إذا كانت الحرب هي الاستثناء في أي بلدٍ، فهي القاعدة في «إسرائيل»؛ من رحمها وُلِدَت «الدولة»، وبمواقيتها يُقسَّم التاريخ، ووفق نتائجها تُرسَم ملامح المستقبل، ولخدمة أهدافها مدت السينما الإسرائيلية وأفلام إسرائيل اليد، وعلى الرغم من أن الصراعات لعبت هذا الدور الكاسح في كتابة تاريخ «الدولة اليهودية»، يشكو العديد من النقاد السينمائيين من أن أرشيف أفلام إسرائيل يفتقر إلى ما يكفي من أفلام الحرب الملحميّة.

إن كان ذلك دقيقًا، فإن جزءًا كبيرًا منه يرجع إلى حقيقة أن هذه الصناعة الخاصة بأفلام إسرائيل كانت تفتقر في سنواتها الأولى إلى الموارد والبنية التحتية اللازمة لإنتاج هذا الطراز من الأعمال الفنية. وهناك سبب آخر هو: الواقع الذي يفسح مجالًا أرحب للأفلام الوثائقية من الأفلام الروائية.

حربٌ في ميدان مختلف.. تجنيد صُنَّاع السينما لخدمة الجيش الإسرائيلي

كانت غالبية المنتجين والمخرجين والفنيين العاملين في السينما الإسرائيلية، خلال فترة الخمسينيات وبداية الستينات، إما من الأجانب أو المهاجرين الجدد، أمثال: البريطاني فو وولدر بكنسون (التل 24 لا يجيب) والأمريكي-اليهودي لاري ذريش (عمود الملح) والعراقي-اليهودي نورى صعب (بلا وطن)، الذين ساهموا في مولد صناعة السينما الإسرائيلية، بدعوة من وحدة السينما العسكرية التي أسسها الجيش الإسرائيلي عام 1948 لإخراج أفلام تعليمية للجنود.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ 5 شهور
«الجاسوس».. تعرف إلى بطل سلسلة «نتفليكس» الجديدة الذي خدع قادة سوريا
1065
عبد الله كمال

تحت مظلة الجيش، اعتادت السينما الإسرائيلية إبراز الدولة اليهودية في ثوب «الكيان المسالم المدافع عن حقوقه الأزلية في أرض الميعاد»، في مقابل «العرب النازيين الذين يفرضون حصارًا جائرًا على الدولة العبرية، التي تحيا وسط محيط شائك من الأحقاد والإرهاب». 

بموازاة هذه المقارنة، حرصت السينما الإسرائيلية وأفلام إسرائيل في بداياتها على الاحتفاء بـ«القدرات الخارقة» للدولة الوليدة، «القوية والشجاعة والمتفانية»، وهو المزيج الذي «تطلَّب الاستعانة بقدر هائل مما رآه الباحثون مغالطات تاريخية وتشويه متعمد لأبجديات الصراع الدائر في الكثير من الأحيان».

أفلام إسرائيل عن مرحلة «تأسيس الدولة».. تشويه العرب 

روَّجت أفلام فترة «تأسيس الدولة» للمفاهيم الصهيونية الرئيسية، مع التركيز بشكل خاص على هدف «استقلال» إسرائيل، والاحتفاء بـ«بطولة المستوطنين» باعتبارهم «أبطالًا قوميين»، مقابل السخرية من «البدو والقرويين» العرب، الذين تنقصهم الخبرات القتالية، افتقارهم إلى الحضارة والمدنية، وتصويرهم باعتبارهم «امتدادًا للنازية الألمانية».

إجمالًا، تركز أفلام الحرب الإسرائيلية على التجارب الشخصية، وتسلط الضوء على المشاعر الفردية المتنوعة، لتقدم مزيجًا من «الرعب والحسرة والفكاهة التي تصل أحيانًا إلى حد السخافة»، حسبما يقول الإسرائيليون أنفسهم. 

وكان «بعبع النازية» موضوعًا رئيسيًا في أفلام تلك الفترة، مثل فيلم «لا تخيفونا» (1948) من إخراج مائير ليفني، ويحكي قصة ميجا اليهودي الذي يلتقي سارة ويتزوجها بعد هروبها من النازيين الألمان، وفيلم «بيت أبي» (1948) من إخراج هربرت كلاين، ويروي حكاية اليهودي دافيد هاليين الذي نجا من معسكرات الإبادة النازية.

