مدافع آية الله ما تزال صامدة! كيف واجهت السياسة الإيرانية 7 رؤساء أمريكيين؟

بعد أكثر من عامٍ على فرض العقوبات الأمريكية على إيران، والتي وصفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ«الأقصى في التاريخ»، جاءت كل الرهانات خاسرة؛ فالنظام الإيرانيّ لم يسقط، ولم يهرع قادته للجلوس مُنكسرين على طاولة المفاوضات بحثًا عن صفقةٍ أفضل كما توقعت واشنطن، إضافةً إلى أنّ قائمة الشروط الاثنى عشر التي قدّمها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو قوبلت بالسخرية. وعلى العكس، فطهران رفضت التفاوض قبل رفع العقوبات، ونفذت تهديدها ورفعت نسبة تخصيب اليورانيوم، كما أسقطت طائرة تجسس أمريكية قُرب حدودها، كما اتُّهمت باستهداف منشآت النفط السعودية «أرامكو».

وخلال 40 عامًا، هو عُمر الثورة الإسلامية التي أطاحت بشرطيّ الخليج، ورجل واشنطن في الشرق الأوسط، تناوب على الحكم سبعة رؤساء إيرانيين حملوا مبادئ الثورة كاملة وعلى رأسها العداء المُطلق للولايات المتحدة التي يصفونها في أدبياتهم بـ«الشيطان الأكبر»، لذا واجهوا على الجانب الآخر سبعة رؤساء أمريكيين فاقوهم في القوة سياسيًا وعسكريًا، وحتى الآن، فالركود الاقتصادي الذي خلّفته المواجهة، لم يؤثِّر على السياسة الخارجية التي تنتهجها إيران.

هذا التقرير يشرح لك حصاد السياسة الخارجية الإيرانية مع الولايات المتحدة بداية باحتجاز الرهائن الأمريكيين عقب الثورة الإسلامية نهاية بالعقوبات «الأقصى» في التاريخ في عهد ترامب.

الثورة الإسلامية.. كيف خدع الخميني الرئيس الأمريكي وتسبَّب في خسارته الانتخابات؟

قبل نحو 10 سنوات من اندلاع الثورة الإسلامية التي أطاحت حكم آخر شاه إيراني، قام الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون بتزويد إيران بمفاعل نووي عمل باليورانيوم المخصّب بنسبة 93%، وأنشئ أساسًا لأغراض التسليح، كما قام جهاز الموساد الإسرائيلي ووكالة المخابرات الأمريكية بتأسيس جهاز المخابرات السرية «السافاك» الذي اعتمد تدريب العملاء على يد الاستخبارات الإسرائيلية، وكانت مهمّته الأولى الحفاظ على عرش شُرطي الخليج، وفي التوقيت نفسه كان «آية الله الخميني» قد وصل إلى النجف بالعراق في منفاه عام 1965، وأخذ يُلقي دروسه الدينية، ويروِّج لمشروع إقامة دولة إسلامية على أساس ديني، وهي الفكرة التي استعرضها في خُطبه التي جُمعت في كتابه «الحكومة الإسلامية وولاية الفقيه».

Embed from Getty Images

(آية الله الخميني لحظة وصوله من فرنسا عقب نجاح الثورة الإسلامية)

حين شبّت الثورة الإسلامية وانتصرت عام 1979، خسرت واشنطن وإسرائيل حليفًا قويًّا بعد سقوط الشاه على يد النظام الجديد الذي هوى بعد هروب الشاه إلى الولايات المتحدة التي لم تستقبله واستقبله الرئيس المصري السادات، فيما عاد الخميني من منفاه الثاني في فرنسا، لكنّ الوثائق الأمريكية التي أفرجت عنها واشنطن تحكي فصلًا هامًا من القصة؛ فالخميني قبل نفيه من طهران بعث برسالة إلى الرئيس الأمريكي جون كينيدي جاء فيها بأنه لا مشكلة لديه مع أمريكا، وليس معارضًا لمصالحها، بل إنه يرى الوجود الأمريكي «ضروريًا» لمجابهة النفوذ السوفييتي والبريطاني.

