قد تعجبك المبادرات التي يقترحها خاري جونسون لتوظيف الذكاء الصناعى من أجل تحسين الديمقراطية، لكن في المقابل لا ينبغي إغفال تحذير مؤسس شركتي «تسلا» و«سبيس إكس» إيلون مسك، من أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح «ديكتاتورًا خالدًا» إذا لم يُروَّض، وحينها «لن يكون هناك مهرب للبشر». 

وقد يروق لك طرح العالِم الهندي البارز، د. أميت راي، الذي يعتبر «الذكاء الصناعى أفضل وسيلة لإحداث تحوُّل (إيجابي) في المجتمع، والتخلص من اللامساواة»، لكن يجدر بك في المقابل التفكير في تحذير عالم الفيزياء البروفيسور ستيفن هوكينج من أن «تطوير الذكاء الاصطناعي الكامل يمكن أن يحدد نهاية الجنس البشري». 

يقول: «أخشى أن يحل الذكاء الاصطناعي محل البشر تمامًا.. إذا كان بمقدور البعض تصميم فيروسات الكمبيوتر، فإن شخصًا ما سوف يصمم ذكاءً صناعيًا يحسن ويكرر نفسه. سيكون هذا شكلًا جديدًا من أشكال الحياة يتفوق على البشر».

إيلون مسك مارك وستيفن هوكينج ليسا بِدْعًا من العلماء الذين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسبب المزيد من الضرر للبشر- على عكس الشائع في أوساط المغترّين ببريق التقنية الخاطف للعقول- بل هناك أسماء أخرى لامعة تنضم إلى قافلة قارعي أجراس الإنذار، مثل: مارك زوكربيرج وبيل جيتس وراي كورزويل.

صحيحٌ أن الطفرات التي يحذر منها علماء الذكاء الاصطناعي قد لا تحدث إلا بعد سنوات طويلة، ما ينفي عن هذا التحدي صفة الإلحاح. لكن هل يعني ذلك أنه ليس لدينا ما يدعو للقلق؟ على العكس، تنمو منتجات الذكاء الاصطناعي الآن بشكل أسرع مما يستوعبه معظم الناس، ومن المرجح أن تشكل حياتنا على نحو جذري، ولا يوجد ضمانات أن يسير هذا التغيير نحو الأفضل. 

الحديث هنا يتجاوز التهديدات الشائعة في أفلام الخيال العلمي، لتشمل إعادة تشكيل ما الذي يعنيه أن تعمل؟ وكيف تجني الثروة؟ مما قد يؤدي إلى مستوى غير مسبوق من اللامساواة الاقتصادية، وحتى تغيير ميزان القوى العالمي، بحسب كاي-فو لي في صحيفة «نيويورك تايمز»

تقوية الطغاة وتهميش المعارضة

ما لا تعرفه عن الذكاء الاصطناعي، أنه قد يصبح أداة محورية لدعم مركزية السلطة، التي هي العمود الفقري للنظام المستبد. ذلك أن القدرة المستمرة على مراقبة وتقييم ما يحدث في المجتمع أولا بأول؛ يمثل نقطة قوة لصالح الجالسين على القمة، وضربة للقاع الأكثر فوضوية وتشتيتًا. على عكس الشائع، تلعب التكنولوجيا في عالم اليوم دورًا أكبر لترسيخ قبضة الاستبداد، وكثيرًا ما تُقَدَّم التقنية الحديثة للشعوب كـ«تفاحة مسمومة»، ظاهرها النفع لكنها محشوة بالسم الزعاف. 

لأن البيانات الكبيرة وقوة الحوسبة السريعة «تسمح بتدفق المعلومات بسرعة كبيرة إلى المركز»، حسبما يحذر أندرو نج، العالم المتخصص في الذكاء الاصطناعي ومؤسس مشروع «Google Brain» و«Baidu»؛ تصبح الحكومات حول العالم أكثر قدرة ليس فقط على مراقبة مواطنيها، بل وتصنيفهم في مراتب وفقًا لسلوكياتهم. 

والحال هكذا، أصبحت التقنية الحديثة ووسائل الإعلام الاجتماعية أسلحة تستخدمها القوى الكبرى لأغراض سياسية، وفي المستقبل سوف يؤثر الذكاء الاصطناعي بقوة على كبرى شركات التقنية ومنصات التواصل الاجتماعي، ما يوفر أدوات جديدة للمستبدين تساعدهم على ترسيخ نفوذهم.

«هذه الأدوات تسهل على السلطات متابعة ما يحدث، والتأثير على تدفق المعلومات، وتهميش الأصوات المنشقة. في الوقت ذاته.. يصبح أسهل عبر وسائل التواصل الاجتماعي العثور على الأصوات المتطرفة واستغلال الانقسامات المجتمعية، ويصبح أصعب حشد الناس سويًا لتحقيق هدف مشترك»، على حد قول داريل ويست، مدير مركز الابتكار التكنولوجي في معهد «بروكنجز». 

