في العاصمة التركيّة أنقرة، ضريحٌ ضخم كبير، يحوي في داخله الرجل الذي صعدَ نجمه وهو شاب مُفعم بالقوّة والحيوية ليكسر «دولة الخلافة العثمانية»، التي كانت أرضها تهتزّ من تحتها في مركزها إسطنبول وفي أراضيها البعيدة عن المركز. إنه مصطفى كمال أتاتورك، مُؤسس الجمهورية التركية ومُدشن العلمانية الصلبة التي لا توجد علمانية مشابهة لها فهي تعمل من خلال مؤسسات غير ديمقراطية وتحميها قوّة الجيش، فما الذي لا نعرفه عن «رمز» أتاتورك وعن العلمانية التركية؟ وما الجوانب التي لم تُعرض عنهما؟

جنود أمام ضريح أتاتورك التذكاري في العاصمة التركيّة أنقرة.

«أتاتورك» وعلمانيته في السياق التاريخي

من القوميّة العثمانية إلى القوميّة التركيّة

على غير الشائع من أنّ الأتاتوركية نهلت أفكارها بشكل كامل اقتداءً بالـ«غرب»، نطرح هنا جذورًا أعمق من هذه الجذور، ونبدأ بما خلّفته الدولة العثمانية لأتاتورك ونخبته.

عندما ضعفت الدولة العثمانية بدأت الدول الأوروبية بالتدخّل في شؤونها الداخلية، وكما نسمع اليوم من الدول القويّة حججًا مثل «حماية الأقليات الدينية» أو «حماية المسيحيين في الشرق الأوسط»، و«حماية مسيحيي العالم الإسلامي»، كانَ العثمانيون يستمعون للحجج ذاتها والأسباب ذاتها لتبرير التدخلات الأوروبية في الجسد العثمانيّ.

تلقّت الولايات العثمانية غير المسلمة والأوروبية إعانةً ودعمًا من الدول الأوروبية، وأحيانًا تدخلًا مباشرًا من تلك الدول لحلّ نزاعات الولايات؛ سياسة الدعم هذه كانت جزءًا من استراتيجية يُسمّيها المؤرخ اللبناني-البريطاني الشهير ألبرت حوراني بـ«تفتيت المناطق الحدودية». دعمت أوروبا الحركات القومية الناشئة التي تسعى للاستقلال، ومن نتائج هذا الدعم استقلالُ المنطقة البلغارية بأكملها عن الدولة العثمانية في 1878، وقبلها استقلّت صربيا – بدعم أوروبي – عام 1830 بعد محاولات استمرت لأكثر من 20 عامًا.

في حين استمرّ استقلال مناطق أوروبية عن الدولة العثمانية، كانت جيوش أوروبا تغزو معظم العالم العربي، وكانت بداية الاستعمار في الجزائر على يد الفرنسيين عام 1830، مع استقلال عدد كبير من الدول والأقاليم التي كانت تابعة للخلافة، ومع وقوع عدد أكبر تحت طائلة الاستعمار الغربي، صارت الدولة العثمانية مُحددةً بالمسلمين الأتراك بشكل رئيسي، ثم قلّة من العرب في بلاد الشام ومصر (التي حكمها محمد عليّ في هذه الفترة وبدأت تستقلّ في قرارها)، أما الخليج العربي فقد بدأت أسره تسعى للاستقلال أو تتعاون مع الاستعمار البريطاني، واستطاعت بريطانيا – وفقًا لحوراني – أن تُوقّع اتفاقيات رسمية تُخوّلها لإدارة الشؤون الخارجية لدول الخليج العربي.

في هذه الظروف برزت دعوةٌ لفكرة «المواطنة» لجميع رعايا الدولة العثمانية، المسلمين وغير المسلمين جميعًا، مواطنون في دولة واحدة، كلهم يُشكّلون «الأمة العثمانية» ويحق لهم انتخاب مجلس برلماني يمثّلهم، برزت هذه الفكرة كحلّ مقترح للتشظي المُتوسع والمتجدد الذي تعيشه الدولة العثمانيّة، ولكن الفكرة لم تنجح لتأخرها ولأسباب أخرى، فاجتمع مع فشلها نجاحُ القوميّات الأخرى بالاستقلال والصعود، فكانت هذه الأسباب دافعة لأفكار القوميّة التركيّة؛ أمّة من عرق واحد، تتحدث لغةً واحدة على أرض واحدة، في ذلك الحين بدأ تبلور الأفكار القوميّة التركيّة، وعزّز كل ذلك شعور العثمانيين بالضعف لهيمنة الأوروبيين على طرق التجارة المختلفة ولقوتهم العسكرية التي تفوّقت بشكل بارز وملحوظ في منتصف القرن الثامن عشر، ولعلّ هذا الضعف هو الذي دفع ببدء الإصلاحات عام 1820، فتم إنشاء جيش جديد يتدرّب وفق القواعد الأوروبية ويلبسُ الثياب الأوروبية.