وعلى طريقة أفلام جيمس بوند، تُروى قصة العلماء النازيين الشباب والكهول الذين يعملون مع المصريين على تطوير صواريخ لاستخدامها ضد إسرائيل، في «عملية القاهرة» (1965) لـمناحم جولان، الذي يقارن في الوقت ذاته بين تقدم الألمان وتأخر العرب.

«التل 24 لا يجيب».. «العرب هم الوجه الآخر للنازية»

حين تُذكَر السينما الإسرائيلية وأفلام إسرائيل، يبرز العمل الكلاسيكي «التل 24 لا يجيب» (1955)، الذي لم يكن أول فيلم حربي إسرائيلي فحسب، بل كان أول فيلم روائي يُنتَج على الإطلاق في إسرائيل، لذلك كان من المناسب أن يتناول الصراع الذي جعل إنشاء الدولة ممكنًا.

يروي العمل الذي أخرجه ثورولد ديكنسون قصصًا درامية لأربعة جنود متطوعين، ينتمون لخلفيات متنوعة (أيرلندي، وأمريكي، ويهودي، وامرأة يهودية) تستغرق شطرًا كبيرًا من الفيلم، أثناء محاولتهم الحفاظ على موقع استراتيجي عند مدخل القدس- التل 24- في أول حرب عربية-إسرائيلة. 

يستهل الفيلم بمحاولةٍ مباشرةٍ لترسيخ الوضع القانوني الإسرائيلي، استنادًا إلى قرارات الأمم المتحدة، ثم تتخلل المسيرة إلى التل 24 سردًا متقطعًا لحياة المتطوعين الأربعة، الذين عُرِضَت جثثهم في البداية، ليستحضر المشاهد الإسرائيلي طيلة الفيلم، ومنذ اللحظة الأولى، أن هؤلاء «الأبطال» قدموا أرواحهم «فداء للوطن». 

بعد منتصف الليلة التي تسبق وقف إطلاق النار، الذي ستفرضه الأمم المتحدة لإنهاء الحرب الإسرائيلية-العربية، ينطلق المتطوعون الإسرائيليون الأربعة إلى الهدف، وكل ما عليهم فعله هو: السيطرة عليه لمدة أربعة ساعات فقط إلى صباح اليوم التالي؛ حتى لا يكون هناك أي نزاع حول ملكية هذا الموقع الهام، و«إذا حالفهم الحظ لن يعرف العرب أنهم هناك» حتى إعلان الهدنة.

تصاحب الفيلم التفجيرات الصاخبة منذ المشهد الأول، وتمتزج تأوهات المصابين وترانيم التوراة والوصايا الحاخامية داخل المستشفى الميداني؛ لتضفي مسحة وطنية/دينية على الجهد الحربي. كما تُستدعى ذكريات الهولوكوست وجرائم النازية؛ لاستعطاف المشاهد مع الدولة الوليدة. 

قُبَيْل النهاية، يَقْرِن الفيلم بين «العدو العربي» والنازية، ويقارنهما بـ«الإنسانية الإسرائيلية» وهي السمة البارزة لأفلام تلك المرحلة. حيث يأسِر جندي إسرائيلي جنديًا مصريًا جريحًا في صحراء النقب أثناء حرب 1948، ليعترف المصري بأنه كان نازيًا قديمًا، ويعلن قبل موته كراهيته لليهود.

وحين يحضر الطرفان المتحاربان بصحبة ممثل الأمم المتحدة إلى موقع التل 24 في الصباح، ينادي ممثل العرب بالعربية وممثل اليهود بالعبرية؛ علّ أحد جنود الجيشين يجيب، وحين لا يجيبهما أحد ينشأ نزاع حول ملكية الموقع.

 بالاقتراب من الموقع، يعثرون على جثث الجنود الإسرائيليين الأربعة وقد فارقوا الحياة، لكن ممثل الأمم المتحدة ينهي النزاع بإعلان ملكية إسرائيل للموقع؛ بعدما يكتشف علمًا إسرائيلًا مطويًا في قبضة الجندية التي لقيت حتفها ليلًا، باعتباره دليلا حاسمًا، حتى لو كان شهود الواقعة موتى. 

«الخروج» (1960).. رحلة المهاجرين اليهود من الأوطان إلى «أرض الميعاد»

فيلم من إخراج أوتو بريمينجر، يدور حول تأسيس دولة إسرائيل، ويبدأ على متن سفينة مليئة بالمهاجرين اليهود المتجهين إلى إسرائيل، لكنهم ينزلون في قبرص. ثم ينجح ضابط مخابرات في إعادتهم إلى متن السفينة. ويتطرق الجزء الثاني من الفيلم إلى الوضع في إسرائيل، حيث إعلان الدولة والهجوم من الجيران.

أفلام حرب «الأيام الستة».. الوثائقيات تسبق الأعمال الروائية

كانت الغلبة أيضًا في هذه المرحلة للأفلام الوثائقية، التي صدر أولاها «ستة أيام للأبد» بعد شهر ونصف من الحرب، ولحقه مباشرة «ثلاث ساعات في يون يو». وفي العام التالي، تقدمت إدارة العلاقات العامة الإسرائيلية بـ«ستة أيام»، وبعدها بعام عُرِضَ «الحرب بعد الحرب». 

وبعدما وضعت الحرب أوزارها بنصف عام، كان المشاهد الإسرائيلي على موعد مع أول أفلام إسرائيل الروائية عن الحدث «هل تحترق تل أبيب؟»، الذي تجمع حبكته بين أربع قصص مختلفة في القدس ومرتفعات الجولان وعلى ضفتي قناة السويس.

«مشى عبر الحقول» (1967).. النسخة المعدلة من رواية موشيه شامير 

كانت النسخة السينمائية من رواية الأديب موشيه شامير «مشى عبر الحقول» (1967) علامة بارزة في تلك الفترة، وهي التي جعلت عاصي موشيه دايان نجمًا، ورمزًا لليهود المولودين في إسرائيل (سابرا) الذين يتميزون بالوسامة، بعدما أضيفت إليها مقدمة وخاتمة نقلت قصة شامير من سياقها الأصلي (حرب 1948) إلى حرب «الأيام الستة».

ثلاثة أيام وطفل (1967).. أفضل ممثل في مهرجان كان

أخرجه أوري زوهار، وعُرِض في مهرجان كان السينمائي الدولي عام 1967، وفاز ممثله الأول أورركوتلر بجائزة أفضل ممثل، في تعبير واضح من لجنة التحكيم عن تأييد إسرائيل.

«الحصار» (1969).. أرملة الحرب الحبيسة

هو أحد أفضل الأفلام من حيث الجودة الفنية التي أنتجت خلال خلال العقدين الأوليين من تاريخ السينما الإسرائيلية، وهو الفيلم الوحيد للمخرج الإيطالي جيلبرتو توفانو، ويحكي قصة أرملة الحرب (أحد أفضل إطلالات جيلا ماجور)، التي يحاصر أصدقاء زوجها الراحل حياتها الخاصة، لا سيما عندما تتعرف على رجل جديد.

أفلام ما بعد حرب 1973.. ماذا بعد انتهاء أسطورة «الجيش الذي لا يقهر»؟

حتى بعدما انهارت أسطورة «الجيش الذي لا يُقهَر»، لم تتخلّ السينما الإسرائيلية عن محاولاتها لتجميل وجه الصهيونية، لكنها ركزت أكثر على قضايا تتناسب مع المرحلة الجديدة، وأبرزها: الاحتفاء بـ«واحة الديمقراطية» الإسرائيلية في بحرٍ متلاطم من «الاستبداد» العربي. مع استمرار نوعية الرسائل التي تخاطب اللاوعي، وتحاول الترويج للمفاهيم العسكرية في ثوبٍ ساخر، وحتى توظيف التعاطف مع المعاناة العربية، لتمرير بعض المفاهيم الصهيونية.

«إسرائيلية تشهد» (1974).. معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال

هو أهم أفلام هذه المرحلة، من إخراج أدنا بوليتي، ويهدف إلى إظهار الديمقراطية الإسرائيلية التي سمحت بظهور فيلم يصور واقع حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال الذي يمارس أقصى أنواع التعذيب والقمع الفكري والجسدي ضدهم، ويستولي على الأراضي ويستغل الأيدي العاملة الفلسطينية.  

«تل حلفون لا يجيب» (1976).. السخرية من الجيش المصري

الفيلم من إخراج أسي ديان، وهو ابن موشيه ديان، وزير الدفاع حينذاك، وأحد أعمدة الصهيونية العسكرية. يمجد العمل الجيش الإسرائيلي لكن في قالب ساخر، ويستخدم الكوميديا في محاولة لتقريب المفاهيم العسكرية من الجمهور.

تدور أحداث الفيلم في معسكر للجيش على الحدود المصرية، إلا أن الجيش المصري الذي لا يظهر في العمل يبقى طيلة الفيلم مثار سخرية، لكن بطريقة مختلفة عن السخرية من الجيش الإسرائيلي، الذي لا يُنتَقَد باعتباره مؤسسة بقدر ما يُعرَض أفراده في قالب فكاهي. 

الفرقة (1978).. الترفيه عن الجنود ورفع روحهم المعنوية

يُعرض الفيلم على شبكات التلفزيون في إسرائيل في مناسبات خاصة مثل ذكرى حرب 1948 وأيام العطلات الوطنية. وهو مزيج من الكوميديا والموسيقى العسكرية والأغاني الكلاسيكية واللحظات الدراماتيكية والجمل التي أصبحت أقوالًا مأثورة.

يحكي قصة فرقة ناهال الغنائية، التي تسافر على متن حافلات متهالكة للترفيه عن جنود الجيش الإسرائيلي في مناطق القتال من أجل تعزيز روحهم المعنوية. لكن الصدام بين الأعضاء الجدد والقدامى يهدد استقرار الفرقة العسكرية.

فنون

منذ 4 سنوات
الهزيمة في السينما الإسرائيلية: كيف جسد الإسرائيليون حرب أكتوبر في أفلامهم؟!
10448
الشيماء عبد الخالق

«خربة خزعة» (1979).. أول تمرُّد سينمائي في إسرائيل

في البدء، لم يظهر العرب أو الفلسطينيون في السينما الإسرائيلية وفي أفلام إسرائيل باعتبارهم شخصيات ذات بعد درامي وإنساني، ولم يجرؤ السينمائيون على فتح ملف النكبة وتهجير الفلسطينيين من أراضيهم، بل بقوا منشغلين ما بين تمجيد إسرائيل الدولة وتمجيد الجيش القاهر، إلى أن جاء الفيلم الذي فتح صفحة جديدة في الأعمال السينمائية الإسرائيلية: «خربة خزعة» (1979) من إخراج رام ليفي، عن رواية يزهار سميلانسكي الصادرة عام 1949. 

يتطرق الفيلم للمأساة الفلسطينية، لذلك اعتُبِرَ أول تمرد سينمائي في إسرائيل، وقوبل برد فعل عنيف من النقاد والصحافة والحكومة، ومنع وزير المعارف زبولون هامر عرضه على القناة التلفزيونية الوحيدة آنذاك، ما حدا بالعاملين في القناة إلى تسويد الشاشة طيلة المدة التي كانت مخصصة للعرض.

نجح هذا الاحتجاج الصامت في نقض قرار المنع، وعُرِضَ الفيلم في الأسبوع التالي. وعقب هذه الضجة، كان طبيعيًا أن يشاهد الفيلم كل إسرائيلي تقريبًا، وجاءت الردود متباينة ما بين إنكار الحقيقة واستهجان أن هذا حصل فعلا. يروي مخرج الفيلم أن التلفزيون الأردني سجّل الفيلم على الهواء وقت عرضه في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1980، في ذكرى قرار التقسيم 181. أما رد الفعل اللاحق لعرض الفيلم فكان إقالة عدد من المدراء العاملين في التلفزيون وإلغاء قسم الدراما لخشية الحكومة من خطورة أن يرى الجمهور أفلامًا كهذه. كان هذا عهد مناحيم بيجين بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد.

«عملية رجال الصاعقة» (1977).. عملية مطار عنتيبي

من إخراج مناحم جولان، ويتناول قصة طائرة العال الإسرائيلية التي اختطفها الفدائيون الفلسطينيون، وكيف أغارت القوات الإسرائيلية الخاصة على مطار عنتيبي لإطلاق سراح الركاب. 

أفانتي بوبولو (1986).. الفيلم المتهم بـ«التعاطف مع الأعداء المصريين»

أحد أهم الأعمال التي عرضتها السينما الإسرائيلية ومن أهم أفلام إسرائيل من الناحية الفنية، بشهادة الناقد السينمائي يوري كلين، وشخصياته الرئيسية هم الجنود المصريون وليس الجنود الإسرائيليين، ببطولةٍ مطلقة للثائي سليم ضو وسهيل حداد. يحكي قصة جنديين مصريين انفصلا عن فرقتهما، وبعدما وضعت الحرب أوزارها وبدأ وقف إطلاق النار، ها هما يهيمان على وجهيهما في صحراء سيناء، يكافحان للوصول إلى قناة السويس.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد