فاطمة نادي 11
فاطمة نادي 11

598

خلال أيام قليلة فقط، يجتمع الصحفيون والمشترون، وغيرهم من الأشخاص المؤثرين من جميع أنحاء العالم في مكان واحد؛ لمشاهدة ما يعرضه المصممون من مجموعاتهم لموسم الخريف والشتاء، والحصول على النظرة الأولى على طراز وأشكال الأزياء التي ستحظى بشعبية في الموسم القادم. هذا المكان هو أسبوع الموضة في نيويورك، الذي يُقام مرتين فقط في السنة خلال شهري سبتمبر (أيلول) وفبراير (شباط)، ويُعد حدث الموضة الأكثر إثارة وتنوعًا وانتظارًا في المدينة الأمريكية، وبداية انطلاق أسابيع الموضة الأضخم في العالم.

لقد تطور أسبوع الموضة في نيويورك بشكل كبير عما كان عليه قبل 70 سنة ماضية، وتغيرت معه عروض الأزياء في جميع أنحاء العالم مع الزمن بشكل ملحوظ، فكيف بدأ كل هذا؟. متى كان أول عرض للأزياء، وأين جرت إقامته، وكيف انتشرت صناعة الموضة في جميع أنحاء العالم، وتطورت إلى الشكل الذي هي عليه الآن؟

البداية في باريس.. تشارلز وورث يفتتح أول بيت للأزياء

منذ قرون، كان الاهتمام بالموضة والأزياء يجذب اهتمام أغنى الرؤوس الإمبراطورية، وهكذا أصبحت لندن إحدى أوائل عواصم الموضة في العالم، تحديدًا في عصر الملكة إليزابيث. لاحقًا، اتجهت أنظار العالم إلى البلاط الملكي الفرنسي، حيث بدأ المفهوم الحديث للموضة بما تعنيه من ارتداء الملابس الفاخرة، التي تتطلب قواعد خياطة ثابتة وتجديد مستمر في تصميمها في القرن الثامن عشر، في عهد الملك الفرنسي لويس الرابع عشر.

بلغت ذروة الاهتمام بالموضة في العاصمة الفرنسية مع ظهور أول بيت للأزياء في عام 1858، وكان يُسمى «haute couture» والتي تعني الموضة الراقية، وقد أنشأه مصمم الأزياء الإنجليزي الفرنسي تشارلز فريدريك وورث. كان وورث يُقدم عروض الأزياء الخاصة لعملائه الأكثر ثراءً، ويعرض عليهم مجموعة مختارة مسبقًا من التصاميم الأصلية في باريس، ومن هنا ظهرت فكرة التشكيلة أو المجموعة الخاصة من الأزياء.

أيضًا فاجأ وورث زبائنه من خلال عرض ثيابه على نساء حقيقيات، وبذلك نشأت فكرة عارضات الأزياء، الذي يرجع إليه الفضل في تحويلها إلى مهنة عمل. وفي الثلاثين من عمره، كان وورث قد أصبح مصممًا متميزًا يملك مكانته واسمه في عالم الأزياء، ويمكن القول بأنه قد وضع المعيار الذهبي لصناعة الأزياء الراقية، وقد أدت مهاراته في الخياطة وتصميم الأزياء الفاخرة إلى ولادة العلامة التجارية «House of Worth»، التي لا تزال تُنتج أرقى الملابس والعطور إلى اليوم.

ومن ثمَّ بدأت ثقافة عروض الأزياء في الانتشار في العاصمة الفرنسية، وكان المسوقون يُوظفون النساء لارتِداء أزياء مُصممة في الأماكن العامة، من حلبات السباق إلى الصالونات، وأخذت هذه العروض تُصبح تدريجيًا أحداثًا اجتماعية خاصة. وبذلك؛ أصبحت الموضة الباريسية مرغوبة ومُفتتن بها، وظلَّت باريس في الطليعة حتى القرن العشرين بعدما جعلت مُصممات مبدعات مثل: كوكو شانيل، وإيف سان لوران العاصمة الفرنسية أهم مُدن الأزياء في العالم. ولا تزال باريس مركزًا لصناعة الأزياء الراقية وصناعة العطور حتى الآن، رغم سعي عديد من المدن الأخرى في منافستها باستمرار.

صُنع خصيصًا للرجال وليس النساء.. قصة ظهور الكعب العالي وتطوره

الحرب العالمية الثانية وانطلاق «أسبوع الموضة» في نيويورك

رأى التجار الأمريكيون عروض الأزياء التي تُقام في صالونات باريس الراقية، وقرروا استخدام الفكرة وبذلك؛ انتقلت عروض الأزياء من صالونات باريس إلى شوارع نيويورك. ويُعتقد أن أول عرض أزياء جرى إقامته في أمريكا كان في عام 1903، في متجر متخصص في مدينة نيويورك يُدعى «Ehrich Brothers».

كانت تلك العروض وسيلة فعالة للتسويق لمتاجر الأزياء، وتحسين وضع أصحابها، وبحلول عشرينيات القرن العشرين، كانت تُقام عروض الأزياء في جميع أنحاء أمريكا في المتاجر الكبرى والفنادق. نَظّم أصحاب المتاجر تلك العروض التي كانت كثيرًا ما تُقام في مطعم المتجر في وقت تناول الغداء أو الشاي، ولاقت عروضهم شعبية كبيرة حشدت لها آلاف الجماهير من الحشود الغفيرة.

حتى أربعينيات القرن العشرين، اعتمد مصممو الأزياء في أمريكا على ما يُشاهدونه من أزياء في العاصمة الفرنسية؛ من أجل نقلها إلى بلادهم واستلهام صيحات جديدة من الموضة. لكن بعدما نشبت الحرب العالمية الثانية، أصبحت نخبة صناعة الموضة في أمريكا غير قادرة على السفر إلى معارض باريس. نتيجة لذلك في عام 1943؛ قررت مصممة الأزياء إليانور لامبرت، التي كانت مديرةً صحفية لمعهد نيويورك للأزياء، جمع العروض التي تُقيمها متاجر الأزياء الأمريكية في عرض واحد، يُطلق عليه «أسبوع الصحافة»، وتجري إقامته في إطار زمني محدد.

وكما ذكرنا، فقد أطلقت إليانور عرض «أسبوع الصحافة» الأول، المعروف الآن باسم «أسبوع الموضة في نيويورك»، لتعزيز صناعة الأزياء الأمريكية، وجمع أكبر قدر من مصممي الأزياء المحليين، بعد احتلال النازيين لفرنسا وعدم القدرة على مُطالعة الموضة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية  

دعت إلينور وسائل الإعلام إلى «أسبوع الصحافة» في نيويورك، في محاولة فعالة لجمع أفضل المصممين وعرض أحدث الصيحات في مكان وتوقيت موحد، وتقديمها إلى الجمهور من خلال الصحافة. وكانت هذه فرصة للمصممين الأمريكيين لعرض ابتكاراتهم، واكتساب الاهتمام الدولي، وبالتالي تحويل الانتباه العالمي المنصب على باريس إليهم. وقد حقق «أسبوع الصحافة» نجاحًا كبيرًا؛ نتج منه ظهور مجلات متخصصة في عالم الأزياء، تُغطي أحدث أعمال أكبر عدد من المصممين الأمريكيين، مثل مجلة «Vogue» وغيرها.

وفي منتصف الخمسينيات من القرن العشرين، تغير اسم «أسبوع الصحافة» إلى «أسبوع الصحافة في نيويورك»، وكانت تُقام عروضه في مناطق متفرقة. تغيّر الوضع في عام 1993، عندما جرى دمج عروض أزياء نيويورك في مكان واحد لأول مرة، وأصبح يطلق على الحدث اسم «7th on 6th»، نسبةً إلى الشركة التي كانت تُدير فعالياته. وفي عام 2001، انتقلت إدارة الحدث إلى شركة «IMG»، وتغير اسم الحدث الأكبر للموضة في البلاد، إلى «أسبوع الموضة في نيويورك».

تجعلك جذابًا ولو لم تكن وسيمًا.. 5 فوائد لم تسمع عنها من قبل للقراءة

من باريس ونيويورك إلى لندن وميلانو.. عواصم الموضة العالمية الأربع

مع ظهور«أسبوع الموضة» وتطوره مع الوقت، نمت أهمية صناعة تصميم الأزياء في الولايات المتحدة. واستمرت إلينور في إحداث ثورة في الصناعة، عندما شكلت مجلسًا لمصممي الأزياء في أمريكا؛ الأمر الذي عزز مكانة الموضة باعتبارها فرعًا معترفًا به من فروع الفن والثقافة الأمريكية، ودعم نمو وانتشار الموضة الأمريكية في الاقتصاد العالمي.

استمر المصممون الأمريكيون في عرض مجموعاتهم مرتين في السنة خلال شهري سبتمبر (أيلول) وفبراير (شباط)، وأصبحت نيويورك ذات تأثير كبير في مجال الموضة العالمية. وأخذت صناعة الموضة والأزياء تنتشر وتتطور بسرعة أكبر خلال القرن العشرين، وظهرت مدن أخرى منافسة تُزاحم نيويورك في أوروبا، وتُشارك في تشكيل اتجاهات الموضة العالمية، مثل ميلانو الإيطالية التي بدأت أسبوع الموضة الخاصة بها في عام 1958، ولندن في عام 1984.

نظمت الغرفة الوطنية للأزياء الإيطالية أسبوع الموضة في ميلانو، في عام 1958، وضم مجموعة من ألمع المصممين الإيطاليين البارزين مثل دولتشي آند جابانا وجوتشي وفيرساتشي وبرادا. وقد لعبت إيطاليا دورًا هامًا في تاريخ الموضة؛ إذ كانت فلورنسا وروما وميلانو أكثر الوجهات المفضلة لعشاق الفن على مر القرون. أيضًا كانت النهضة الإيطالية ذات تأثير كبير على الموضة الأوروبية لفترة طويلة جدًا، ظهرت فيها ميلانو خلال القرن العشرين عاصمةً عالمية جديدة للموضة.

وفرت بيوت الأزياء الإيطالية خيارات من التصاميم الساحرة والعملية في الوقت نفسه لعشاق الموضة، في حين قدمت باريس المجموعات الأكثر تميزًا وثراءً. نظم اتحاد الموضة الفرنسي أسبوع الموضة في باريس، الذي بدأ فعالياته في عام 1973، عارضًا أحدث مجموعات صناع الموضة في العاصمة الفرنسية، بما في ذلك كبار المصممين الفرنسيين، مثل شانيل وجيفنشي وكريستيان ديور.

كذلك، شاركت لندن في السباق عندما نظم مجلس الأزياء البريطاني «أسبوع الموضة في لندن» في عام 1984، الذي يجمع خلال فعالياته أكثر من 5 آلاف ضيف من المدعوين من الصحافة، والمشترين، وتتجاوز تغطيته معظم الأخبار الكبرى، والأحداث الرياضية في جميع أنحاء العالم.

وحاليًا، تُقام أسابيع الموضة الأربع تباعًا على التوالي، إذ يبدأ أولًا «أسبوع الموضة في نيويورك» في شهر فبراير (شباط)، يليه مباشرةً أسبوع لندن، ثم أسبوع ميلانو، وأخيرًا يستضيف أسبوع باريس خاتمة أسابيع الموضة الكبار الأربع، ويعرض أرقى تشكيلات الأزياء التي لا يُسمح بعرضها إلا في باريس، إلى جانب مجموعات جاهزة للارتداء خلال عروض الأسبوع.

هذه السلعة هي أكبر مؤشر على الثراء.. كم ساعةً من العمل تحتاجها لتشتريها؟

أسبوع الموضة العربي.. عواصم عربية تُساهم في صناعة الموضة العالمية

وفي العالم العربي، برزت دور أزياء ذات معايير عالمية، وظهرت عديد من المواهب الشابة في عالم الأزياء، التي ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي على انتشارها. وتُعد دبي من أكبر عواصم الموضة العربية؛ حيث يُقام فيها أهم الأحداث الخاصة بالأزياء، التي من أبرزها «أسبوع الموضة العربي».

في عام 2015، اقترح ماريو بوسيلي، الرئيس الفخري لإحدى الشركات المساهمة في تنفيذ أسبوع الموضة في ميلانو، فكرة إقامة أسبوع للموضة العربي بمستوى أسابيع الموضة في أهم عواصم الموضة العالمية. وبالفعل، تحققت هذه الفكرة، وجرى تنفيذ حدث «أسبوع الموضة العربي»، الذي أُقيم بدبي للمرة الأولى في عام 2015. وقد شارك فيه مصممو أزياء ومبدعون من الوطن العربي ومن العالم، ولاقى هذا الحدث نجاحًا كبيرًا؛ ما دفعهم لإقامته بشكل دوري.

يُقام أسبوع الموضة العربي مرّتين في السنة، ويشكّل المنصة الأولى والوحيدة في العالم لعرض موضة موسم ما قبل الخريف، بالإضافة إلى مجموعات مميزة من الملابس الجاهزة، من تصميم أرقى مصممي الأزياء العالميين والمحليين.

علاوة على ذلك، انطلق «أسبوع الموضة العربي» في الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية، التي تشهد إصلاحات اجتماعية كبيرة، ضمن سلسلة بوادر الانفتاح الاجتماعي التي تشهدها المملكة، منذ تعيين الأمير الشاب محمد بن سلمان وليًا للعهد، والتي منها السماح للمرأة بقيادة السيارة، وفتح دور السينما، وإقامة حفلات غنائية.

وفي خطوة تاريخية جديدة، استضافت الرياض للمرة الأولى «أسبوع الموضة العربي»، الذي كانت تنظمه دبي عادةً، في فندق «ريتز كارلتون» في الفترة بين 26 و31 مارس (آذار) عام 2018 الجاري. وقد شارك في الحدث عدد من كبار المصممين العالميين، مثل الفرنسي جان بول غوتييه، والإيطالي روبرتو كافالي، إلى جانب مصممين محليين مثل السعودية أروى البناوي، التي تلقى تصاميمها رواجًا في المنطقة، وتحمل مجموعتها اسم «سوتابل ومان».

جاء ذلك بعد افتتاح المكتب الإقليمي لمجلس الأزياء العربي في الرياض، الذي شغلت الأميرة نورة بنت فيصل آل سعود منصب الرئيسة الفخرية له. وقد صرحت الأميرة للحدث المقام بحضور كثير من المسؤولين في أوساط الموضة عن اهتمام المملكة بالموضة، وسعيها إلى تحويل قطاع الأزياء والتجزئة إلى مقصد إقليمي وعالمي، من خلال تشجيع التبادل التجاري العالمي بما يتوافق مع رؤية المملكة المستقبلية.

ومن المقرر إقامة هذا الحدث مرة ثانية في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، في حين واصلت دبي استضافة نسختها من «أسبوع الموضة العربي»، الذي أُقيم في مايو (آيار) الماضي