جنود من فرقة المشاة من الجيش العثماني في الحرب العالميّة الأولى.

العلمانية المتطرّفة يدًا بيد مع القوميّة

في كتاب «العلمانية وسياسات الدولة تجاه الدين: الولايات المتحدة، فرنسا، تركيا»، لمؤلفه الباحث التركي أحمد ت. كورو، يُشير كورو إلى أن نشوء الأفكار القوميّة التركيّة بدأ مع نشوء الأفكار العلمانية الحازمة، ويرى أن من أسباب تطرف النموذج العلماني التركي نشوءه في محيط جغرافي كانت تحكمه مؤسسة سياسية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمؤسسة الدينية، ولأن المؤسسة الدينية كانت مُنخرطة في شبكات من المصالح المختلفة مع أطراف المجتمع المختلفة السياسيّ منها والاقتصادي.

وبالطبع، واجهت العلمانية الكماليّة تحديًا من الدين «الرسمي» وغير الرسمي، لأنها تُهدد وجود الدين ولا تؤمّن له مساحة للتحرك، ثم لأنها علمانية تسعى لبناء دولة تكون سلطةُ الدين فيها صفرًا تمامًا، لهذه الأسباب ولأن الدين مكوّن أساسي للصورة القديمة للدولة العثمانية، كانَ النموذج العلماني التركي إقصائيًا في تعاطيه مع أيّ توجه آخر، مسلم أم غير مسلم، ولكنه في الوقت ذاته حملَ مزيجًا غريبًا لا يسهل فهمه.

لشرح ما نقصد سنعتمد على تونا كويويوجو، أستاذ علم الاجتماع في جامعة البوسفور في إسطنبول، الذي نشر عام 2005 ورقة بحثية تتحدث عن عدم تجانس مكونات المجتمع التركي، ويبحث عن أسباب ذلك في القومية التركيّة، ويتخذ حالةً لبحثه، حادثةَ الشغب العام في إسطنبول التي حصلت عام 1955، وتشتهر بالتركية باسم «أحداث سبتمبر (أيلول)».

كانت تلك الأحداث موجهة بشكل خاص نحو اليونانيين ومتاجرهم ومدارسهم وكنائسهم وحتى مقابرهم. سببُ الأزمة كان خبرًا عن تفجيرٍ حدث في البيت الذي وُلد فيه أتاتورك في اليونان، وقد سبّب الخبر غضبًا عارمًا دفع بالأتراك إلى هجوم حاد على كل وأي شيء يوناني. عند النظر في السياق التاريخي لهذه الأزمة، يظهر أن أزمة سياسية كانت بين تركيا واليونان، تحوّل بعدها اليونانيون في تركيا إلى مجرد ورقة للضغط السياسي على اليونان. حاول كويويوجو أن يُفسّر ما حدث بالعودة إلى مرحلة تأسيس الدولة التركيّة وأفكارها القومية الحديثة، ووفقًا لتحليله لها يرى أنّ القوميّة التركية قوميّة عرقية-دينية، بمعنى أنها تتكوّن من عرق واحد ولغة واحدة وديانة واحدة (أضاف باحث تركي آخر المذهب الحنفي كصفة من صفات القومية التركية)، وأيّ إنسان خارج هذه الدوائر الضيقة يُعتبر من «الآخرين» و«الأعداء المحتملين» للقوميّة التركيّة.

تتميز العلمانية الأمريكية عن التركية والفرنسية بأنها علمانية هادئة، أو كما يسميها كورو بـ«العلمانية السلبيّة»، أي التي لا تُعادي الدين بشكل أساسي ولا تمنعه من الظهور في الحياة العامّة وفي الأماكن العامة والرسمية، أما التركية والفرنسية فعلمانيتها هي «العلمانية الحازمة»، التي تُناهض الدين وترفض أي ظهور للدين في الفضاء العام، وتسعى لحصره في الحياة الخاصة للناس، ولكنّ هذه العلمانية تتعدى حتى الحدود الخاصة أحيانًا.

