إعصار سياسيّ شهدته الساحة السياسيّة الجزائريّة منذ خريف السنة الماضية 2018، شهد سقوط عدّة رؤوس سياسيّة وصعود أخرى، بينما ساد غموض تامّ حول مصير الرئاسيّات المبرمجة في أبريل (نيسان) القادم، ليحسم هذا الجدل نهائيًّا الرئيس بوتفليقة باستدعائه الهيئة الناخبة الأسبوع الماضي وإعلان إقامة الانتخابات الرئاسيّة في موعدها المحدّد.

ولعل الجدل في الساحة السياسيّة قد بدأ منذ استبعاد رئيس البرلمان سعيد بوحجة بطريقة مثيرة للجدل، وذلك بعد رفضه الاستقالة إثر ضغوط من نوّاب البرلمان وقيادته الحزبيّة (جبهة التحرير الوطنيّ)، ليلجأ النوّاب إلى مقاطعة الجلسات ثم التصعيد من خلال غلق أبواب البرلمان بالسلاسل احتجاجًا على بوحجّة ولدفعه نحو الاستقالة، الأمر الذي رفضه تمامًا، لتتمّ إزاحته بطريقة وُصفت بغير الدستوريّة بعد أن اجتمعت اللجنة القانونيّة للبرلمان وأعلنت شغور المنصب، ثم التصويت على رئيس جديد للبرلمان، متمثّلاً في شخص مُعاذ بوشارب.

النائب الشاب الذي لم يتجاوز 48 سنة انتقل بسُرعة البرق من مجرّد نائب برلمانيّ عن حزب جبهة التحرير الوطني؛ إلى رئيس للبرلمان ثم جرى تنصيبه على رأس الحزب بعد الاستقالة الغامضة والمفاجئة للأمين العام السابق جمال ولد عبّاس.

4 يتنافسون على صندوق.. إليك أبرز المتنافسين على خلافة بوتفليقة

ملف تأجيل الانتخابات.. هل تعرّضت الطبقة السياسيّة لخُدعة من طرف النظام الحاكم؟

شهدت السنة السنة السابقة للانتخابات صيفًا ساخنًا أيضًا في أروقة الجيش الجزائريّ، تمثّل في إسقاط عدّة رؤوس في أعلى هرم القيادة العسكريّة، إذ جرت إقالة أربعة قادة نواحي من أصل خمسة، وإدخال مجموعة منهم السجن ثم إخراجهم بطريقة وُصفت بالغامضة، بالإضافة إلى إقالة كلّ من رئيس جهاز الشرطة ورئيس جهاز الدرك. كل هذه التحرّكات غير الاعتياديّة داخل النظام زادت من الغموض حول المستقبل السياسيّ للرئيس بوتفليقة، خصوصًا بعد إقالة الأمين العام للحزب الحاكم الذي كان من أشدّ المناصرين للعهدة الخامسة للرئيس بوتفليقة، ليجري استبداله بمُعاذ بوشارب، الذي بدأ منصِبه بإعطاء تصريحات غير حاسمة حول ترشّح بوتفليقة من عدمه.

ومع اقتراب شهر يناير (كانون الثاني) الذي من المفترض أن يستعد خلاله بوتفليقة الهيئة الناخبة ويُعلن فيه رسميًّا موعد إجراء الانتخابات؛ كان مصير الرئاسيّات يزداد غموضًا كل يوم، إذ انشغلت المُعارضة بالحديث عن احتماليّة تأجيل الانتخابات، وهي المعلومات التي غذّتها السلطة من خلال السكوت عنها تارة، أو الإشهار لها من خلال وسائل إعلامها تارة أخرى، وإعطاء إشارات متضاربة من طرف مسؤولين يُحسبون على السلطة.

وبسبب غياب الوضوح حول مصير الرئاسيّات، انشغلت المعارضة السياسيّة طوال الشهور الماضية بالحديث عن مشروع التأجيل، وأحجمت عن أي مناقشة للرئاسيّات أو لسُبُل التنسيق بينها، أو عرض مشاريع لقطع الطريق على العهدة الخامسة، ما عدا بعض المبادرات السياسيّة التي ضغطت ضد ترشّح بوتفليقة لعُهدة خامسة، من بينها حركة مواطنة.

لكن مشروعًا كهذا كان يحتاج إلى تبني المعارضة لإعطائه شرعيّة وجديّة، وهو ما عملت السلطة على ضمانه؛ من خلال دفع الإسلاميين ممثّلين في حزب «حركة مجتمع السلم» إلى الواجهة، عبر لقاء جرى بين رئيسها وبين شقيق الرئيس ومستشاره، سعيد بوتفليقة، الذي أكّد لممثّلي الحركة أن أُسرة الرئيس لا ترغب في التمديد له على رأس السلطة، وهو ما أعطى فرضية تأجيل الانتخابات دفعة جديدة.
وقد صرّح رئيس «حركة مجتمع السلم» عبدالرزاق مقري بأنّه التقى شقيق الرئيس ومستشاره الشخصي سعيد بوتفليقة، والذي يُعدّ عند الكثيرين «الرئيس الفعليّ» في المرحلة الحاليّة خصوصًا بعد تدهور صحّة شقيقه، وتناقشا في قضيّة تأجيل الانتخابات الرئاسيّة، وصرّح مقري بأنّ عائلة الرئيس لا تريده له الترشّح لعُهدة خامسة بسبب تدهور صحّته، وبالتالي تبحث له عن مخرج مشرّف من خلال تأجيل الانتخابات الرئاسيّة، كما أشارت وثيقة داخليّة للحركة سُرّبت للصحافة.

Embed from Getty Images

الرئيس بوتفليقة رفقة الوزير الأول الإيطالي السابق بليسكوني

مع دعوة «حركة مجتمع السلم» السُلطة إلى تأجيل الانتخابات، عرضت مُبادرتها المسمّاة بـ«مبادرة التوافق الوطني» من أجل الاتفاق على مرشّح مرحلة ما بعد بوتفليقة، بشرط إجراء إصلاحات سياسيّة، ودخلت على خطّ هذا المشروع الأحزاب القريبة من السلطة، إذ دعا حزب «تجمّع أمل الجزائر» الذي يرأسه الوزير السابق والمقرّب من السُلطة عمّار غول إلى إقامة «ندوة إجماع وطنيّ»، وقد صرّح حينها بأنّ هذه الندوة «أولى من الرئاسيّات» وهو ما فُهم حينها بأنّه موافقة للسُلطة على تأجيل الانتخابات.

وقد نشرت صُحُف وطنيّة في 22 ديسمبر (كانون الأوّل) خبر حدوث اجتماع عالي المستوى بقيادة الرئيس بوتفليقة، وحضره قائد أركان الجيش قايد صالح، بالإضافة إلى الوزير الأوّل أويحيى وعدّة وزراء، من أجل الإعداد لما سمّته «ندوة الإجماع الوطني»، التي كان قد دعا إليها رئيس حزب «تاج» عمّار غول، وبالتالي تأجيل الانتخابات، إلاّ أنّ السلطة لم تواصل في هذا الاتّجاه، ممّا قد يُعطي إشارة إلى أنّ الفكرة لم تكن في الأصل تحظى بالجديّة اللازمة، أو أنّها كانت مجرّد مناورة من مناورات النظام من أجل ربح المزيد من الوقت، وإشغال الطبقة السياسيّة وإضفاء الغموض والترقّب حول مصير الرئاسيّات.
وبعد إعلان الرئيس استدعاء الهيئة الناخبة وتأكّد إقامة الانتخابات في موعدها المحدّد في أبريل القادم تساءل كثيرون: ماذا عن الأخبار التي راجت عن تأجيل الانتخابات؟ وماذا عن ندوة الإجماع الوطني؟ هل كان كلّ ذلك مجرّد حيلة من طرف النظام لإشغال الطبقة السياسيّة وتشتيت الانتباه عن العُهدة الخامسة؟

وعن جديّة مشروع تأجيل الانتخابات، يعلّق محمّد أمين إسماعيل، المدوّن المهتمّ بالشأن السياسيّ لـ«ساسة بوست» بالقول إنّ اللعبة السياسية «يتحكم بها النظام، لا أراه تخبّطًا، بل وسيلة لتشتيت المعارضة بإلهائها عن الاتحاد وتقديم مرشح توافقي، وبرنامج قد يلتف عليه الجزء المستقيل من الشعب لمواجهة مرشح السلطة».

تحضر الصورة ويغيب الأصل.. كيف تسبب المناسبات الوطنية الجزائرية الحرج لبوتفليقة؟

سيناريو 2014 يتكرّر.. صراع عُصب وتضارب في التصريحات

ويمكن القول بأنه وبرغم الوضع الصحيّ الحرج للرئيس بوتفليقة، إلاّ أنّ نظامه نجح في التلاعب بالساحة السياسيّة وإبقاء الترقّب على أشدّه فيما يخصّ الانتخابات، إذ يبقى بوتفليقة رغم مرضه، وقراره بالترشح من عدمه هو العامل المحدّد في أبريل القادم، خصوصًا مع تفرّق المعارضة وعجزها عن طرح بديل حقيقيّ يحظى بظهير شعبيّ يستطيع منافسة الرئيس المريض.

Embed from Getty Images

بوتفليقة أثناء تأديته اليمين الدستورية سنة 2014

ورغم بوادر اتحاد المعارضة وتنسيقها بين مختلف مكوّناتها الحزبية والأيديولوجيّة، كما ظهر ذلك جليًّا في ندوتيْ مازفران اللتيْن نجحتا في جمع عدّة أقطاب للمعارضة والمجتمع المدني، والاتفاق على ورقة تدعو للانتقال الديموقراطي، إلاّ أنّها فشلت في تحويل هذا الاتفاق إلى مشروع حقيقي على الأرض للدفع بمرشّح موحّد لمنافسة بوتفليقة، خصوصًا بسبب الارتباك الشديد والانقسام الذي حصل بعد بروز ملفّ تأجيل الانتخابات، وبالتالي فقد نجح النظام السياسيّ في إرباك أوراق المعارضة وشقّ صفوفها، سواء أكان جادًّا في فكرته لتأجيل الانتخابات أم لا.

هذا الارتباك الذي وقع بسبب غموض مصير الانتخابات يذكّر بسيناريو انتخابات الرئاسة سنة 2014، فقبل أسابيع قليلة من إجراء الانتخابات الرئاسيّة في 2014، أطلق الأمين العام السابق لجبهة التحرير الوطني عمّار سعداني تصريحاته العاصفة التي صدمت الرأي العام ضد الجنرال توفيق، فرئيس المخابرات الأسبق كان يوصف بـ«صانع الرؤساء» والحاكم الفعلي للجزائر ولم تكن حتى صورته أو أخباره مسموحًا بتداولها في الإعلام، وقد اتّهمه سعداني حينها بالفشل في حماية الرئيس الراحل محمد بوضياف وطالبه بالاستقالة «بعد كلّ هذا الفشل». وقد أحدثت هذه التصريحات حينها عاصفة سياسيّة باعتبارها الأولى من نوعها لمسؤول في النظام ضدّ الشخصية الأمنيّة المخشيّة حينها المتمثّلة في الجنرال محمد مدين.

وكانت الرئاسة على إثر هذه التصريحات قد أصدرت بيانًا فُهم منه الاعتراض على تصريحات سعداني، إلاّ أنّ المراقبين قالوا بأنّ سعداني كان قد لعب دورًا مهمًّا في التمهيد لإقالة الجنرال توفيق بعد سنة واحدة من تصريحاته العاصفة تلك. وعلى هذه النقطة يعلّق المدوّن محمد أمين إسماعيل، بالقول: «هو إعادة نفس سيناريو العهدة الرابعة، بحذافيره، وللأسف سقطت كل أطياف المعارضة في نفس الفخ».

موازنة 2019.. هل يدخل بوتفليقة إلى العهدة الخامسة من بوابة الاقتصاد؟

وإلى وقت كتابة هذه السطور، لم يُعلن الرئيس بوتفليقة عن ترشّحه من عدمه، ولكن بينما تعيش الساحة السياسيّة غموضًا حول مصير الرئاسيّات ومدى رغبة بوتفليقة للترشّح لعهدة جديدة، كانت السلطات توزّع على مئات المواطنين مفاتيح السكنات الاجتماعية بالإضافة إلى صورة للرئيس بوتفليقة لتذكيرهم بـ«صاحب الفضل» في حصولهم على هذه السكنات، كما كان التلفزيون الوطنيّ لا يملّ من بثّ ما يعتبرها إنجازات للرئيس بوتفليقة طوال سنوات حكمه منذ سنة 1999، الأمر الذي اعتبره البعض حملةً انتخابيّة قبل الوقت.

وحول حظوظ بوتفليقة في الفوز بعُهدة خامسة، يقول محمد أمين إسماعيل: «علميًا في أي تجربة لو أعدنا نفس المعطيات سنحصل على نفس  النتائج ، فبوتفليقة كان مريضًا في 2014 وفاز بالانتخابات، وبهذا فإن العهدة الخامسة تبدو أمرًا محسومًا».

المصادر

تحميل المزيد