ميرهان فؤاد

43

ميرهان فؤاد

43

1,644

نشرت شبكة  CBS news خبراً اعتبره البعض صادماً، عن دولة أيسلندا التي يبلغ عدد سكانها 330.000 نسمة، ألا وهو اقترابها من عدد صفر مواليد من ذوي متلازمة داون، بالطبع لن يكون الأمر مصادفةً حتى مع انخفاض عدد المواليد، والذى بلغ 13.8 مولود لكل ألف نسمة، طبقاً لإحصائية عام 2016، إذن فما السبب؟

انتشرت فحوص ما قبل الولادة بشدة في العالم، أتاحت للناس أن «تلتقط وتختار» نوعية الأطفال التي ترغب قدومها إلى العالم، وعلى أثر ذلك انخفضت نسبة المواليد المصابة بمتلازمة داون، لأن عدداً من النساء يقررن إنهاء الحمل في حالة وجود احتمالية لولادة طفل داون، ويذكر أن معدل الإجهاض لأجنة داون  وصل في الولايات المتحدة 67% من عام« 1995 إلى عام 2011»، وفي فرنسا وصلت النسبة إلى 77% عام 2015، وفي الدنمارك وصلت إلى 98%، أما في المملكة المتحدة فتصل النسبة إلي 90%.

ليس في دول العالم الأول فقط، إنما في بلاد أكثر تحفظاً مثل باكستان تنتشر فيها أيضا هذه الفكرة. وتؤكد دراسة نُشرت في عام 2011 أنه لولا فحوص ما قبل الولادة والإجهاض، لولِد في الولايات المتحدة أكثر من 110.968 شخص يحملون متلازمة داون، وتبعا لمستشفى «لاندسبيتالي» وهي مستشفى  ولادة رئيسية في أيسلندا، فإن «80 أو 85» من الحوامل يلجأن لهذا الاختبار.

ما هي متلازمة داون؟

متلازمة داون هي عبارة عن خلل جيني، غير معلوم السبب، تحدث بنسبة 1 في كل 800، أو 1000 حالة ولادة، تصيب 6 مليون شخصاً في العالم، وهناك أكثر من 350 ألف شخصاً في الولايات المتحدة الأمريكية من ذوي متلازمة داون.

وصفها الطبيب البريطاني جون داون «1828-1896»، الذي نشر أول وصف للمتلازمة عام 1866، وفي عام 1959، وصف الطبيب الفرنسي جيروم لوجون المتلازمة بأنها حالة كروموسومية، فلاحظ وجود 47 كروموسوماً عند ذوي متلازمة داون، بدلاً من46 عند الإنسان العادي، وفي العام 2000  قام مجموعة من العلماء بتعريف 329 جين في الكروموسوم 21، هذه الاكتشافات فتحت باباً لأبحاث متقدمة عن متلازمة داون.

تنشأ المتلازمة من تكرار الكروموسوم 21، وعلى مدار خمسين عاماً من الأبحاث كان أمل إيجاد حل للمتلازمة صعباً للغاية، لأن المشكلة ليست في جين وحيد، وينتج عن الكروموسوم الزائد بعض الاختلافات الشكلية والذهنية، مثل ضعف العضلات، وبعض الصعوبة في التعلم، يتم التغلب عليها بالتدريبات، وبرامج تعليمية معينة، ورعاية خاصة.

يستطيع ذوي متلازمة داون الكلام، والمشي، والجلوس، لكن متأخراً عن الأطفال في مثل عمرهم، فمثلا يستطيع الطفل العادي المشي في سن 9-18 شهر، بينما لطفل داون من 12-48 شهر، ولكنهم يكونون عرضة لبعض الأمراض مثل  العدوى الجلدية، خاصة في أول خمس سنوات، وبعض أمراض القلب، وفي سن متقدمة يكونون عرضة للألزهايمر أكثر من نظائرهم العاديين.

ويوضح المعهد القومي لمتلازمة داون، أنهم قادرين على التعلم، والعمل، والتصويت في الانتخابات، والزواج وتكوين علاقات عادية في المجتمع مثل أي فرد«طبيعي»، ويصل معدل أعمارهم  الآن إلى 60 عام، بعد أن كان 25 عاما في 1983، ويشترك بعضم في الأوليمبيات الخاصة، ويسمون بالأطفال السعداء، لأنهم دائمي الابتسام، وفي المقابل تعترف بعض أمهات ذوي متلازمة داون بأن تربيتهم أصعب من الأطفال الطبيعية.

نحو عالم بلا متلازمة داون؟

نصل إلى مَتن القصة، كيف قاربت متلازمة داون  على الاختفاء من أيسلندا، ما حدث هو؛ أن أيسلندا التي تأتي في المرتبة الثانية عشرة كأقوي اقتصاد في العالم، أتاحت منذ بدايات عام 2000، الإجهاض للأمهات اللاتي يكتشفن في اختبارات جينية ما قبل الولادة، احتمالية ولادة طفل مصاب بتشوهات، وتدرج أيسلندا متلازمة داون تحت هذا البند، وذلك في أول 16 أسبوع من الحمل.

Embed from Getty Images

هناك شك في عدد النساء الأيسلنديات اللاتي اتخذت قرار الإجهاض لجنين داون، يقول البعض إنه يقترب من 100%، في حين تؤكد طبيبة أن النسبة أقل من ذلك، لأن الخبر الذي أذيع أهمل الأمهات اللاتي يرفضن إجراء اختبارات ماقبل الحمل.لكن أياً كان العدد لم يمنع ذلك الاتهامات التي طالت أيسلندا، بأنها تقتل الأطفال، ووصفت السياسية الأمريكية سارة بالين، وهي أم لطفل داون، الأمر بأنه مكروه وأشبه بهولوكوست للأجنة.

Down’s syndrome

السياسية الأمريكية البارزة  سارة بالين حملت في  طفل مصاب بمتلازمة داون

كما علّقت رئيسة المعهد القومي لمتلازمة داون، بأن المتلازمة ليست مرضاً، حتي يتم التخلص من أصحابه، فهم يستطيعون الاندماج في المجتمع كأي فرد عادي.

مسيرة تقنين الإجهاض في أيسلندا..خط زمني

قننت أيسلندا الإجهاض عام 1975، في أول 16 أسبوع من الحمل، بعد موافقة طبيبيّن، وفي مستشفيات معينة تحددها الدولة، وحددته بوجود خطر على صحة الأم الجسمية أو النفسية، أو بسبب عدم القدرة الاقتصادية، وأيضا بعد الاغتصاب.

في أبريل (نيسان) 2017 غيرت أيسلندا وصف الإجهاض في التشريع، من إنهاء حياة طفل، إلى انقطاع الحمل، تقنين الإجهاض يتبعه بالضرورة أن تلتزم الدولة بتوفير سبل ومستلزمات الاجهاض، وتوفير إمكانية الكشف الطبي للنساء قبل وبعد إنهاء الحمل، وإتاحة المعلومات الكاملة عن وسائل منع الحمل، وتعد نسبة الإجهاض في أيسلندا مرتفعة نسبياً، تصل إلى «174-253» من كل ألف حالة حمل.

هل تقتل أيسلندا الأطفال السعداء؟

ينبغي أن نسأل بدايةً هل تختلف مشروعية إجهاض طفل من ذوي داون، عن إجهاض طفل«طبيعي»؟ أم أن أيسلندا  وقعت في خطأ تمييز المواطنين تبعاً للمقدرة الجسمية؟ يُطرح هذا السؤال لاعتبارات أخلاقية وعاطفية، ولا مجال كبير للاعتبارات الدينية في مجتمع علماني مثل أيسلندا، ربما تُطرح أكثر في إحدى ولايات أمريكا المتحفظة.

إجهاض جنين داون، يحيل بالضرورة الأمر إلى مدى أخلاقية الإجهاض نفسه، وهل تأتي أهمية الجنين قبل الأم أم العكس؟

كانت النسويات الأوائل  ضد الإجهاض، ووصفته سوزان أنتوني، النسوية والمُصلحة الاجتماعية بأنه«قتل للطفل»، أما الناشطة النسوية  أليس بول فكانت ترى أن الإجهاض شكل من أشكال الاستغلال للمرأة، يتيح للرجل ممارسة الجنس بدون تحمل مسؤولية تبعاته.

ليست كل نسوية تؤيد الإجهاض بالضرورة، مازالت حتى الآن هناك نسويات ضد الإجهاض، ولكن يعملن على تحسين الظروف التي تقود النساء للإجهاض، بعضهم ضده من منطلق الحق في الحياة، وبعضهم يرى أن الإجهاض لا يجعل المرأة حرة، بل يجعل للمجتمع يداً على رغباتها، وحقوقها، وترى مؤسسة نسويات من أجل الحياة، أن للمرأة حق في التحكم في جسدها، بغض النظر عما تحمله في رحِمها.

أما بالنسبة لإجهاض جنين داون، فالأمر متأزم أكثر، يُطرح هذا السؤال مبدئياً في بلاد تقنن الإجهاض بالطبع، الرأي الذي يحبذ الإجهاض يمثله ريتشارد دوكينز   الذي يقول إن ولادة طفل معلوم مسبقاً أنه من ذوي المتلازمة، مع وجود إمكانية لاجهاضه أمر غير إنساني، فالأفضل للأم أن تُجهِض، وتحاول مرة أخرى، لكن الاختيار في النهاية يعود إليها.

أما جمعية متلازمة داون فتشتبك مع رأي دوكينز، وتؤكد أن ذوي داون يستطيعون الحياة بصورة طبيعية، وأنها لا تعتقد أن داون سبب  كافي لإجهاض الجنين.

ومع توفر كل الإمكانيات لفحوص ما قبل الولادة والإجهاض، مازال بعض الآباء يفضلون الإحتفاظ بالجنين مع معرفتهم المسبقة باحتمالية ولادة طفل داون.