يكثر الحديث عن المنافسة بين الكتاب المطبوع، والكتاب الإلكتروني، الذي غير بالأساس عادات القراءة وأحدث فرقًا في معدّل القراءات ونوعيتها، لكن هذا ليس أول جدل من نوعه، فلطالما تغيرت عادات القراءة مع كل تطور تكنولوجي، فطوفان المعلومات قد غيّر عادات القراءة وعمقها، ونستعرض هنا أبرز المحطات التي مرت بها القراءة، وما أحدثته من تغيير في فهمنا لمحتوى النصوص منذ فجر التاريخ.

 

الخوف على الذاكرة من التدوين

 

لم يكن الخوف من التكنولوجيا جديدًا، ففي القرن الخامس قبل الميلاد كان سقراط يخشى من أن يؤثر اختراع الكتابة والتدوين في ذاكرة الناس، كانت النصوص تُكتب على أوراق البردي، وغالبًا ما كان القارئ ينشغل بطيّ المخطوط بكلتا يديه في عملية القراءة، يدُ تفرد المخطوط للقراءة، وأخرى تطوي ما تمت قراءته منه، بعدها أصبح الاطلاع على النصوص أيسر عبر الكتب، فتمكن القارئ من التجول عبر صفحة كاملة من النص، ومنذ القرن الأول قبل الميلاد كانت الكتب تتضمن فهرسًا للمحتويات.

 

 

كانت القراءة في العصور القديمة تتم بصوتٍ عالٍ، واستمرت كذلك لآلاف السنين، وحدثت بداية التغير في عادات القراءة قبل حوالي 10 قرون حين أصبحت القراءة صامتة، وأحدث ذلك تحولًا في الوعي الإنساني، فقد حرر عقل القارئ من الانشغال بنطق الكلمات، لينطلق في التفكير والتذكر ومقارنة ما يقرؤه مع معارفه أثناء القراءة.

 

 

اختراع الطباعة وتشكل الدولة القومية الحديثة

 

في عام 1500، وبعد أن انتشر اختراع «يوهان جوتنبرج» في الطباعة، امتلأت مكتبات أوروبا بما يقرب من 27,000 عنوان، بمجموع نسخ بلغ 10 ملايين، وأصبح في أوروبا جمهور من القراء، وتغيرت أيضًا بشكل فارق عادات القراءة، وتغير وجه المجتمع أيضًا، فوجود نسخة بين يدي القارئ من عدة نسخ متشابهة تصل لقراء آخرين خلق لغةً مشتركة بين الناس، وبدأ القارئ يشعر بقيمة «نحن» في المجتمع الأوروبي، فيما سماه المؤرخ بينيديكت أندرسون بـ «المجتمعات المتخيلة»، وساهم في تشكيل الدولة القومية الحديثة.

 

 

في ذلك العصر وتحديدًا في عام 1588، اخترع المهندس الإيطالي «أجوستينو راميللي» عجلة القراءة، التي أتاحت للقارئ أن يتجول بين عدد من الكتب في الوقت نفسه، دون أن يتحمل مشقة طي الكتاب أو نقله، لكن وجودها في المكتبات الأوروبية ظل نادرًا.

القراءة

وعمومًا فقد كان نصيب القارئ الأوروبي الواحد من الكتب – على سبيل المثال- قليلًا ولا يتجاوز غالبًا نسخة من الكتاب المقدس، وتقويمًا، وواحدًا أو اثنين من الأعمال الأدبية، لكن تأثير هذه الكتب القليلة عميق في القارئ؛ إذ كان يعيد قراءتها مرارًا، ويقول المؤرخ الألماني «رولف إنجليسينج» إن الثورة الحقيقية في عادات القراء حدثت في نهاية القرن الثامن عشر بعد أن أصبح أمام القارئ عددٌ كبيرٌ من الكتب والصحف التي يمكنه قراءته، وعليه أن ينهيها ليستعد لقراءة غيرها في اليوم التالي.

