2,770

لو لم تسمع بالقصة كاملة من قبل، سيكون فيلم «عماشة في الأدغال» واحدًا من أفلام السبعينات التجارية الضعيفة، فقد جمع معظم نجوم كوميديا الموقف في هذا الوقت، مع نجمين كبيرين هما: فؤاد المهندس، ومحمد رضا، مع الراقصتين: نجوى فؤاد، وسهير زكي، مع الشابة صفاء أبو السعود، أول من ارتدت ملابس بحر من قطعتين في السينما المصرية بهذا الفيلم، مع تصوير الفيلم في أوغندا، بين أحراش أفريقيا، ورغم كل هذا الاهتمام بالتميُّز مع مجموعة العمل، إلا أنَّ الفيلم بدا وكأن الممثلين يرددون سيناريو ورد إلى فكرهم توًا، فأصبح فيلمًا ضعيفًا فنيًّا تتكرر فيه الجملة نفسها كثيرًا، لا تحمل معنى، ولكن ربما تحمل دورًا تعرفه المخابرات المصرية.

عماشة عكاشة عماشة شعبان رمضان

على غرار الفيلم الأمريكي «Argo» استخدمت المخابرات المصرية فيلم «عماشة في الأدغال» لتنفيذ «مهمّة وطنية»، فكان الفيلم تغطية على مجموعة فدائيين ورجال مخابرات وضفادع بشرية لتفجير الحفَّار الإسرائيلي في أفريقيا، ورُويت قصَّة العملية في رواية «الحفَّار» للكاتب الراحل صالح مرسي، والتي تحولت إلى مسلسل بنفس الاسم من بطولة يوسف شعبان وهالة صدقي، وتدور أحداث الرواية حول العمل الذي نفَّذته المخابرات المصرية حين دمرت حفارًا للتنقيب عن البترول اشترته إسرائيل للحفر في سيناء، وانتشرت معلومات في الوسط السياسي والصحافي وقتئذ عن أن الفيلم الذي حكت الرواية عنه إن رجال المخابرات تنكَّروا داخل تصويره في أفريقيا باعتبارهم فنيّين وفنانين للتغطية علي العملية السرية كان هو فيلم «عماشة في الأدغال» حيث تطابق تاريخ تصويره مع تاريخ عملية تدمير الحفار، كما أن الفيلم كان مرتجلًا بدرجةٍ غريبة.

مثَّل الراحل محمد رضا دور عماشة عكاشة عماشة، وهو المعلِّم الجاهل، الذي لا يقرأ ولا يكتب، جسده سمين وعقله خفيف، يحاوطه صبيانه وتحدث بينهم مواقف كوميدية قائمة على غبائهم، ووزن محمد رضا وغبائه أيضًا، حتى يكتشف أنه «العماشة» الرابع عشر في عائلته، وأن جده الرحالة «عماشة الأول» ترك كنزًا في أفريقيا، تحت حراسة الرجال السود البواسل، ليتعرَّف محمد رضا على فؤاد المهندس «محروس بيه» عالم الآثار، ويقررا السفر بحثًا عن الكنز مع باقي الممثلين إلى أوغندا؛ لتستمر المواقف الكوميدية وسط الأحراش والحيوانات المفترسة، ثم يقع المعلم عماشة في حب صفاء أبو السعود مساعدة فؤاد المهندس في مهمته، حتى يصل عماشة ومحروس إلى الكنز، لكنهما يقومان بإهدائه إلى شعب أوغندا، ويرقص الجميع داخل الطائرة العائدة إلى القاهرة، كل هذا وسط «هرتلة» من محمد رضا من عينة (كيفما كذلك ياربي غلبت فيه إن )، (ولماذا كذلك هكذا يا للعجب)، وهي اللغة التي وصفها البعض بالأب الروحي للغة «اللمبي».

قليلٌ من السياسة.. لماذا استخدمت المخابرات المصرية «عماشة»؟

بعد خسارة مصر في حرب 1967، واحتلال إسرائيل لسيناء، قررت إسرائيل التنقيب عن البترول فى سيناء باستخدام حفَّار هو الأحدث والأكبر فى العالم، ولم يكن أمام مصر حينها إلا استخدام الدبلوماسية في البداية تجنبًا للحرب، خاصة أن المخابرات المصرية لم تعرف اسم أو مكان الحفار بعد. وسَّطت الحكومة المصرية رئيسة وزراء الهند، أنديرا غاندى، والرئيس اليوغوسلافي، جوزيف تيتو، للتشاور مع الولايات المتحدة لإيقاف إسرائيل، وبعثت الحكومة المصرية رسائل احتجاج إلى كندا وبريطانيا بوسائل غير رسمية، وسرَّبت هذه المعلومات إلى الصحف الكبري، لكن لم تنجح مساعي مصر الدبلوماسية؛ ما دفع الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر للعدول عن الخيارات السلمية، وقرر ضرب الحفار، وكلف رئيس المخابرات العامة وقتئذ أمين هويدي بمعرفة مكان الحفار لضربه بالطيران قبل وصوله، ثم بدأت رحلة البحث عن الحفار.

نشرت المخابرات المصرية أشخاصًا في مختلف موانئ العالم؛ لرصد أيّ حفَّار والإبلاغ عنه، حتى عُثر عليه بعد 10 أيام فى بحيرة على الحدود الشرقية بين كندا والولايات المتحدة الأمريكية، فكان «كيتنج» هو اسم الحفار الكندي الذى أنتجته شركة «كناديان بتروليم» واستأجرته شركة أمريكية مشتركة سجَّلت نفسها فى مدينة دنفر عاصمة ولاية كلورادو الأمريكية، وكان لدى الشركة فرع في بريطانيا، أما القاطرة التي كانت تجر الحفار، فكانت هولندية اسمها «جاكوب فون ليمز ايرو»؛ ما عنى للمخابرات المصرية أن ضرب الحفار لن يُغضب إسرائيل فقط، بل سيغضب كل هذه الدول، لكنها لم تتراجع عن قرار الرئيس.

مرحلة التخطيط للعملية

تم تكليف ضابط المخابرات المصرية محمد نسيم – الذي درَّب جاسوس المخابرات العامة المصرية الشهير رفعت الجمال – بمهمة تتبع حركة الحفار من بحيرة «إيري» الكندية إلى المحيط الأطلنطى، حتى دخل الحفار إلى ميناء «بونتا دالجادا» البرتغالي في جزيرة سان ميجيل، والتي تبعد حوالي 1100 كيلومتر عن لشبونة فى قلب المحيط الأطلنطي على الحدود الأفريقية، وهناك قرر نسيم ضرب الحفار، فقرر انتقاء الضفادع البشرية التي ستتولَّى تنفيذ المهمة التي خطط لها، فسافر إلى مركز القوات البحرية بالإسكندرية بعد ثلاثة أشهر فقط من تنفيذ عملية إيلات، واختار ثمانية من أفضل رجال البحرية المصرية منهم من شاركوا في عملية إيلات.

عندما وصل الحفار إلى ميناء داكار، أصبحت العملية جاهزة للتنفيذ، واعتبر نسيم أن السنغال هي البلد الأنسب لتنفيذ العملية خاصة لكثرة المهاجرين بها، ولكن بعد وصوله السنغال وبدأ الاستعداد للتنفيذ، ومعرفة مكان رسو الحفَّار، والذى كان بجوار قاعدة بحرية فرنسية؛ مما يصعِّب من مهمة نسيم ورجال البحرية، ووضع خطة للانقضاض والانسحاب، لم تنفَّذ فى داكار، حيث غادر الحفار رصيف الميناء بشكلٍ مفاجئ قبل تسع ساعات من وصول الضفادع البشرية، دون معرفة سبب المغادرة بهذه السرعة قبل أن يستكمل إجراءات الصيانة الضرورية.

وصل الحفَّار فى مارس (آذار) 1968 إلى «أبيدجان» فى ساحل العاج، وسافر محمد نسيم إلى فرنسا، ومنها إلى ساحل العاج، واكتشف أثناء دراسته للمكان من طائرته أن هناك منطقة غابات كثيفة مطلة على الميناء تصلح مكانًا للاختفاء، خاصة أنها تبعد عن الحفار بكيلومتر واحد، واكتشف نسيم فور وصوله حالة من التجهيز لمهرجان ضخم لاستقبال رواد الفضاء الأمريكان الذين يزورون أفريقيا لأول مرة، فأرسل على الفور يستدعي مجموعة الضفادع البشرية التي اختارها منذ أشهر لاستغلال حالة الانشغال هذه، وبدأ تنفيذ عملية التمويه.

فريق فيلم «عماشة» يفجِّر الحفّار وينهي العملية

استدعى نسيم أفراد البحرية، والضفادع البشرية، والمخابرات الذين دربهم لشهور في القاهرة، ومنحهم أسماء جديدة، والتي تمَّ اختيارها لهم لتنفيذ المهمة، وتسليمهم هويات سفرهم المزيفة بصفتهم فريق عمل لفيلم سينمائي مصري اسمه «عماشة في الأدغال»، حتى يتمكنوا من تخبئة أربعة ألغام، وستة متفجرات معهم، إلى جانب بعض المعدات وملابس الغوص من القاهرة، في معدات التصوير وقطع الديكور وملابس الممثلين الذين لم يكن الشك فيهم ممكنًا منن كوميديانيين وراقصات.

محمد رضا، أو عماشة، بعد وصوله للكنز في أحداث الفيلم.

وصلت مجموعة الضفادع البشرية المصرية المكونة من ثمانية ضباط، مع فريق عمل الفيلم، وانتقل نصفهم لمكان تنفيذ العملية في أبيدجان على أن يلحق بهم البقية دون إثارة الشك فيهم، ولكن لم تنتظر المجموعة وصول باقي الأفراد خوفًا من تحرك الحفار مجددًا قبل تنفيذ العملية، خاصة أنه حصل نسيم على معلومة من مصدره الخاص أن الحفار سيغادر المدينة صباح اليوم التالي، فاقترح تنفيذ المهمة في فجر ذات الليلة، بينما الأجهزة الأمنية كلها منشغلة بمراسم احتفال وتأمين رائد الفضاء الأمريكي آلان شبرد.

تسلل أفراد الضفادع البشرية في الفجر إلى موقع الحفار، وتطلَّب النقص العددي أن يقوم كل فرد من العملية بحمل لغمين، بدلًا عن لغمٍ واحد، ووضعوا كل المتفجرات في أماكنها خلال ساعة واحدة، وعند السابعة صباحًا تم تفجيرها، ثم أشرف نسيم على ترحيلهم بعد إتمام المهمة خارج البلد، وبعد الانتهاء من تنفيذ المهمة أرسل نسيم برقية إلى الرئيس جمال عبد الناصر كتب فيها: «مبروك» فرد عبد الناصر: «أحييك على الشجاعة.. تلك الشجاعة العاقلة».

تمَّت العملية.. فأين ذهب الفيلم؟

نجح فيلم «عماشة في الأدغال» بمفهوم السوق؛ فقد كان أول فيلم تصل إيراداته إلى ألف جنيه مصري في اليوم الواحد، ولكن اليوم أصبح الفيلم «الفيلم النادر»؛ فبعد أن تزوجت الفنانة صفاء أبو السعود من صالح كامل رجل الأعمال السعودي والمستثمر بمجال الإعلام، صمم على شراء نيجاتيف فيلم «عماشة في الأدغال» بمبلغ وصل إلى 50 ألف دولار، ومنعه تمامًا من العرض؛ بسبب ملابس صفاء، والمايوه الذي ارتدته في أحداث الفيلم، وحتى الآن لم يظهر الفيلم على شاشة التليفزيون، ولكنه متاح منه نسخ مسروقة على «يوتيوب»، على أنه فيلم ساخن.