هل نموذج العلمانية الحازمة ذلك الذي نشأ مع أتاتورك يُشبه نموذجًا من نماذج الجهاديين السلفيين في أفغانستان الذين سَعوا لإلزام الناس بصلاة الجماعة في المسجد وألزموا النساء بالحجاب، إذ إنّ كلّ واحد من النموذجين يحمل في داخله مُحاولةً لفرض الأفكار والتصوّرات بالقوة والإكراه، لا بالإقناع أو التبني الذاتي للأفكار؟

الجوانب الخفية من «علمانية أتاتورك»

العلمانية الكمالية تؤمن بالقوة وبإقصاء الآخر؛ فهي تفرض ما تريد على أجساد المواطنين، فتمنع ارتداء الحجاب بالقوّة، وتُلزم النساء بخلع الحجاب اللباس التقليدي (الذي يُغطي كامل أو معظم الجسد) واستبدال فساتين وتنانير قصيرة به في الأماكن العامة، ويُحاكم ذوو السيّدات اللواتي لا يُنفذن هذه القوانين التي لم تُغيّر إلا في وقت متأخر، إذ كانت المرأة تُمنع من دخول مؤسسات الدولة والمؤسسات التعليمية إذا لم تلتزم بهذا النظام في اللباس.

كلّ شيء يتعلق بالدين إلزامي وإجباري، فكّر هُنا بالفرق بين العلمانية الكمالية والأيديولوجية التي يحملها «تنظيم الدولة الإسلامية – داعش»، إذ ما الفرق بين أن تجبر المرأة على خلع الحجاب أو على ارتدائه؟

الفرق بين العلمانية الفرنسية وشبيهتها التركية، أنّ الأولى وُجدت ديمقراطيًا وتعيش وتُنفّذ من خلال مؤسسات ديمقراطية يشارك فيها الناس، أما الكمالية، فقد وُلدت بالقوّة والإكراه، ولم تُوجد على أساس تشاركيّ ديمقراطي، وما يحميها ويصونها بشكل أساسي المؤسسة العسكرية وعلى رأسها الجيش الذي لم يفتأ يتدخل في الشؤون السياسية الداخلية للدولة بانقلابات عسكريّة عنيفة ومتوسطة، آخرها محاولة الانقلاب في يوليو (تمّوز) 2016.

منحت العلمانية الكمالية لنفسها ما لا تملكه علمانية أخرى في العالم، فهي «علمانية حازمة» إقصائية، تُعبّر بشكل صريح عن عدم وجود مكان لأي فكرة أخرى سواها في الفضاء العام وفي الدولة، وترتبط بشكل مباشر بمؤسسة القوّة الصلبة؛ الجيش.

اقرأ أيضًا: «التعذيب في تركيا».. حين وصلت «ديمقراطية السود» لأفق مسدود

ما لا تعرفه عن ذكورية النموذج العلماني لأتاتورك

لكن العلمانية الكمالية لا تقف عند هذا الحدّ، وتتعداه لما هو أبعد من ذلك في نظر العديد من المفكرين؛ حيث الذكورية والهيمنة على المرأة، واستعمالها واستغلال قضاياها لأغراض وحاجات سياسية، فعدا عن فعله بإجبار النساء على الخروج من نمط لباس إلى آخر، لتُمثّل المرأة ما يعتقد رجلٌ – مثل أتاتورك – أنه المُناسب والأفضل لها، فإن أتاتورك لديه رصيدٌ واسع في فرض تصوّر ما على المرأة التركية.

وقفنا ها هنا على ورقةٍ بحثية للدكتورة عائشة بارلا، أستاذة الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية في جامعة سابانجي في إسطنبول، بتركيا.

 

ترى بارلا أن أتاتورك سطا على الأفكار القوميّة لضياء كوك ألب، وأنه قام باستعمالها وتجسيدها بعد تشويهها. يُوصف كوك ألب بـ«أبي القوميّة التركيّة» لتنظيره المهم والأساسي للقومية التركية، وفي كتاباته تركيزٌ على الدور المفترض للمرأة في المجتمع التركي، بوصفها مُربيةً ومُتعلمة.