بعدها بسنوات ظهر تخوف مشابه على الكتب، حين اخترع توماس إديسون الفونوغراف، واعتقد المراقبون أن الكتب لن تُطبع بعد ذلك، وسيُكتفى بتسجيلها صوتيًّا، وسيسمعها القارئ – الذي سيصبح «مستمعًا»- وهو مغمض العينين، لكن الكتاب نجا من المنافسة، ونجا بعد ذلك في القرن العشرين من منافسين قويين اعتقد المراقبون أيضًا أنه لن يصمد أمامهما: الراديو والتليفزيون.

 

 

 

القراءة عبر الشاشات.. هل يجعلنا جوجل أغبياء؟

 

الخيارات الجديدة التي أُتيحت للقارئ عبر الإنترنت وكان أبرزها «hypertext» (التي تشير إلى ارتباط النص برابط إلكتروني يمكن للقارئ بالنقر عليه أن ينتقل إلى صفحة أخرى) غيّرت في عادات القراءة أيضًا، وقدمت للقارئ المعلومات في شكل شجرة يمكن له التنقل بين فروعها، ونالت هي أيضًا قدرًا من أبحاث العلماء، وقُدمت دراسة أجراها باحثون بجامعة كارلتون في كندا عام 2005 حول أثر وجود hypertext في النص على العملية المعرفية لدى القارئ، واستنتجت أن هذا التغير الجديد يشتت انتباه القارئ بسبب تفكيره أثناء القراءة في الرابط الذي سيقوم بالضغط عليه، كما أن المقاطعة المستمرة تعوق القارئ عن استيعاب النص في شكل متكامل.

 

 

الكاتب الأمريكي «نيكولاس كار» المتخصص في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لاحظ أنه بدأ يفقد قدرته على التركيز وقراءة كتب طويلة بعمق، وطرح في كتابه «المياه الضحلة: كيف يؤثر الإنترنت في عقولنا» التغييرات التي تُحدثها القراءة عبر الإنترنت على المخ مع تعدد الخيارات وتنوع المصادر التي تختلط بالنص المكتوب من صور وفيديوهات التي تتسبب في تشتّت القارئ، وتُفقده القدرة على القراءة بعمق، كان كار يؤكد أننا جميعًا نفقد قدرتنا على قراءة الكتب ونفقد بذلك «إنسانيتنا»، وتساءل: هل جوجل يجعلنا أغبياء؟

استعان كار بعلم الأعصاب ليوضح أثر استخدام الإنترنت على المخ، في تجربة أُجريت على مجموعة لم يسبق لها استخدام الإنترنت، لاحظ الباحثون تغييرًا في قشرة الفص الجبهي، وهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرار وحل المشكلات، ينتج هذا من طبيعة القرارات التي نتخذها طوال الوقت على الإنترنت؛ أي إيميل نقرأ، من نتابع على فيس بوك أو تويتر، أي لينك نفتحه. لكن وبينما ينشط هذه الجزء من المخ، هناك جزء آخر يخبو وهو المسؤول عن تعزيز الأفكار ونقلها إلى الذاكرة طويلة المدى.

يؤكد كار أن الضحية الأولى لعدم قدرتنا على التركيز طويلًا بسبب اعتيادنا على طبيعة الإنترنت هي الكتب، وهذا يعني المساس بالثقافة الإنسانية التي تُبنى وتتشكل من خلال القراءة العميقة والتأمل، فلم تعد قراءة كتاب مثل الحرب والسلام وتذكرنا للأفكار التي جاءت فيه هي ما يشكل وعينا، وإنما البحث السريع عبر جوجل وويكيبيديا.

وجهة نظر أخرى.. تولستوي ليس مهمًا في عصرنا!

لكن الكاتب الأمريكي كلي شيركي المتخصص في الوسائط الرقمية بجامعة نيويورك طرح عام 2008 رأيًا آخر، إن عدم قراءتنا بعمق للكتب لا يعود لطبيعة القراءة عبر الشاشات، وإنما يعود لطبيعة بعض الكتب، الحرب والسلام مثلًا الذي قال «نيكولاس كار» إنه من الكتب التي كان الناس يقرأونها بعمق، وأعمال تولستوي الأخرى لم تعد تمثل في رأي القراء حاليًا أهمية بحيث يمنحونها ساعات من وقتهم، وهذا ما رجحه كتّاب آخرون رأوا أن كار قدم ملاحظاته في النهاية من خلال كتاب مطبوع، وتمت قراءته.

«الوسيلة هي الرسالة»

 

لكن ما طرحته دراسة «راكفيت أكرمان » و«موريس جولد سميث» حول الفرق بين التعلم من خلال الشاشة أو الورق كان مختلفًا، فقد قامت الدراسة باختبار استيعاب الطلاب لأحد النصوص؛ فعرضت على مجموعة من الطلاب النص مطبوعًا بينما عرضته على مجموعة ثانية من خلال لوح إلكتروني، كانت النتائج كما نتوقع فقد استوعبت المجموعة الأولى -التي قرأته مطبوعًا – النص أكثر، لكن الملاحظة التي خرجت بها الدراسة هو أن ذلك لا يعود لطبيعة الأداة نفسها، وإنما يعود لاعتقاد الطلاب بشأنها، فالقراءة الورقية ترتبط في أذهاننا جميعًا في الغالب بالتعلّم، بينما ترتبط القراءة عبر الشاشات بالقراءة السريعة للأخبار والبريد الإلكتروني ومنشورات مواقع التواصل الاجتماعي، لذلك قامت المجموعة الأولى بقراءة النص المطبوع بتأنٍ، واستوعبت جيدًا ما جاء فيه، بينما تعجّل طلاب المجموعة الثانية دون أن يُطلب منهم ذلك، فمروا على النص سريعًا، وبالتالي كان استيعابهم له أقل، فيما كان تأكيدًا لمقولة الكاتب الكندي مارشال ماكلوهان «الوسيلة هي الرسالة».

 

 

قارئ إيجابي

إن الحقيقة الأخرى أن القراءة عبر الشاشات، وما تتيحه لنا من فتح روابط ذات صلة، أو البحث عن معنى لكمة من خلال ويكيبيديا، أو التغريد بجملة من المقال الذي نقرؤه يجعلنا متفاعلين مع النص، ولم نعد مستهلكين سلبيين للمعلومات كما في السابق.

إن دراسات أخرى أكدت أننا نقرأ الآن أسرع مما مضى، وأكثر أيضًا، وهذا ما تؤكده إحصائيات حول تطبيق مثل Pocket الذي يقرأ المستخدمون من خلاله في أوقاتهم المستقطعة ما يضاعف كمّ قراءاتهم.

 

 

المحتوى هو الحكم

وعمومًا فإن الكاتب الأمريكي المتخصص في علوم الكمبيوتر ريموند كرزويل يقول إننا نفقد بالفعل أمام التطور التكنولوجي قدرات من دماغنا – تمامًا كما فقد أغلبنا قدراته الحسابية مع الاعتماد على الآلة الحاسبة- لكنه يؤكد أن قدرات أخرى تتطور بحيث تتكامل مع التكنولوجيا، ونصبح في المجمل أكثر ذكاءً، بالإضافة إلى ما يستتبع ذلك من تطور القدرات البيولوجية للعقل البشري.

ويبدو أن المحتوى – إلى جانب ذلك- يفرض نفسه بشكل كبير على كل الوسائل، فالمنافسة حاليًا بين المطبوع والإلكتروني، يحسمها في النهاية – في رأي البعض- تفضيل القارئ، وقدرة المحتوى على جذب انتباهه، فيقرأه أيًّا كانت الوسيلة.

المصادر

تحميل المزيد