وبحسب الوثائق التي رُفعت عنها السرية عام 2016، فإن الخميني عندما كان في فرنسا تواصل لأول مرة مع البيت الأبيض حاملًا ثلاثة طلبات للتفاوض: «تمهيد الطريق لعودته، والضغط على الحكومة لكي تستقيل، وإجبار الجيش على الاستسلام»، وبعدما تخلّت واشنطن عن الشاه، وربّما ساهمت في تحييد الجيش، عاد الخميني وكان أسرع من الجميع؛ فدعا إلى استفتاءٍ عام على الهوية الإسلامية، وصوّت 98% من الإيرانيين لنظام جمهوري إسلامي، وبعد إجراء انتخاباتٍ رئاسية فاز الحسن بني صدر برئاسة الجمهورية، ليكون رئيسًا ليبراليًا لثورة إسلامية ناجحة.

لكنّ رهان الولايات المتحدة على الخميني خاب سريعًا بعدما هاجم عددٌ من الطلاب الإيرانيين المنتمين للثورة مقر السفارة الأمريكية في طهران، واحتجزوا 52 أمريكيًا من سكان السفارة رهائن، مطالبين الولايات المتحدة بتسليم الشاه لمحاكمته، وبعدما فشلت المفاوضات قطعت واشنطن العلاقات بين البلدين، وجمّدت قرابة 400 مليون دولار لإيران، كما أعطى الرئيس الأمريكي جيمي كارتر الضوء الأخضر لعمليةٍ عسكرية لإنقاذ الرهائن بعدما فرض عقوباتٍ اقتصادية على النظام الجديد، لكنّ العملية فشلت وأدت لتدمير طائرتين ومقتل ثمانية جنود أمريكيين، واستمرت الأزمة 444 يومًا وتسبّبت في خسارة «كارتر» في الانتخابات الأمريكية، ليردِّد الخميني جملته التاريخية بعدما تسبَّب في طرد الرئيس الأمريكي من البيت الأبيض: «أمريكا لا تستطيع فعل شيء ضدّنا».

يكشف الرئيس الإيراني الأسبق الحسن بني صدر في حديثه مع قناة «روسيا اليوم» جانبًا مُظلمًا من الرواية التي شكّلت محور العلاقات الإيرانية الأمريكية فيما بعد: «كان حادث السفارة مُدبرًا للإطاحة بالرئيس الأمريكي.. والخُطة أعدّها تيار في الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة ونفّذه الحرس الثوري في إيران باعتباره مشروعًا ثوريًّا»، ويضيف بني صدر الذي عزله الخميني من منصبه فيما بعد: «تم الاتفاق على تأخير إطلاق سراح رهائن السفارة خدمة لأهداف حملة المرشح المنافس، وتم بالفعل إطلاق سراحهم على أنه نصر لرونالد ريجان»، اللافت أنّ أزمة الرهائن انتهت بالفعل بعد دقائق من أداء الرئيس الأمريكي الجديد اليمين الدستورية.

مفكر الثورة ومنظرها.. قلم علي شريعتي الذي ساعد في إسقاط شاه إيران

محمد رجائي.. الرئيس الإصلاحي الذي لم يركع للعقوبات

انتصارات إيران على مستوى السياسة الخارجية لم تعكس حقيقة الصدام السياسي الذي وقع بين المعسكر الليبرالي والإسلامي، فبينما عمد رجال الدين إلى إرساء النظام الوليد على مبدأ «الديموقراطية الدينية» عبر إنشاء الحزب الجمهوري الإسلامي، تزامنًا مع قرار الخميني بتشكيل مجلس الشورى الثوري، كانت التيارات العلمانية على الجهة الأخرى تحشد لإنشاء جبهة يسارية تقف ضد طموح رجال الدين، لكنّ استفتاء الهوية الإسلامية كان بمثابة المدفعية التي أطاحت بالتيار اليساري للأبد، وأصبح الرئيس الليبرالي الحسن بني صدر في مواجهة منفردة مع النظام الجديد، خاصة أنه كان فعليًا بلا صلاحيات.

لم يُمضِ الرئيس الإيراني في منصبه سوى عامٍ وأربعة أشهر، حتى احتدم الخلاف بينه وبين الخميني إثر اندلاع حرب الخليج الأولى عام 1980 والتي امتدت ثماني سنوات، وكان الحسن يرى ضرورة إنهائها، فاتّهمه الخميني بالخيانة، وحمّله مسؤولية إعاقة عمل القوات المسلحة لصدّ الهجوم العراقي على الأراضي الإيرانية، لتنتهي القصة بهروبه إلى باريس، حيث منفاه القديم الذي فر إليه في أيام الشاه والتقى فيه الخميني والتفّ حوله.

تولّى من بعده الرئيس محمد علي رجائي ممثلًا للحزب الجمهوري الحاكم، الذي تزامن عهده مع الرئيس رونالد ريجان الذي انتهج سياسة الحرب الباردة وسيلةً وحلًا لإسقاط الاتحاد السوفيتي، وتقويض النظام الإيراني الذي انتهج تصدير الثورة الإسلامية التي يُقرّها الدستور الإيراني، ومرة أخرى تتورط إدارة «ريجان» في فتح قنوات اتصال سرية مع النظام الذي يصفها بـ«الشيطان الأكبر».

عقب اندلاع حرب الخليج الأولى، دعمت واشنطن النظام العراقي عبر تقديم الدعم اللوجستي المتمثل في صور بالأقمار الصناعية لمواقع الجيش الإيراني وتحركاته، وتقديم قطع غيار ومعدات وذخائر، وبعدما تعرضت إيران لأزمة في التسليح، عقدت الإدارة الأمريكية في عهد ريجان اتفاقًا يقضي بتزويد إيران بالأسلحة مقابل التوسُّط لدى لبنان لإطلاق سراح الرهائن الأمريكيين المحتجزين، وتولّى نائبه آنذاك جورج بوش الأب الاتفاق مع النظام الإيراني بحضور مندوب المخابرات الإسرائيلية، والتي عُرفت وقتها بفضيحة «إيران-كونترا».

وفي الوقت الذي شهدت فيه العلاقات بين طهران وواشنطن هدوءًا مرنًا رغم العداء العلني، كانت حركة «مجاهدي خلق الإيرانية» تقاتل بشراسة ضد نظام الثورة الإسلامية، فقتلت 70 من القيادات العليا للجمهورية الإسلامية بينهم الرئيس الإيراني محمد علي رجائي عام 1981، ليتولى من بعده علي خامنئي الذي كان فعليًا أحد المتحكمين الحقيقيين في السياسية، التي تأسست ارتكازًا على نظرية «ولاية الفقيه».

Embed from Getty Images

(الرئيس الأمريكي رونالد ريجان 1981: 1989)

استمر خامنئي تسع سنوات في الحكم، وهي الفترة نفسها التي قضاها الرئيس الأمريكي دونالد ريجان، ومثلت السياسة الخارجية لإيران في عهده تفاهمًا سريًا مع الولايات المتحدة مع الاحتفاظ بالعداء الشكلي معها في ظل استمرار العقوبات، وعلى الجانب الآخر استمرت الحرب مع العراق حتى انتهت عام 1988 بتوقيع إيران مضطرة هدنة «كأس السم» كما أطلق عليها الخميني الذي استمر في نهج تصدير الثورة قائلًا: «نحن نواجه الدنيا مواجهة عقائدية».

انتهت الفترة الثانية لولاية ريجان، وصعد جورج بوش الأب إلى الحكم في عام 1989 وهو العام الأخير لخامنئي في الحكم، ليأتي من بعده الرئيس الإصلاحي هاشمي رفسنجاني الذي قاد بلاده للاعتدال السياسي ونأى بسياسة المواجهة بعيدًا في عهدي جورج بوش الأب وكلينتون.

رفسنجاني.. الرئيس الإصلاحي الذي لعب على حبال الجميع

كان رفسنجاني يشغل منصب رئيس البرلمان خلال الحرب العراقية الإيرانية، والقائد الأعلى للقوات المسلحة بالوكالة، ويُنسب إليه إقناع الخميني، بقبول وقف إطلاق النار في الحرب مع العراق، ويُعرف عنه قناعاته البراجماتية وميوله إلى انفتاح إيران على العالم وعلى الدول الغربية، كما أنه قاد إعادة العلاقات مع السعودية بزيارته التاريخية للرياض عام 1998.

وبينما كان جورج بوش الأب حاضرًا في اتفاق «إيران –كونترا» عن الجانب الأمريكي، كان رفسجاني هو مندوب بلاده في هذه الصفقة، لذا فقد مثّل الرجلان امتدادًا أكثر مرونة للعلاقة الهادئة التي جمعت خامنئي بدونالد ريجان، واعتمدت سياسة الرئيس الإيراني وقتها على تخفيف التوتر مع الغرب والدول العربية بهدف تخليص إيران من مشاكلها الاقتصادية بالانفتاح على العالم والاعتماد على مبادئ السوق الحرة، وفتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية دون أن يتأثر ذلك بتأثير تصدير الثورة على المستوى الفكري والأيدلوجي، كما قاد حملة دعائية لتحسين صورة إيران، وتحسين علاقاتها بالدول العربية، مع اهتمامٍ واضح بالتسليح وعمليات إعادة البناء.

لعب الرئيس الإيراني على الدخول في تحالف غير مُعلن مع واشنطن والسعودية، ضمن الخطة الإصلاحية التي وضعها لتحقيق الأهداف الاقتصادية وجذب الاستثمار الأجنبي لإعادة بناء ما دمّرته الحرب، وكانت «أوبك» ورقة القوة التي استغلها رفسنجاني للتحالف مع المملكة من أجل الاتفاق على الحفاظ على ارتفاع أسعار النفط وتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، وكانت أحد الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة لتخفيف القيود على التجارة مع إيران، مقابل دخول حلفاء جُدد لإيران متمثلين في كلٍ من فرنسا وإيطاليا واليونان وألمانيا وبريطانيا.

مع تولي الرئيس الأمريكي بيل كلينتون الحكم عام 1993، دخلت إيران مرحلة العقوبات الصارمة التي تمثّلت في الأوامر التنفيذية التي تضمنت منع الشركات الأمريكية من الاستثمار في النفط والغاز الإيرانيين والاتجار مع إيران، كما أقر الكونجرس الأمريكي قانونًا يجعل الحكومة الأميركية تفرض عقوبات على الشركات الأجنبية التي تستثمر في قطاع الطاقة الإيراني بأكثر من 20 مليون دولار.

ومع وصول الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي إلى الحكم، خفَّف كلينتون حدّة العقوبات مقابل التزام إيران بتعليق تخصيب اليورانيوم خلال اتفاقها مع وكالة الطاقة الذرية والاتحاد الأوروبي مقابل رفع العقوبات الأمريكية، ومع انتخاب الرئيس الأمريكي جورج بوش عام 2001، اصطدمت سياسات طهران الإصلاحية بالحرب التي شنّها بوش عقب أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، والتي اعتبر «كوريا الشمالية والعراق وإيران» هم محور الشر في العالم.

المفارقة أنّ واشنطن قبل غزو العراق وإسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين عقدت اجتماعات سرية لتقاسم ساحات النفوذ قبل الغزو، حيث أرادت واشنطن ضمانات بعدم قصف طهران الطائرات الأمريكية في حال حلّقت بالخطأ فوق أراضيها. لكنّ قنوات الاتصال فشلت تمامًا بوصول الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، أكثر الأصوات المتشددة داخل إيران المحسوبة على التيار المحافظ الذي بدأ حُكمه بتقديم وعود باستعادة مبادئ الثورة والمضي قُدمًا في المشروع النووي، مُرددًا جملة الخميني القديمة: «أمريكا لا تستطيع فعل شيء ضدّنا».

عالم ما بعد القنبلة.. هكذا سيتغير الشرق الأوسط إذا امتلكت إيران سلاحًا نوويًّا

أحمدي نجاد.. المتشدِّد الذي جنى لبلاده مزيدًا من العقوبات الفاشلة

بعد نحو عام من فوز نجاد، أصدر بوش قرارًا تنفيذيًا بتجميد الحسابات المصرفية لشخصياتٍ مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، كما وافق الكونجرس الأمريكي لاحقًا على تمديد العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، التي هدفت إلى وقف الدعم المالي الذي يمكن أن يساعد طهران في صنع أسلحة نووية.

أمّا نجاد القادم من الحرس الثوري، فقد بدأ استراتيجية الالتفاف على العقوبات الأمريكية عبر الاستعانة بالحرس الثوري في عمليات تهريب النفط عبر باكستان وأفغانستان والعراق، وبيعه فى السوق السوداء، وهي الاستراتيجية التي مكّنته من الصمود في وجه العقوبات الأمريكية، كما اتّجه الرئيس الإيراني لغلغلة المؤسسة العسكرية الثورية «الحرس الثوري»  -التي أنشئت خصيصًا للدفاع عن أهداف الثورة الإسلامية- في الاقتصاد الإيراني من الداخل عبر مئات الشركات التي تستحوذ على مجال النفط والغاز والصناعات البتروكيماوية.

قابلت واشنطن الالتفاف الإيراني على العقوبات بفرض عقوباتٍ جديدة تمثلت في استهداف الحرس الثوري ووضع عدة بنوك ونحو 20 شركة بترولية وبتروكيميائية في القائمة السوداء ومنعها من التعامل مع قطاع الأعمال الأمريكي، لكنّ مسئولين في إدارة بوش اعترفوا بفشل العقوبات رغم أنها كانت في أوج قسوتها على النظام الإيراني الذي لم يستسلم.

ورغم أنّ نجاد أدار سياسته بوجهٍ متشدد إلا أنه أعلن أنّه مستعدٌ للتفاوض في حال خطت واشنطن لحل الخلافات بين البلدين والمتمثلة في الأرصدة الإيرانية المجمدة منذ قيام الثورة والتي تقدر بنحو 12 مليار دولار، ورفع الحظر التجاري والتكنولوجي والعسكري الشامل المفروض على إيران، والذي يعوِّق تنمية بنائها الاقتصادي والعسكري بعد الحرب.

بعد انتهاء فترة بوش، استمر الرئيس الأمريكي باراك أوباما في عام 2009 على نهج العقوبات بعدما وصل المدّ الإيراني المنطقة العربية وأصبح يمتلك تأثيرًا فكريًا وأيديولوجيًا ومعنويًا ضخمًا في اليمن والعراق ولبنان وسوريا، بالإضافة إلى الأقليات الشيعية في دول الخليج وعلى رأسها السعودية والبحرين والكويت، لكنّ الحملة التي قادها الإصلاحيون في إيران في انتخابات الرئاسة الإيرانية أفرزت فوز حسن روحاني عام 2013 الذي قاد بلاده لتوقيع الاتفاق النووي التاريخي الذي التزمت فيه بمنع تخصيب اليورانيوم بنسبة أكثر من 3.67% خلال 15 عامًا، مقابل رفع العقوبات الاقتصادية والسماح لإيران ببيع نفطها، وهو الاتفاق الذي لم يمض على تنفيذه ثلاث سنوات، حتى انسحب منه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مايو (أيّار) العام الماضي، وهي الأزمة التي ما زالت ممتدة إلى اليوم.

وبالرغم من أن الرئيس الإصلاحي حسن روحاني صرّح مؤخرًا بأنّ «أكثر أعداء إيران في التاريخ الأمريكي يحكمون البيت الأبيض حاليًا»، إلا أنّ العقوبات الحالية التي تتشابه مع عقوبات 2012 تختلف في الرفض الدولي لها، خاصةً أنّ طهران أعلنت مرارًا أنها متمسكة بالاتفاق النووي، وهو ما يُعطيها للمرة الأولى في تاريخها دعمًا دوليًّا إلى جانبها ضد سياسة واشنطن، وهو التوقيت السيئ الذي أجاد الإيرانيون استغلاله ضد الرئيس الأمريكي الذي بات مُحاصرًا بالمعارضة الداخلية والرفض الدولي المتخوف على مصالحه، إضافةً إلى أن العقوبات الحالية تمتلك طهران بحكم الخبرة أساليب كثيرة للالتفاف عليها وخرقها.

هل يحجون إليها سرًا؟ كل ما تريد أن تعرفه عن «كعبة إيران»

روحاني وترامب.. كيف صنعت طهران أدوات مواجهتها؟

في مايو العام الماضي، أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمرًا تنفيذيًّا، أعاد بموجبه العمل بالعقوبات الاقتصادية التي كانت مفروضة على إيران قبل توقيع الاتفاق النووي، والتي شملت حظر استخدام إيران للدولار الأمريكي في تعاملاتها التجارية، وفرض عقوبات شاملة على قطاع الطاقة الإيراني، والبنك المركزي، وهي الضربة الموجعة لصادرات النفط، الذي تشكل إيراداته نحو 60% من مصادر الدخل في البلاد.

 

العقوبات الأمريكية الأكبر في التاريخ على الاقتصاد الإيراني المتدهور، تهدف بالأساس لحرمان طهران من الأموال التي تصنع بها أدوات نفوذها في الشرق الأوسط عبر تطبيق سياسة «عقوبات قصوى وضغط مستمر»، وتتوقع إدارة ترامب أن يتخلّى النظام الإيراني عن سياساته، ويهرع لواشنطن لتفاوضٍ جديد غير مشروط، بهدف رفع العقوبات.

ورقة القوة الأمريكية هذه، والتي فضّلها ترامب على تنفيذ ضربة عسكرية، تزداد سطوةً لتشمل كل مناحي الحياة في إيران، بدايةً من تصفير صادرات قطاع النفط الذي يعمل به نحو 45% من العاملين بقطاع الصناعة، مرورًا بتدهور العملة التي فقدت نحو 60% من قيمتها بعد شلّ القطاع المصرفي، مع توقعات بوصول التضخم لحاجز 40%، بالإضافة إلى انكماش الناتج المحلي بواقع 3.9% العام الماضي، بحسب بيانات «صندوق النقد».

Embed from Getty Images

(الرئيس الإيراني حسن روحاني)

على جانبٍ آخر تصنع إيران أدوات مواجهتها مع واشنطن عبر ورقة الدبلوماسية، فالنظام الإيراني قابل التصعيد الأمريكي برفع نسبة تخصيب اليورانيوم مع تأكيده بأنه لا يريد للأزمة أن تتفاقم، ومن جهةٍ أخرى هو يُهدد شركاء الاتفاق النووي الأوروبيين (فرنسا، وألمانيا، وبريطانيا) الذين عجزوا عن تعويض إيران عن خسائرها المالية عبر إعلانه تقليص التزاماته النووية كل 60 يومًا بهدف الوصول في النهاية إلى المفاوضات مع البيت الأبيض، أو تفعيل آلية تجارية مع أوروبا للالتفاف على العقوبات.

وبدا أن الرئيس الإيراني نفسه يُرسي قاعدة التفاوض قائلًا: «إما أن يكون الاتفاق على قاعدة رابح – رابح أو يكون خسارة للجميع»، لذا فهو يحتفظ بشركائه الأوروبيين الذين يُخالفونه سياساته الإقليمية من جهة، لكنهم يؤيدونه في الاحتفاظ بالاتفاق النووي من جهة أخرى ضد سياسات ترامب الإقليمية.

لذا فإن الاصطفاف التي حصلت عليه إيران مكّنها من الاتفاق على تفعيل نظام «إينستكس» المالي في التعامل التجاري بهدف ضمان بقائها في الاتفاق، الذي تصفه أوروبا بأنه غير مثالي، ومن ثم فمهلة 60 يومًا الأخيرة التي منحتها طهران لشركاء الاتفاق النووي جاءت بالأساس لتطوير نظام «إينستكس» – لم يدخل التنفيذ بعد – بما يسمح بالحصول على عائدات النفط المالية.

إيران أيضًا واجهت الخطر عبر وضع حلفائها في مواجهة مباشرة مع واشنطن وحلفائها، فالصين وروسيا من المتوقع أن يستخدمان الفيتو ضد واشنطن في أي قرار في الأمم المتحدة، كما أن بريطانيا وفرنسا وألمانيا الرافضين لسياسة طهران في الشرق الأوسط يتمسكون بالاتفاق النووي ويدفعون لإعادة واشنطن للاتفاق مرة أخرى، أو فتح قناة للالتفاف على العقوبات الأمريكية بما يسمح لإيران باستعادة صادرتها النفطية.

ومن جهة أخرى، تعتمد الجمهورية الإسلامية في مواجهتها على عناصر ما يشار إليه بـ«محور الممانعة» في كلٍ من العراق واليمن وسوريا ولبنان التي تصنع بهم خطوط المواجهة والتصعيد ضد واشنطن وحلفائها في المنطقة.

عام على العقوبات الجديدة.. كيف نجحت إيران في الصمود حتى الآن؟

أوباماإيرانالثورة الإسلاميةالخمينيالعقوباتالنوويالولايات المتحدةترامبروحانيطهرانواشنطن

المصادر