مرت السودان في الفترة التالية لسقوط الرئيس السابق عُمر البشير بأكثر من محاولة انقلاب عسكري استهدفت الإطاحة بالقادة الحاليين، والصعود للحُكم بديلًا لهم، في مؤشر على تباين الولاءات داخل المؤسسة العسكرية. آخر محاولة انقلاب عسكري وقعت في السودان، كانت قبل أيام بواسطة رئيس أركان الجيش الفريق هاشم عبد المطلب، مع بعض قادة أفرع الجيش، قبل أن تنكشف في الساعات الأخيرة، وتنتهي مصائر مُنفذيها للسجن.

في التقرير التالي، نحاول تبين حقائق هذه المحاولات، وما هي أسباب انكشاف تفاصيل محاولة وحيدة دون غيرها، وكيف ساهمت في ارتفاع نفوذ قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي.

على عكس المعارضة.. كيف ينظم عسكر السودان صفوفهم ضد الثورة؟

محاولات الانقلاب العسكري.. وسائل واهية لترسيخ سلطة المجلس العسكري

بعد الإطاحة بالرئيس السابق عُمر البشير بعد انتفاضة شعبية اندلعت في ديسمبر (كانون الأول)، وبلغت ذروتها في الحادي عشر من أبريل (نيسان) الماضي، وصولًا إلى يومنا هذا، وقعت نحو خمسة انقلابات عسكرية فاشلة، سعت للإطاحة بالسلطة المُتمثلة في المجلس العسكري الحاكم، وفقًا للبيانات الرسمية.

خلافًا للمحاولتين الأخيرتين، اللتين انكشف قادتها وأُعلن عنهم؛ ظلت المحاولات الباقية مجهولة، غير معروفة مصائر قادتها، أو أسماؤهم، وظل مصدرها الوحيد هو المجلس العسكري الحاكم، عبر مصادر إعلامية مقربة منه.

بعض قادة المجلس العسكري في مؤتمر صحفي

حول هذه المحاولات التي بقيت مجهولة، يقول مصدر سوداني مُقرب من عدد من قادة الأفرع الرئيسية بالقوات المُسلحة، في اتصال هاتفي عبر أحد برامج الاتصال الحديث، لـ«ساسة بوست» إنه: «من المستبعد جدًا أن تكون هناك محاولات انقلاب عسكري بهذا الشكل في السودان، لسبب بسيط يقول إن الانقلابات في العادة لا تتم في بلد أجهزته الأمنية في وضع استنفار منذ 11 أبريل (نيسان)، بل تتم في أجواء الغفلة والهدوء لضمان نجاحها».

ويُضيف المصدر، الذي يتحفظ على ذكر هويته، لأسباب أمنية أن: «ما أُعلن حول المحاولات الأولى لا يصدقه عقل، والتي أشارت، وفقًا لعدد من قادة المجلس، بوجود ثمانية ضباط في الخدمة وأربعة في المعاش حاولوا الاستيلاء على السلطة لا سيما أن ابنة أحد الضباط الذين قبض عليهم، قالت إن والدها ضابط بالمعاش وقبض عليه في المطار لأنه كان ينوي السفر إلى دولة اخرى! فكيف لمن يريد الاستيلاء على السلطة أن يسافر خارج البلاد؟».

وبسؤاله عن أسباب الإعلان عنها، أجاب المصدر: «للتأكيد على أهمية وجود كل المؤسسة الأمنية لحماية البلاد، وأنه دون المجلس العسكري الانتقالي ستضيع البلاد أو على أقل الافتراضات ستنزلق إلى فوضى عارمة».

وبسؤاله عما يقصد بالمؤسسة الأمنية، أوضح أنها الجيش وقوات الدعم السريع والشرطة، وجهاز الأمن والمخابرات؛ مشيرًا إلى أن المجلس العسكري يطرق على وتر الانقلاب العسكري للتشديد على أهميته في المرحلة القادمة.

على الجانب الآخر، وخلافًا للوقائع السابقة المجهولة، انكشفت وقائع المحاولة الأخيرة، التي وقعت قبل أيام من جانب رئيس الأركان الفريق هاشم عبد المطلب وعدد من ضباط الجيش والمخابرات ومجموعة من قيادات الحركة الإسلامية بتهمة التخطيط، والذين انتهت مصائرهم في السجن.

سبقت محاولة الانقلاب العسكري هذه بأيام، وتحديدًا في 12 يوليو (تموز) الجاري، محاولة أخرى، أعلنها عضو المجلس الفريق أول ركن جمال عمر في كلمة ألقاها عبر التلفزيون الحكومي، قائلاً فيها إنه قد اعتُقِل 12 ضابطًا وأربعة جنود خططوا لمحاولة انقلاب، متعهدًا بتقديمهم إلى المحاكمة العادلة في السودان.

أما بشأن محاولة الانقلاب الأخيرة، فيعتقد عبدالفتاح مدي، صحافي سوداني بصحيفة «الانتباهة» السودانية، في اتصال هاتفي مع «ساسة بوست» أن «المحاولة الانقلابية الأخيرة صحيحة»، ثم يستدرك: «لكن الواضح في الأمر أن مدبري المحاولة قد تراجعوا عنها لأسباب غير معلومة في اللحظات الأخيرة وأن استعداداتهم لم تكن قد اكتملت بعد، أو تراجعوا لضمان ولاء بقية قادة الأسلحة على الأقل».

ويُضيف مدي، وهو مُقيم في الخرطوم، ومتخصص في متابعة الشؤون العسكرية، أن التراجع عن تنفيذ المحاولة هدفه، وفق شهادات جمعها، «كان لضمان مشاركة أكبر عدد من قادة الاسلحة في الجيش»، لكن قادة الجيش عاجلوهم ووُئدت هذه المحاولة وقُبِض على مدبروها.

كيف ربح حميدتي من المحاولات الانقلابية السابقة؟

مع انكشاف كُل محاولة انقلابية، يظهر قائد قوات الدعم السريع حميدتي، متظاهرًا بتماسك قواته، ونجاحها في إبطال أي محاولة للانقضاض على السلطة بطرق غير شرعية، ليبدو مُناصرًا للديمقراطية، وداعمًا للحُكم المدني، مُعززًا بكُل هذه الوسائل سلطات حُكمه.

حميدتي عقب الانتهاء من إحدى الاجتماعات

غير أن هذه الصورة التي اعتاد حميدتي الترويج لها، يقابلها صورة أخرى للرجل الذي تمنحه هذه المحاولات قدرة أكبر على المُناورة، ومكاسب سياسية لشخصه ولقواته، عبر التخلص من خصومه في الجيش، فضلًا عن أنها تدفع به لواجهة المشهد السياسي،  باعتباره أحد أهم أبطاله.

على رأس خصوم حميدتي، الذين نجح في الإطاحة بهم هو الفريق نصر الدين قائد سلاح المدرعات، الذي عُزل من منصبه، وسُجن في ضوء اشتراكه في محاولة الانقلاب الأخيرة مع رئيس الأركان الفريق هاشم عبد المطلب أحمد وعدد من ضباط الجيش والمخابرات.

يتأكد هذا الخلاف الدائم بين نصر الدين وحميدتي، من واقع التصريحات التي قالها عضو المجلس العسكري ياسر عطا لصحيفة «الانتباهة» السودانية، عن واقعة النزاع بين الرجلين، في الاجتماع الأخير بينهما، على إثر هجوم نصر الدين على حميدتي وقواته، وتذمره من توسع نفوذ وسلطاته أمام قوات الجيش، ليرد عليه حميدتي قائلًا إن قواته: «تحملت فوق طاقتها من عمل في ظروف صعبة وشتائم وسب وقتل، وأن صبر قواته له حدود ويخاف أن تنهار قواته».
ولعل اختيار اللواء شكرت الله، قائدًا جديدًا لسلاح المُدرعات وهو «إسلاموي معروف لكنه تربطه صلة لصيقة بحميدتي»، وفقًا للمصدر السابق قريب الصلة بقادة المجلس العسكري، مؤشر على اتساع نفوذ الأخير داخل صفوف القوات المُسلحة، وسعيه لتعيين قادة موالين له دون اعتبار لخلفيتهم السياسية.

مكسب آخر تحقق لحميدتي من وراء انكشاف هذه المحاولات، وهي دمج قواته داخل الجيش في الفترة المُقبلة؛ بعدما نجح في جذب الأنظار لقواته بوصفها المُحبطة لكافة الانقلابات السابقة. هذا الدمج يحيل قوات الدعم السريع من مجموعة عناصر ميلشاوية تتبع مباشرة رئاسة الجمهورية، بوصفها مسؤولة عن تأمينه، إلى كيان رئيسي داخل صفوف القوات المُسلحة، يتمتع أفراده بشرعية، ظلت غائبة عنهم طيلة سنوات حُكم البشير.

تأكد هذا أيضًا من خلال تصريحات الفريق ياسر عطا، نائب رئيس اللجنة السياسية في المجلس العسكري، لصحيفة «القدس العربي»، عن قوة «الدعم السريع» قائلًا إن: «هذه القوة ستشملها إجراءات إعادة الهيكلة الى جانب القوات المسلحة لتكون تحت قيادة موحدة»، ولكنه تمسك بتبعية القوات النظامية لمجلس السيادة، بعكس ما ترغب قوى «الحرية والتغيير».

هل تتكرر محاولات الانقلاب العسكري في السودان؟

مع انكشاف محاولة الانقلاب العسكري الأخيرة قبل وقوعها، تتكرر الأسئلة حول احتمالية وقوع محاولات انقلابية أخرى، في ضوء تباين الولاءات داخل القوات المُسلحة، ومساعي حميدتي لخلق قادة جُدد له موالين له بديلًا عن المسؤولين السابقين.

أحد الشعارات المكتوبة على جدران العاصمة السودانية الرافضة للحكم العسكري

تُرجح عوامل عديدة احتمال وقوع انقلابات المرحلة المُقبلة أبرزها اتساع نفوذ قوات الدعم السريع على حساب القوات المُسلحة وجهاز الأمن، وتململ القيادات الوسطى غير المؤدلجة داخل الجيش من هذا الصعود الكبير للدعم السريع ولقائدها، ويُضاعف هذا الشعور عدم تمثيل المجلس العسكري لقادة الأسلحة المختلفة في الجيش.

ويضيف المصدر السوداني المُقرب من عدد من قادة الأفرع الرئيسية بالقوات المُسلحة، عاملًا آخر يُعزز أي محاولة للانقلاب؛ تتمثل في أن النظام القديم بكامل حركته الإسلاموية لا زال يدير الدولة بجهاز أمنها وجيشها وخدمتها المدنية بما فيه سفراء النظام في الخارج، موضحًا أن معظم الرتب العليا منتمية للحركة الإسلامية.

السودان.. سجل حافل من محاولات الانقلاب العسكري

مرور السودان بسلسلة انقلابات عسكرية على مدار العقود الماضية، جعل مرادف الانقلاب في ذاكرة المواطن السوداني أمرًا اعتياديًا ومتوقعًا طول الوقت، وليس حدثًا استثنائيًا في تاريخ الحياة السياسية السودانية، أو ظاهرة عارضة كما هو الحال في أغلب النظم السياسية الحاكمة.

الرئيس السوداني السابق عُمر البشير

العامل المُشترك بين كافة المحاولات السابقة هي أن الجيش كان فاعلًا رئيسيًا في جميع محاولات الإطاحة بالسلطة الشرعية، سواء كان ذلك بشكل مُباشر أو غير مُباشر عبر دفع أحد الكيانات السياسية للواجهة، بينما يبقى هو في الظل بعيدًا لفترة من الوقت.

كانت بداية عهد السودان بالانقلابات في عام 1957، حين قادت مجموعة من ضباط الجيش والطلاب الحربيين بقيادة إسماعيل كبيدة انقلابًا ضد أول حكومة وطنية ديمقراطية بعد الاستقلال برئاسة الزعيم السوداني إسماعيل الأزهري، قبل أن ينجح الأخير في إحباطها.

غير أن صمود الحكومات المدنية أمام الانقلابات لم يدم طويلًا، بعدما نجح الفريق إبراهيم عبود، القادم من مُعسكر الجيش، في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 1958، في الإطاحة بحكومة ائتلاف ديمقراطية بين «حزب الأمة» و«الاتحادي الديمقراطي» يرأسها مجلس السيادة، المكون من الزعيم الأزهري ويرأس الوزارة الأميرلاي عبد الله خليل.

وعلى مدار سبع سنوات كاملة، رسخ عبود فيها من سلطاته، وعمم طرق تثبيت حُكمه بالسجن والتعذيب لكُل معارضٍ سياسي له؛ تعرض لمحاولات انقلابية، انتهت جميعها بالفشل، والتي كان أبرزها المحاولة التي قادها الرشيد الطاهر بكر المحسوب على التيار الإسلامي في البلاد، وانتهى الحال به للشنق هو وأربعة من قادة الانقلاب، وزج بالآخرين في السجن.

غير أن فشل الجيش في الإطاحة بعبود لم يعفِ الشعب من الثورة على حُكمه الديكتاتوري، الذي انتهى فيه مصير كُل مؤيد للديمقراطية، أو مدافع عن حقوق الإنسان، إلى الإعدام عبر المشانق.

ففي 21 اكتوبر (تشرين الاول) 1964، خرج مئات الألوف إلى الشوارع، ثائرين على حُكم الفريق عبود، لتنجح الثورة في الإطاحة به، وتشكل حكومة ديمقراطية مدنية، لم تصمد هي الأخرى، أمام الانقسامات السياسية، لينجح العميد جعفر النميري، في توظيف هذه الأوضاع المضطربة، والانقلاب على حكومة إسماعيل الأزهري وتشكيل ما عرف باسم مجلس قيادة الثورة، في 25 مايو (آيار) 1969.

عامان فقط فصلا وقوع هذه المحاولة عن محاولة أخرى. ففي عام 1971 قاد العقيد هاشم آل عطا مجموعة من الضباط والجنود، مدعومًا من «الحزب الشيوعي السوداني» وأعضائه، لكن هذه المحاولة باءت بالفشل بعدما نفذ موالو النميري انقلابًا مضادًا خلال أيام واستعادوا السلطة.

وخلال سنوات حُكم النميري، تكررت المحاولات التي كان أبرزها عام 1975؛ حين قاد الضابط حسن حسين ومجموعة من زملائه محاولة انقلابية فشلت، وانتهت مصائرهم رميًا بالرصاص.

لم يدم صمود النميري وأعوانه في محاولة الانقلاب العسكري الثانية، عقب قيادة وزير الدفاع عبد الرحمن سوار الذهب انقلابًا أطاح بالنميري في السادس من أبريل (نيسان) عام 1985.

نال البشير هو الآخر نصيبًا من الانقلابات العسكرية، وكان ظهوره الأول في الحياة العامة والسياسية، باعتباره «قائد عسكري انقلابي» حين قاد العميد آنذاك انقلابًا عام 1998 نجح في الإطاحة فيه بالحكومة القائمة، وتنصيب نفسه رئيسًا للبلاد. وطوال فترات حكمه الممتدة، كان البشير مهمومًا دومًا بتصفية أي محاولات للانقلاب عليه في بواكيرها، وذلك عبر خلق موالين له وعيون في كُل سرية عسكرية، ليظل متربعًا على كرسي الحكم 30 عامًا، قبل أن يُغادر إثر ثورة شعبية.

«ناشيونال إنترست»: هل يمكن أن ينجح حل ديمقراطي في السودان؟

المصادر

تحميل المزيد