هل تشكل تقنية «DeepFake» خطرًا على الانتخابات الأمريكية؟

الأشباح الرقمية لا تطارد الببغاوات

صحيحٌ أن مواقع التواصل منحت المعارضين في الدول المستبدة منبرًا للتعبير عن آرائهم، لكنها في الوقت ذاته جعلت الناس تحت المجهر طيلة الوقت، ليس فقط تحت سمع الحكومات وبصرها، ولكن أيضًا تحت سيف الانتقاد الشعبي المسلط من الجميع فوق رقاب الجميع، ونادرًا ما يستريح في غمده. 

هذا بدوره يحفز نوعًا من الرقابة الذاتية التي تعرقل التطور السياسي، بحسب جويل كيني. وحتى إذا كانت التقنية الحديثة مكنت الجميع من كتابة ما يحلو لهم، مهما كان غبيًا أو حتى تجديفيًا، ونشره على حساباتهم الشخصية، لكن كيف يطمئن أحدهم أن أشباح الماضي الرقمية لن تعود بعد سنوات لتطارده مستقبلًا، وحينها ربما لن يكون مستعدًا للنزال، ناهيك عن تغيير الماضي بأثر رجعيّ.

خوفًا من سياط النقد التي يلهب بها بعضنا ظهور بعض، يلتزم كثيرون الصمت تجنبًا للإدلاء بأي شيء مثير للجدل باعتباره خيارًا أكثر أمانًا، والأسوأ هو محاكاة الردود العامة المقبولة على أي قضية. وحين يتترس الشخص بهذه التكتيكات الهروبية، ويشعر بأنه أصبح في مأمن من التحديات الفكرية، فإن قدرته على التعلم وتطوير التفكير السياسي تبدأ في التراجع تدريجيًا.

علاوة على ذلك، هناك أساليب أكثر تعقيدًا لجمع البيانات الضخمة ومعالجة الخوارزميات؛ بما يؤدي إلى زيادة مستوى التلاعب بالمواطنين. يتحقق ذلك من خلال أنظمة التسليم الفردية، التي يمكن أن تستهدف اهتمامات فرد بعينه وحتى حالته المزاجية. 

بمرور الوقت، سنصبح أكثر تشككًا في قدرتنا على تشكيل التصورات واتخاذ القرارات، ما يجعل الذكاء الاصطناعي هو الملاذ الأسهل الذي يمكن أن يقوم بتلك المهام بالنيابة عنا، سواء في عالم السياسة أو الواقع الاجتماعي.

صحيحٌ أن شبكة الإنترنت سهَّلت على المعارضة مهام الحشد والتوجيه، لكنها في المقابل أسهمت في تفتيت الجمهور أكثر؛ لأن الخوارزمية تضخم جاذبية الأفكار المتشابهة وتقترح المزيد منها طيلة الوقت، حتى يثور حماس الفرد تجاه أفكاره ويزداد يقينه في صحة معتقداته. وما يزيد الطين بلة، أن هذا الواقع قد يؤدي إلى طريق سياسي مسدود، ويستعدى شرائح هامة من المجتمع ضد بعضها. هل يذكرك هذا بشيء؟

الديمقراطية أضعف مما نعتقد

«المُثُل العليا التي تحتفي بها الديمقراطية أضعف بكثير مما نعتقد، ولم تنجح على مدار القرن العشرين إلا بفضل ظروف فريدة قد تكون سريعة الزوال»، كما يقول يوفال نوح هراري في مجلة «ذي أتلانتك»

في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بدأت الليبرالية تفقد مصداقيتها، وثارت المزيد من الأسئلة حول قدرة الديمقراطية الليبرالية على خدمة الطبقة الوسطى، وأصبحت السياسة أكثر قبليّة، وبات للديماغوجية والاستبداد اليد الطولى في عدد من دول العالم.  أسباب هذا التحول السياسي معقدة، لكنها تبدو متشابكة مع التطورات التقنية الحالية. والتكنولوجيا التي تدعم الديمقراطية تتغير، ومع تطور الذكاء الاصطناعي، سيتعمق هذا التغيير أكثر. 

العديد من البلدان في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك العديد من الديمقراطيات، منهمكة ببناء أنظمة مراقبة غير مسبوقة. على سبيل المثال، تتبوأ إسرائيل موقعًا رائدًا في مجال تكنولوجيا المراقبة، وقد أنشأت نموذجًا أوليًا للمراقبة الشاملة يعمل في الضفة الغربية. فبمجرد أن يجري الفلسطينيون مكالمة هاتفية، أو ينشرون شيئًا ما على «فيسبوك»، أو ينتقلون من مدينة لأخرى، فإنهم على الأرجح يكونون مراقبين بالميكروفونات والكاميرات والطائرات بدون طيار وبرامج التجسس الإسرائيلية. 

تحلل الخوارزميات كل هذه البيانات، وتساعد قوات الأمن الإسرائيلية في تحديد ما تعتبره تهديدات محتملة. وبينما يعتقد الفلسطينيون أنهم يديرون بعض قرى ومدن الضفة الغربية، يسيطر الإسرائيليون في الواقع على السماء، والموجات الهوائية، والفضاء الإلكتروني؛ من خلال حفنة من الجنود وأدوات الذكاء الاصطناعي.

تخيل أن النظام المستبد الذي يحكم بلدك يمتلك نسخة أكثر تطورًا من هذه التكنولوجيا في المستقبل! قد يُطلب من المواطنين ارتداء سوار معصم بيولوجي يراقب ليس فقط كل ما يفعلونه ويقولونه، بل يقيس أيضًا مستوى ضغط الدم ونشاط الدماغ؛ لكشف أي تغيّر شعوري تجاه الأحداث. مثل هذا الكابوس ربما لن يكون حكرًا على دول قوية مثل كوريا الشمالية، مثلما تخيَّل يوفال، وسبقه جورج أورويل في رائعته «1948»، وحينها لن يجد أحد مكانًا يهرب إليه.

توزيع ثمار الذكاء الاصطناعي

إن لم تكن تلاحظ، فنحن نشهد الآن أكبر تحوُّل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وفي غضون 10 سنوات من الآن، سوف تتضاعف كمية البيانات كل 12 ساعة فقط. وبينما تحاول العديد من الشركات تحويل هذه البيانات الضخمة إلى ثروات هائلة، تسعى الحكومات جاهدة لتوظيفها من أجل مزيد من السيطرة والنفوذ.

كل شيء سوف يصبح ذكيًّا: لن يقتصر التطور على الهواتف الذكية، بل سيكون لدينا أيضًا منازل ذكية ومصانع ذكية ومدن ذكية، ناهيك عن تغير الطريقة التي ننظم بها الاقتصاد والمجتمع بشكل جذري. لكن هل تصيب عدوى الذكاء المواطن العادي أم ستتوارث البشرية هواية الوقوع في براثن الأقوياء؟

من أجل توزيع ثمار الثورة الرقمية على الجميع؛ الاقتصاد والحكومة والمواطنين، تقترح مجلة «ساينتيفيك أميركان» جدول أعمال رقمي مكون من 10 مبادئ أساسية:

1- تعزيز اللامركزية في عمل نظم المعلومات،

2- دعم حق تقرير المصير والمشاركة المعلوماتية،

3- تعظيم الشفافية من أجل تحقيق قدر أكبر من الثقة،

4- الحد من تشويه وتلوث المعلومات،

5- تمكين المستخدم من السيطرة على عوامل تصفية المعلومات،

6- دعم التنوع الاجتماعي والاقتصادي،

7- تحسين التوافق التشغيلي والفرص التعاونية،

8- إنشاء مساعدين رقميين وأدوات تنسيق،

9- دعم الذكاء الاجتماعي،

10- تعزيز السلوك المسؤول للمواطنين في العالم الرقمي من خلال محو الأمية الرقمية والتنوير.

هذه النقطة الأخيرة تركز عليها آمي ويب، وهي أستاذة في جامعة نيويورك أمضت معظم العقد الماضي في البحث وإجراء مناقشات وعقد لقاءات مع عدد من الأشخاص والمنظمات حول الذكاء الاصطناعي. خلُصَت آمي إلى أن الحل يكمن في أن يتحمل كل فرد في المجتمع مسؤولياته: «أنت أنت، وأنا، وأبي، وجاري، وذاك الرجل الجالس في ستاربكس، وهذا الذي أمشي بمحاذاته الآن».

حتى لا تكون النصيحة مثل توصية السيد الغامض غسان مطر: «اعمل الصح»، سألها موقع «تكنولوجي ريفيو»: ما الذي يجب أن يفعله الناس على وجه التحديد؟ فأجابت: «كن أكثر وعيًا بمن يستخدم بياناتك وكيف يستخدمها. أنفِق بضع دقائق لقراءة الشروحات التي يكتبها الأشخاص الذين يتمتعون بقدر من الذكاء. وامنح بضع دقائق أخرى لمعرفة المزيد عما نتحدث عنه هنا. قبل إتاحة تفاصيل حياتك للجمهور، ومشاركة صور أطفالك على قارعة الإنترنت، كن على دراية كافية بما يعنيه ذلك. لا بأس أن تفعل ما يحلو لك، لكن على بصيرة».

حينما يرسم الروبوت لوحة ويكتب شعرًا.. هل ينافس الذكاء الاصطناعي إبداعات البشر؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد