا في الثاني من أبريل (نيسان) 2018، انضم ناشطو الشتات الإثيوبيون إلى أعضاء الكونجرس الأمريكي لتأييد قرارٍ يدعو إلى «احترام حقوق الإنسان وتشجيع الحكم الشامل في إثيوبيا»، ويدين «قتل قوات الأمن الإثيوبية للمتظاهرين المسالمين، واستخدامها المفرط للقوة، واحتجاز الصحافيين والطلاب والناشطين والقادة السياسيين، واستغلال النظام لقوانين مكافحة الإرهاب لخنق المعارضة السياسية والمدنية، والحريات الصحفية». 

كان تمرير مثل هذا القرار «إنجازًا تاريخيًّا»، على حد وصف دروز تيرفي، رئيس «جمعية أمهرة» الأمريكية، لكن الأهم هو أن «المجتمع الإثيوبي الأمريكي أصبح يدرك أخيرًا كيف تعمل العملية الديمقراطية الأمريكية، وأضحى بإمكانه إحداث فرقٍ في إثيوبيا من خلال الانخراط في العملية الديمقراطية». وجدير بالذكر أن التوقيت لا يعني أن قرار الكونجرس موجه لرئيس الوزراء الجديد، بل على العكس «يمكن أن يمنحه حرية أكبر للتعامل بحسم أكبر مع من يقاومون التغيير»، بحسب حسن حسين، الأكاديمي والكاتب المقيم في مينيسوتا.

المعارضة الإثيوبية في الشتات متنوعة، وتتألف من حركات ومنظمات وأحزاب سياسية تحركها مظالم مماثلة، لكنها تمثل مواقف مختلفة ومشاريع وأهداف سياسية متباينة. ورغم أن الولايات المتحدة تحظى بنصيب الأسد من عدد الإثيوبيين في الخارج، فإن الشتات الإثيوبي المعارِض في أماكن أخرى، مثل النرويج، يكثف جهوده على مدى العقدين الماضيين في التعبئة والمشاركة المدنية. ومع التدفق المستمر للمهاجرين واللاجئين الإثيوبيين إلى الخارج، اتسع نطاق النشاط السياسي في الشتات، ويشمل: تشكيل مجموعات معارضة تتجمع ضد الحكومة الإثيوبية، وتسعى إلى جلب التغيير الديمقراطي إلى الوطن.

صحيحٌ أن إثيوبيا تمر حاليًا بمرحلة انتقالية محتملة، بدأها اختيار أبي أحمد رئيسًا للوزراء في عام 2018، في أعقاب احتجاجات مستمرة ضد الحكومة. وقد تعهد أبي بإصلاح الدولة الاستبدادية، التي تحكمها الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية منذ عام 1991، وإعادة كتابة القوانين الاستبدادية المتعلقة بالانتخابات، والإرهاب، والإعلام. ومع ذلك، ما تزال إثيوبيا تعاني من التشرذم السياسي والعنف بين الطوائف، وما زالت انتهاكات قوات الأمن وتخطي القانون أمرًا شائعًا، وما يزال العديد من القوانين التقييدية ساريًّا.

لذلك حصلت إثيوبيا على 19 نقطة فقط من 100 في تقييم منظمة «فريدم هاوس» لمستوى الحرية في البلاد، ما يعني أن المهمة التي بدأتها المعارضة في الشتات قبل سنوات لم تنتهِ بعد.

«الحداثة المستحيلة».. لماذا يظل «حلم الدولة الديمقراطية» بعيد المنال في إثيوبيا ولبنان؟

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد