أعلنت صحيفة «الجارديان» قبل أيام، تخطيها أزمتها المالية، بعد سنوات عجاف من الخسائر وتقليص العمالة، لتُعلن تحقيق أرباح قُدرت بنحو 800 ألف إسترليني عن العام المالي (2018-2019)، وسط تساؤلات حول الأسباب التي قادت المؤسسة لهذه النقلة النوعية في إعادة الإحياء، خصوصWا مع اتجاه أكثر من مؤسسة صحفية كُبرى لوقف طبعتها الورقية.

وحددت الإدارة التحريرية خطة استراتيجية للنهوض بالصحيفة، قبل عام، مستندة فيها إلى أكثر من مُحدد رئيسي لمواجهة صعوبات تتعلق بارتفاع أسعار خام الورق، والدخول على خط التنافس في الديجيتال، وهو ما نحاول استعراض خطوطه الرئيسية في التقرير التالي، واستعراض الإمكانية لإعادة تكرار هذه الاستراتيجية بعدد من الصحف العالمية والعربية.

الحرب السرية في الخليج: معركة الاستحواذ على الصحافة الأجنبية

«دعمكم سيضمن حيادنا ومهنيتنا»

وسط كم من الأزمات المالية، تلاحقها صعوبات تسويقية جراء انخفاض عائداتها من الإعلانات نحو 25%، دخلت صحيفة «الجارديان» البريطانية نفقًا مُظلمًا قبل ثمانية أعوام، دفعها للسير بخطوات وثابة نحو الإقفال، في ظل غياب مصادر التمويل مع تراجع المُعلنين، والتمسك بعدم بيعها لأي حكومات خليجية قدمت عروضًا لشرائها وإنهاء أزمتها المالية.

ظلت الأوضاع تسير على هذا المنوال عامًا بعد عام، لتصير مسألة وقف الطبعة الورقية أمرًا محسومًا، بعدما ارتفعت خسائر التشغيل إلى 52 مليون جنيه إسترليني، والاحتياطي النقدي الذي تعتمد عليه انخفض من 838 مليون جنيه إلى 743 مليون جنيه.

عجل من مسار الإغلاق بالنسبة للـ«جارديان»، قرارات الصُحف المنافسة، بعدما أوقفت صحيفة «الواشنطن بوست» إصدار عددها الأسبوعي الخاص، بعدما انخفضت نسبة مبيعاته، وإعلان صحيفة «الإندبندنت» وشقيقتها الأسبوعية التي تصدر يوم الأحد «إندبندنت أون صنداي» التوقف عن الصدور في طبعتها الورقية مكتفية بالطبعة الإلكترونية، بعد 30 عامًا على انطلاقه.

وقالت شركة «ESI ميديا» المالكة للـ«اندبندنت» إنها ستبيع أيضًا «i newspaper» الشقيقة الصغرى للـ«إندبندنت» لمطابع جونستون لقاء مبلغ 24 مليون إسترليني بعد موافقة حملة الأسهم في شركة جونستون.

غير أن هذا المسار الذي كادت أن تنتهي إليه «الجارديان»، أخذ خطوات للوراء، بعدما ظهرت امراة وسط هذه الظروف الاستثنائية، في دور «المُنقذة» للصحيفة الأعرق في بريطانيا، هي كاثرين فينر، في صيف عام 2015، لتكون أول امرأة تتسلم منصب رئيس تحرير «الجارديان» منذ نشأتها قبل 194 عامًا، وتُعلن عن استراتيجية جديدة لإدارة الأزمة، دون أن يكون منها خيار البيع، وتؤجل مسار الإقفال لفترة غير معلومة.

كانت هذه المرأة قد بدأت عملها الصحفي بجريدة «سانداى تايمز»، لثلاثة أعوام، قبل انضمامها للـ«جارديان»، عام 1997، لتترقي داخل المؤسسة، وتبدأ عملية تطوير واسعة في كل مهامها التي تولتها بدءًا من تحرير طبعة السبت من الصحيفة منذ 2002 وختى 2012، قبل أن تُصبح مسؤولة عن إطلاق «الجارديان الأسترالية»، وبنتها من فريق من 40 فردًا خلال 16 شهرًا. ثم انتقلت فينر بعد ذلك إلى نيويورك لتستلم منصب رئيس تحرير النسخة الأمريكية للصحيفة، إلى أن صارت رئيسة تحرير للجريدة عام 2015.

كانت «صعوبة» مهمة فينر تأتي من سعيها نحو الوصول لتحقيق المعادلة الصعبة والتي تكاد تكون مستحيلة لمن سبقوها في الحفاظ على النسخة المطبوعة مع إطلاق خطة تطوير في الديجيتال مع اكتشاف موارد مالية جديدة دون الاضطرار لبيعها لأي مستثمر عربي، التزامًا بسياساتها التحريرية، التي يقول عنها موقع الجريدة على الإنترنت أنها «تحمي القيم الليبرالية والحريات الصحفية بضمان الاستقلال التحريري والمالي».

نالت خطة فينر دعمًا غير مسبوق من جانب الشركة المالكة، والإدارة التحريرية، وهو ما ظهر في التصويت الإرشادي، لطاقمي صحيفة «الجارديان» و«أوبسرفر»، على اختيار رئيس التحرير الجديد، في شهر مارس (آذار) عام 2015، حين بلغت نسبة التصويت لها نحو 53% من المصوتين، بـ438 صوتًا، مُتفوقة على 25 شخصًا تقدموا للمنصب فى عملية أجرتها الشركة المالكة «سكوت تراست» بالتعاون مع شركة توظيف متخصصة.

ركزت استراتيجية فينر على الوصول إلى حلول للتغلب على أزمة ارتفاع أسعار خام الورق، ومنافسة الديجيتال، عبر وضع خطة تستند على دعم القراء، بعدما شرحت لهم طبيعة الأزمة، وطلبت دعمهم المالي («اتبرع ولو بجنيه إسترليني»!). حيث وجهت الصحيفة للقراء رسالة مفادها: «دعمكم سيضمن حيادنا ومهنيتنا وبقاءنا، لن نفعل كما يفعل آخرون ونطلب دعم رجل أعمال فيؤثر علينا بمصالحه، ولن نطلب دعم أحد السياسيين فيؤثر علينا بتوجهاته، سنظل معكم، فقط نريد دعمكم».

ففي تنويه ثابت وضعته إدارة التحرير أسفل كل موضوع منشور على موقعها الإلكتروني، أوضح لقرائه ملامح الأزمة التي تمر بالصحيفة كونها تواجه أزمة تساقط إيرادات الإعلانات، ولا ترغب في طرق باب التمويل؛ راجية جمهورها الذين يقرأون أخبارنا وتقاريرنا أكثر من أي وقت مضى، بدعم الصحيفة مقابل المواد الصحفية التي قرأها.

تزامنًا مع هذه الخطة الجديدة، تخلت الصحيفة عن 100 موظف في قطاعات متنوعة داخل الصحيفة، في محاولة للتغلب على ارتفاع التكاليف المرتفعة بالنظر لعائدات الإعلانات. وقد امتدت خطط التغيير والتطوير من الهيكلة الإدارية واكتشاف طرق دعم مالي تحافظ على سياسة الجريدة المُستقلة، إلى شكل النسخة الورقية بعدما اعتمدت نسق الـ«تابلويد» لهيئة الجريدة، من أجل تقليل النفقات، ومواكبة تطور الصناعة المطبوعة.

Katharine Viner, editor-in-chief of the Guardian

كاثرين فينر، رئيسة تحرير «الجارديان» مصدر الصورة

وشرحت فاينر، في مقال منشور على موقع الجريدة، ظروف هذا التحول، قائلة :«إن إصدار الصحيفة بحجم «تابلويد» سيسهم في توفير تكاليف الطباعة، إضافة إلى أنها مرحلة مهمة في إطار خطة الصحيفة، التي تعاني الخسائر للوصول إلى التعادل بين الأرباح والخسائر، في العام القادم».

ظن الكثيرون أن تحول طبعة «الجارديان» ستفقد قيمة الصحيفة موادها الصحفية المُعمقة، وخطوة نحو التحول لنشر المواد الهزيلة، والمُثيرة، والتركيز على أخبار المشاهير، كحال أغلب صحف «التابلويد»، غير أن «الجارديان» خالفت كافة التوقعات السابقة، واستمرت بسياستها التحريرية رغم تغيير التصميم، وواظبت على نشر التحقيقات الصحفية المُطولة، والقصص المُعمقة، التي كسبت بها الرهان، دون اعتبار لنظريات السوق بأن المواد الخفيفة هي الجاذبة للجمهور.

«أصبح للجارديان ما يُمكنها من البقاء بفخر»

«الآن أصبح لدى الجارديان ما يمكنها من البقاء بفخر.. 655 ألف داعم ثابت شهريًا.. بالإضافة إلى 300 ألف شخص دعمها مرة واحدة خلال العام الماضي»، كان هذا ما كتبته «الجارديان» في مقال وضعته باعتباره تقريرًا رئيسيًا على موقعها الرسمي، في الأول من الشهر الجاري، تُعلن من خلاله نجاح خطتها التي أطلقتها رئيسة التحرير مع فريق عمل معها، بدعم قرائها الذين وصل عددهم لنحو 655 ألف شخص شهريًا لتستمر في البقاء، دون الاضطرار للتمويل السياسي، وملتزمة، في الوقت ذاته، بموادها الصحفية المُعمقة، دون الاستسهال في اختيار الموضوعات «المُثيرة».

كان المؤشر الأهم على نجاح خطة «الجارديان»، التي أطلقتها فينر، قبل ثلاثة أعوام، هو القفزة التي حققتها الجريدة من خسائر بلغت نحو 57 مليون جنيه إسترليني لأرباح قُدرت بنحو 800 ألف إسترليني عن العام المالي (2018-2019)، وتخفيض التكاليف بنسبة 20% على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، والتي بلغ قيمته 222 مليون جنيه إسترليني، لتضمن بذلك استدامة للخطة، وترمز لنجاح المشروع.

ومع التزامها بموادها الطويلة المُعمقة، وبخطتها التي هدفت لتطوير الديجيتال، ارتفع عدد مُشاهدات موقعها الرسمي شهريًا على مدار السنوات الثلاثة الماضية من 790 مليون في يناير (كانون الثاني) 2016 إلى 1.35 مليار في مارس (آذار) 2019، لتنمو إيرادتها بنسبة 3% إلى 223 مليون جنيه إسترليني سنويًا، شكلت الأنشطة الرقمية مصدرًا لنحو 55% من هذه الإيرادات، وهي نسبة إيرادات مرتفعة عما تحققه معظم منافذ الأخبار البريطانية الأخرى.

«نحن الآن في وضع مستدام، وقدرة أفضل على تحقيق هدفنا من خلال إنتاج صحافة متميزة تفهم وتضيء عصرنا»، هكذا عبرت فينر عما وصلت له الصحيفة، بعدما وجهت شكرها لدعم قراء «الجارديان» للصحيفة، بينما ذكر ديفيد بسميل، المدير العام للمؤسسة أن «تحقيق هذه النتائج هو شهادة على الالتزام والإبداع المطلق من الجميع داخل المنظمة. نحن ممتنون للغاية لدعم القراء والمعلنين والشركاء الذين يؤمنون بقيمة الوسائط عالية الجودة».

ولرسم صورة عامة لهذا النجاح وعلاقاته بمستقبل الصحيفة: «طورنا مجموعة من نقاط القوة الأساسية التي ستساعد على ضمان استقلال الجارديان المستمر واستدامته المالية على المدى الطويل».

درس في الصحافة: هكذا تحقَّقنا من صحة فيديو قاذفة الصواريخ قرب مطار القاهرة

المصادر

s