في حرب الاستقلال التركيّة (1919- 1922)، شاركت النساء التركيات في الحرب بأدوار عدّة، ممرضاتٍ وحاملاتٍ وناقلات للذخيرة، ومنهنّ من تحولن لمُقاتلات – كان عددهن أقلّ – هذه المشاركة النسائية في الحرب عزّزت من الحركة النسوية والحراك الحقوقي النسوي في تركيا، ودفعت بمطالبهن إلى الأمام وعلى رأس المطالب «حق المواطنة»، الذي يعني حقّ المساواة في التعامل والمساواة أمام القانون. من هذه النقطة تشرح بارلا كيف انطلق أتاتورك في لعبه على كلا الطرفين؛ المُحافظين وقوى المجتمع التقليدي، والنسويات والمتحررين.

عزّز أتاتورك صورة المرأة المتعلمة والمربية لدى كوك ألب، بالمزيد من التأكيد على فكرة الأمومة المرتبطة بالدولة التركية والقوميّة التركية، حيث بنى في خطاباته تصوّرًا عن المرأة على أن مكانها في المجتمع هو أن تكون أمًا، وما يُقدم لها من «تحرير» يُقدّم لكي «تخدم الدولة» و«تخدم القوميّة التركية» بشكل أفضل، ويُبعد في خطابه أيّ تصور مختلف للمرأة، كأن تكون ذات منصب أو شأن في المجال العام أو في الوظائف المختلفة.

في خطاب من خطاباته بدأ أتاتورك الحديث عن الأمومة باعتبارها «أعلى مهمة للمرأة، فإذا كان تعليم الأولاد والبنات يبدأ في الطفولة، تُصبح أهمية الأمومة واضحةً لنا.. لقد تعلمنا من أمهاتنا وقدّمنَّ أفضل ما لديهن»، ثم ينتقلُ هنا من حديثه عن الأطفال ذكورًا وإناثًا إلى الحديث عن بناء الدولة، ولكن مَن يبنيها؟ إنهم الرجال؛ الرجال وفقط كما يظهر من خطاب أتاتورك. يُتابع الرجل قائلًا: «نحتاج رجالًا ذوي فهم عميق، وأمهات المستقبل يجب أن يُعلّمن هؤلاء الرجال».

بعد انتهاء الحرب وعند شروع أتاتورك في تمرير قوانين وتشريعات تُعزز ما كان يقول إنه «تحرير» للمرأة، مثل خلع الحجاب، والمساواة في الميراث، واستبدال القانون المدني السويسري بقانون الأحوال المدنية الديني الذي يُؤخذ من الشريعة الإسلامية عام 1926. في أيّ قانون أو مسألة واجه أتاتورك فيها معارضة كان يتحجّج ويُدافع عما يريد بتذكير المُعترضين بدور المرأة في الحرب الذي يبدو أنهم يُقلّلون منه، ويؤكد أن المرأة على قدم المساواة مع الرجل في القوميّة التركيّة، وظلّ يمارس هذه الحجّة ضد مُعارضيه ومعارضي قوانينه التي قد تخدم سياساته في الواقع لا المرأة التركيّة، في نظر العديد من المفكرين.

تقول بارلا إن المجتمع النسوي التركي خُدع بالتشريعات المذكورة أعلاه، الحجاب والقانون المدني الحديث، وترى أن هذه التشريعات والقرارات لم تكن في جوهرها «تحريرية» للمرأة، وإنما تخدم أهدافًا أخرى لأتاتورك والنُخبة الكماليّة، وتعتقد بارلا أن هذه القرارات التي اعتُبرت تحريرًا للمرأة أجهضت الحراك النسوي لاحقًا وأضعفت من حقوق المرأة، وتستدلّ على ذلك بإلغاء حزب «Women’s People Party» عام 1934، وهو أول حزب في الجمهورية التركيّة الحديثة، ويظهر من اسمه أنه حزب يدعو إلى تعزيز حقوق المرأة و«تحريرها»، فلم يتم الاعتراف بشكل رسمي بالحزب ووُجهّت له انتقادات عنيفة من القيادة الكماليّة واتُهم بأنه «مُشتتٌ للجهود الوطنيّة» وغيرُ مناسب للظرف السياسي.

أما بالنسبة لكسب القاعدة الانتخابية والجماهيرية الواسعة التي كانت لا تؤمن إلا بالدور التقليدي للمرأة وأنها «لا تخرج من بيتها إلا للزواج أو لقبرها»، فإن أتاتورك أكْثَر في خطاباته من التأكيد على أهمية «العفة» و«الشرف» و«الأمومة»، وأن تكون المرأة التركية محمية ومصونة، مُدغدغًا بكلامه هذا مشاعر المُحافظين ومُطمئنًا لعامة الناس الذين شهدوا تحولات اجتماعية وسياسية كبيرة تركتهم يحاولون الحفاظ على ما تبقى لهم مما يؤمنون به.

وفقًا لبارلا، فإن أفكار أتاتورك رسّخت بشكل سلبي للـ«العيب والشرف ومفاهيم العفة والحياء»، وفي ضوء هذه المفاهيم وهذا الطرح لها، يُمكن أن تُفهم حالات الاغتصاب التي يُعتبر فيها أن الاعتداء على «الشرف» وعلى «الأسرة» لا على المرأة باعتبارها فردًا ذا كيان مستقلّ له حقوقه الخاصة.

أتاتورك أبًا لـ«العلمانية الداعشية»

لقد كان أتاتورك وما زال رمزًا يعني ويُشير دومًا إلى العلمانيّة التركية، وكان لأفكاره التي سعى لتطبيقها بالغ الأثر في المجتمع التركي ونخبته، وما زالت ترسّبات أفكاره حيّة في عقول العلمانيين الأتراك، وبعضهم ما زال يعيش بالعقل الذي عاش به أتاتورك مؤمنينَ بالعلمانية المُتفرّدة، والتي بشكل أو بآخر، صارت تُعامل على أنها دين جديد مُقدس، إلهه أتاتورك، الذي لا يمكن نقده – قانونيًا – ولا نقد أفكاره العلمانيّة.

كيف يمكن لأتاتورك أن يصير مُنتجًا لعلمانية داعشية إذًا؟

حسنًا، لنأخذ على سبيل المثال عالمة الاجتماع التركيّة «Nilüfer Göle، نيلوفر غولي»، وهي مُختصة بقضايا المرأة المسلمة المُعاصرة، ولها عدّة كتب عن المرأة في الإسلام. في ورقةٍ لها عن الإسلام في الفضاء العام تتحدث غولي عن أول نائبة تركيّة محجبة، مروة قاوقجي، التي مُنعت من دخول البرلمان وسُحبت منها الجنسية التركيّة بعد فوزها بالانتخابات البرلمانيّة مع حجابها.

فيديو للنائبة السابقة مروة قاوقجي، وتتحدث في الفيديو عن التصوّر العلمانيّ عن المرأة المُحجبة والذي يمتدّ أحيانًا ليصل إلى غير المحجبة أيضًا.

اعتبرت غولي أنّ ما فعلته قاوقجي هو تحدٍ صريح ومباشر للمبادئ الأساسية للدولة التركية، وأهمها الحفاظ على علمانية الفضاء العام للدولة، وتحدثت عن قاوقجي بلغة يصحُّ أن يقال عنها لغة اتهاميّة، إذ تتساءل غولي: كيف يمكن لها أن تكون مُحجبة وعضوًا في البرلمان؟ كيف يمكن لها أن تلبس الحجاب الذي يرمز إلى ما قبل الدولة التركية، ويرمز إلى التقليديين والخضوع للتقاليد والماضي وفي الوقت ذاته تتحدث لغةً سياسية لبقة وتتحدث لغة أخرى غير التركيّة؟

ثم غولي تساؤلاتها بنتيجة صادمة لم تتبع فيها القاعدة السوسيولوجية المشهورة «الأمور مركّبة أكثر مما نعتقد»، فقالت إن المعادلة صفريةٌ كالتالي: إما أن تكون مسلمًا وإما أن تكون حديثًا، لا يمكن أن تكون مسلمًا وحديثًا في الوقت نفسه، واعتبرت غولي أن قاوقجي مُسيئة للمرأة التقليدية (المسلمة)، ومُسيئة كذلك للمرأة الحديثة على حدّ سواء. إنه نمط من أنماط التكفير العلماني الشائع حتى الآن بين بعض أبناء النخبة في تركيا؛ «إذا كنتَ مسلمًا فأنت كافرٌ بالحياة الحديثة».

الفضاء العام هو المساحة العامة التي تتفاعل فيها أطراف المجتمع مع بعضها البعض لتناقش القضايا التي تهمّ المجتمع؛ الاجتماعية والسياسية وغيرها، وفي شرحها للفضاء العام في الدولة التركية، قالت غولي إنه بُني يدًا بيد مع العلمانية، وبذلك يكون مكانًا ومساحة لتطبيق وفرض العلمانية، ولذا لا مكان لأي رموز أو تعبيرات أو أفكار دينية فيه. يظهر الفضاء العام في تصوّر غولي كشيء جامد وثابت لا يتطوّر أو يتغيّر بتغيّر المجتمع وأفكاره، وفي حال تغيّرت أفكار المجتمع، من العلمانية إلى غيرها مثلًا، فهذا مساس بأساس الدولة التركيّة الحديثة في نظرها، وبالتالي فهو ممنوع. من الواضح في هذا التصوّر أن العلمانية لا تعني بالضرورة الديمقراطية، وأن العلمانية والديمقراطية لا تعنيان بالضرورة الليبرالية.

تركيا الآن: هل تتجه للعلمانية أم نحو مزيد من الأسلمة؟

يدور جدلٌ كبير حول ما إذا كان أردوغان قادرًا على أسلمة تركيا أم لا، وما إذا كان يسعى فعلًا لنزع ردائها العلمانيّ عنها.

لا يهمّ الجواب، المهم ما يحدث بالفعل، فقد شهدت تركيا في الأعوام الــ15 الماضية صعودًا قويًا للرموز الإسلامية و«للحياة الإسلامية» في المجتمع التركي، ففي البرلمان نواب محجبات، وزوجة الرئيس وسيّدات الحزب الحاكم مُحجبات، والمساجد والمراكز القرآنية مفتوحةٌ أبوابها على مصراعيها، بل وتُعرف بعض المناطق في إسطنبول بإسلاميّتها وأخرى بعلمانيّتها، كمنطقة «بيشكتاش» معقل القوميّة والعلمانية، و«الفاتح» معقل الإسلاميين والمُلتزمين بالأحكام الإسلامية.

وحين نتحدث عن الحجاب وغيره من «المظاهر» فهي أمرٌ مهم من ناحية الرؤية السيسيولوجية، لأنه وكما تقول غولي: «جسدُ الإنسان المسلم مساحةٌ لمقاومة العلمانيّة الحديثة».

في دولة علمانية كتركيا تُعامل فيها العلمانية على أنها عقيدة رمزها أتاتورك الذي تنتشر صوره – وأفكاره بالطبع – في كل ناحية من نواحي تركيا، يجب على الجيش حمايتها كما هو مطبق منذ القرن الماضي، تُصبح عملية إعادة تشكيل الدولة عملية صعبة، وأصعب منها إعادة تشكيل المجتمع الذي وُلد كثيرون منه في بيئة لا تعرف إلا العلمانية ودينًا مُنزويًا في المساحات الخاصة والبيوت.

لكن الوضع اختلف اليوم، ونشأ جيلٌ جديد يرى المُحجبات في منصات كبرى في الدولة، في الرئاسة والوزارات ثم البرلمانات، ولكن التغيير العميق ليس هنا، وإنما في المؤسسات الأخرى التي تعمل على إحداث نتائج تظهر في المدى البعيد، مثل مدارس «الأئمة والخطباء» وهي مدارس دينية تابعة للدولة، تلبس فيها الفتيات الملابس الإسلامية التي تغطي معظم أجزاء الجسد بالإضافة للحجاب، ويُحفّظ فيها الطلاب القرآن ويتعلمون الإسلام «بطريقة سليمة» كما يقول المُشرفون على هذه المدارس، ومهمتهم أن يكونوا دعاة لـ«الإسلام الصحيح». هذه المدارس تخلق جيلًا بلون جديد وأفكار جديدة تمامًا لم ينشأ أهلهم على وجودها في المجتمع.

أردوغان مع زوجته.

في عبارة ذكيّة، يُشير أحمد ت. كورو إلى تأثير العلمانية بقوله: «تشكّل الأيديولوجية المُهيمنة حتى مناوئيها، فعلى مرّ الزمن، تخلّى الإسلاميون في تركيا عن مقاومتهم ضد الدولة العلمانية، وبدؤوا بتأييد النموذج العلماني الصديق للدين (العلمانية السلبيّة) بدلًا من تأييد مؤسسة دينية»، ويبقى السؤال المهم هنا: هل يُمكن للإسلاميين أن يُؤثّروا بالمُقابل على بُنية وأفكار العلمانيّة والعلمانيين؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد