حين يُحكى التاريخ لمن لم يكن شاهدًا على العصر، فإنه غالبًا ما يسمعُ من الراوي عن الأحداث وفق سياقاتها الظاهرية المُعلنة فقط، لكن أحدًا لن يخبرنا عن الدوافع والأسباب التي جعلت البطل يختار ذاك الطريقُ ويتجاهل آخر. والأسطورة العربية تقول مثلًا: إنّ الملك فيصل بن عبد العزيز عقب قيام حرب أكتوبر (تشرين الثاني) 1973 أعلن حظر تصدير النفط لأوروبا والولايات المتحدة، لكنّ الوثائق المُسربة – إن صَحّتْ – تُظهر لنا الوجه الآخر للتاريخ؛ فالقرار لم يكن بدافع المبادئ وحسب؛ لأنّ فيصل كان مستاءً من قيام الحرب، وخائفًا من تدهور علاقاته مع الأمريكيين، ورغم أنه كان بطل استخدام النفط كـ«سلاح» اقتصاديّ، إلا أنه كان فعليًا ضمن الرافضين لذلك القرار، لكنه وقتها لم يكن ليُخالف الرأي العام العربي.

وبعيدًا عن التاريخ السري، فإن الدول العربية التي سارعت بالتطبيع مع إسرائيل لاحقًا، لازالت حتى الآن تُعاير إيران بأنها ثاني دولة إسلامية – بعد تركيا – تعترفُ بإسرائيل دولةً ذات سيادة، والمثيرُ أنّ الدوافع والأسباب التي جعلت طهران تطلب صداقة تل أبيب في عهد الشاه، هي نفسها التي أجبرت الرياض على التقارب مع إسرائيل.

التقرير التالي يمزجُ التاريخ الإيراني بواقع السياسية السعودية الحالية من خلال أربعة أحداث تاريخية مشتركة، توضح لك كيف سارت السعودية على خُطا إيران وتقاربت مع إسرائيل.

1- إسرائيل.. صديقة الشاه وعدوة السعودية «سابقًا»

تروّج السعودية إلى أنّ تقاربها مع إسرائيل يأتي لأنّ عدوهما مشترك.. وهكذا فعلتْ إيرانُ في الماضي.

قبل نحو نصفِ قرنٍ أو أكثر من الزمان، لم تكن الدول العربية قد حصلت على استقلالها بعد، مدفوعة بالجانب الديني والوطنيّ لخوض معركة ضد الاستعمار، وقد كان النظام السياسي الإيراني في ذلك الوقت ملكيًا يدينُ للملك بالطاعة والولاء المُطلق، ومثّلت السُلطة الدينية المرجع الأول النافذ لحياة الجماهير والمؤثر فيهم، ورغم الاختلاف المذهبي بين الفريقين السُنّي والشيعي، إلا أنّ عداوة إسرائيل جمعت كل الدول الإسلامية في صفّ واحد، ولم تكن الدوافع السياسية قد ظهرت بعد.

 كانت إيران – شأنها شأن الدول العربية – ترفضُ قيام دولة إسرائيلية؛ فصوتت في الأمم المتحدة ضد خطة تقسيم فلسطين، ثم سددت طعنة أخرى لتل أبيب؛ فصوتت ضد انضمام إسرائيل للأمم المتحدة، لكنّ المفجأة أنّ الشاه محمد رضا بهلوي – الذي اتخذ تلك القرارات – هو نفسه الذي اعترف بإسرائيل بعد ذلك عام 1950، كثاني دولة إسلامية بعد تركيا تعترف بإسرائيل، لكنّ الدوافع لتحويل المسار كانت كثيرة؛ فالنظام الملكي الإيراني أصبح في عداء مع الحجاز منذ عهد الشاه الأب، وإيران في ذلك الوقت لم ترغب في صداقة الدولة التي تنتهج المذهب الوهابي المتشدد، لذا كُتبت على جوازات السفر الإيرانية عبارة: «يُسمح لحامل هذا الجواز بزيارة جميع الدول ما عدا الحجاز».

لذا فالعداء السُني لإسرائيل ولإيران، خلق صداقة حتمية بين طهران وتل أبيب، ورغم أنّ السعودية عقب تأسيسها عام 1927 سعت لافتتاح سفارة لها في إيران، إلا أنّ العلاقات ما لبثت أنّ تدهورت عام 1943 عقب قيام السعودية بإعدام حاج إيراني، وجاءت الرواية الرسمية بسبب «رمي القاذورات على الكعبة وسبّ النبي والصحابة»، وكان لهذه الحادثة بُعد آخر، فالإيرانيون تحوّلوا في علاقاتهم مع إسرائيل من السرية إلى العلنية بضغطٍ أمريكي وخوفٍ عربي، ورغم تقارب طهران مع تل أبيب، إلا أنها حافظت على موقفها من القضية الفلسطينية، واستفادت من الامتيازات السياسية والاقتصادية التي حصدتها فيما بعد كدعمٍ سياسي أمريكي مُطلق لنظام الشاه السُلطوي، وتفوق عسكري ملحوظ بمساعدة إسرائيلية، وهكذا ساهمت السعودية تاريخيًا – بشكل غير مباشر – في التقارب الإسرائيلي الإيراني.

والتاريخُ يُعيد نفسه مرة أخرى، حين يصبغ أدوارًا جديدة لنفس تلك الدول، فإيران حاليًا ساهمت في التقارب السعودي الإسرائيلي ودفعه نحو العلانية، وتكادُ تكون الأسباب نفسها: فبينما كانت السلفية الوهابية، والكراهية العربية لإسرائيل، وللمذهب الشيعي على السواء، هي السبب في تحالف ثُنائي الشر – كما اعتبرتهم الدول العربية في ذلك الوقت – كان الخوف من المدّ الشيعي، واتفاق وجهات النظر بين المملكة وإسرائيل حول عدة قضايا، منها ضرور ة تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا والعراق ولبنان واليمن، إضافة إلى دعم إيران لحركة «حماس» التي تعتبرها كل من المملكة وإسرائيل حركة إرهابية، كما أنّ كلتا الدولتين لديهما موقف عدائي من قطر باعتبارها راعية لجماعة «الإخوان المسلمين» ولحركة حماس، وبعدما تنازلت مصر للسعودية عن جزيرتي تيران وصنافير، أصبحت هناك حدودٌ مشتركة لا يمكن تجاهلها، بخلاف الزيارات السرية، والتصريحات العلنية.

يقول وزير الدفاع الإسرائيلي في هذا الصدد: «إيران هدفها تقويض السعودية.. الانقسام الحقيقي ليس بين اليهود والمسلمين، ولكن بين المعتدلين في مواجهة المتطرفين»، تلك الجبهة الجديدة جعلت وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، يمتنع عن إدانة الاحتلال الإسرائيلي في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقل السفارة الأمريكيّة في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، واعتراف الولايات المتّحدة بالقدس عاصمة للاحتلال، لم تنتفض السعودية، حتى أنّها لم تدع لعقد قمةٍ عربيةٍ استثنائية. المثير أنّ ولي العهد السعودي حين ظهر في برنامج «60 دقيقة» الأمريكي لم يعترض على قرار نقل السفارة الأمريكية، وبدلًا عن ذلك قال: «نحاول التركيز على الجهود التي تعزز السلام بين الجميع. نحن لا نحاول التركيز على أي شيء قد يخلق التوتر».

ويبدو عدم تصعيد الرياض ضد واشنطن وتل أبيب بسبب موقفهما من القضية الفلسطينية، هي نفس السياسات البراجماتية التي اتخذها الشاه الإيراني سابقًا للحفاظ على نفوذه في المنطقة.

2- الولايات المتحدة.. حليفها حليفُ إسرائيل بالضرورة

كانت إيران في عهد الشاه الحليف الاستراتيجي لواشنطن في الشرق الأوسط وهو ما تبعته صداقه حتمية مع تل بيب.

في عهد الشاه رضا بهلوي، نشبت الحرب العالمية الثانية، وسعت إيران لإعلان الحياد، لكنها فعليًا أبدت تعاطفًا مع الزعيم النازي هتلر؛ مما أدى لغضب بريطانيا والاتحاد السوفييتي، الذين سرعان ما احتلوا طهران عام 1941 خوفًا على مصالحهم الاقتصادية المتمثلة في حقول النفط، وانتهت الأزمة بخلع الشاه وتنصيب ابنه محمد رضا بهلوي، لتبدأ صفحة جديدة من التبعية الأمريكية، ففتح الشاه بلاده لواشنطن، وسمح ببناء القواعد العسكرية للتجسس على السوفيت ومنع احتلال بلاده مرة أخرى، كما أنه غامر بإغضاب الشعب حين سنّ قانون «الحصانة القضائية» الذي يعفى بموجبه الأجانب من المساؤلة القانونية على أرض إيران حتى لو ارتكبوا جرائم، والنتيجة أنّ رجل أمريكا القوي في الشرق الأوسط أصبح يُلقب      بـ«شرطي الخليج».

Embed from Getty Images

عقب انتهاء الفترة الرئاسية للرئيس الأمريكي باراك أوباما، أظهرت السعودية استعدادًا مُبكرًا لإرضاء ترامب منذ حملته الانتخابية التي وصف فيها السعودية بـ«البقرة التي يجب حلبها حتى تجف»، وعقب فوز الرئيس الحالي، سافر الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن في مهمة «إعادة العلاقات» مع الإدارة الأمريكية، بعد الخسائر التي تكبدتها المملكة في فترة أوباما من أجل إعادتها لدور الحليف الاستراتيجي، وكانت أبرز نقاط الاتفاق بين الرياض والإدارة الجديدة هي رفض الملف النووي الإيراني، والدعوة للانخراط بقوة في قضايا الشرق الأوسط وأبرزها حرب اليمن وسوريا، وكان ترامب مُستعدًا للصداقة قائلًا: «نحن حقًا نريدُ أن ندعم المملكة السعودية، ولكنها سوف تضطر إلى مساعدتنا»، وهو ما فتح بابًا كبيرًا من التنازلات.

في عام 1953 كان «شرطي الخليج» يواجه مُعارضة كبيرة من رئيس وزرائه المحبوب جماهيريًا، محمد مُصدّق، الذي سعى لتأميم قطاع النفط؛ إذ كان رجلًا يتبنى الأفكار القومية ضد الملكية، وعندما تحدى الشاه بقراره الشعبي، عزله الأخير، إلا أنّ المظاهرات الشعبية كانت أقوى من إرادة محمد رضا بهلوي، فعاد «مصدق» إلى منصبه؛ ليقرّر الشاه الاستغاثة بواشنطن التي اتفقت مع بريطانيا على إزاحة رئيس الوزراء عبر انقلابٍ عسكري عُرف باسم العملية «أجاكس».

خدمة أخرى قدمتها الولايات المتحدة للشاه، فـ«الموساد» الإسرائيلي و«وكالة المخابرات الأمريكية» أسستا جهاز المخابرات السرية «السافاك» الذي كانت مهمته الأولى الحفاظ على العرش، واعتمد على أحدث الأجهزة الالكترونية، وآخر الصناعات التكنولوجية، وجرى تدريب العملاء على يد الاستخبارات الإسرائيلية، وبلغ عدد الخبراء اليهود عام 1976، نحو 500 خبير، بالإضافة إلى مستشارين عسكريين أمريكيين لمراقبة الأوضاع بهدف الحفاظ على مصالح أمريكا، وبينما توطدت العلاقات مع واشنطن، برزت صداقة حتمية بين النظام الإيراني والإسرائيلي، فسمح الشاه بإنشاء مكتب تجاري إسرائيلي في طهران، كما أرسلت إيران بعثة دبلوماسية إلى تل أبيب عام 1949، وهنا برزت الدوافع التاريخية التي جعلت ثاني دولة إسلامية تعترفُ بإسرائيل.

بعد ثورات الربيع العربي، تراجعت حالة العداء بين الأنظمة العربية وبين إسرائيل، وفي عام 2012 تعرّضت شركة أرامكو النفطية لهجومٍ إلكتروني اعتبر الأكثر تدميرًا في تاريخها؛ إذ سيطرت برمجة خبيثة على نحو 30 ألف جهاز كومبيوتر مملوك للشركة؛ بهدف تدفق إنتاج النفط والغاز، والاستيلاء على وثائق سرية بهدف نشرها لاحقًا، ونتيجة لحالة الشلل التام توقفت الشبكة الداخلية أسبوعًا كاملًا، وفجأة أعلنت السعودية إحباط الاختراق، لكنّ الحقيقة أنّ المملكة طلبت مساعدة شركات التقنية العالمية ومن بينها إسرائيل، لكنها لم تكن المرة الأولى ولا الأخيرة؛ فالمملكة استعانت بشركات إسرائيلية لفلترة التهديدات الأمنية لاصطياد الجهاديين، وهو ما يوضح أنّ دافع التقارب جاء للاحتياج قبل التبعية السياسية بسبب الصداقة مع واشنطن.

مع وصول دونالد ترامب إلى الحكم، عادت السعودية مرة أخرى إلى العلاقات الأمريكيّة القويّة مع السعودية إلى الواجهة، لكنّ التنازلات كانت تاريخية؛ فالرئيس الأمريكي يحلم بتحقيق السلام بين إسرائيل وفلسطين، لكنّ الخريطة الآن دفعت السعودية لتحطيم أسطورة الملك فيصل: من العداء التاريخي الظاهري لإسرائيل؛ فكلٌّ من تل أبيب والرياض ترى في ترامب حليفًا أفضل من سابقيه، إضافة للخوف المشترك من النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، إضافة إلى أنّ هناك رؤية سعودية لأول مرة لمخالفة الثوابت وإعلان التطبيع، ولكي تصبح الرياض الحليف الاستراتيجي عليها أن تتقارب مع إسرائيل، مثلما فعلت إيران قديمًا.

3- الصراع على النفط.. العداء ليس دينيًا فقط

برزت إيران في القرن الماضي باعتبارها مطمعًا كبيرًا للدول الكبرى بسبب استحواذ أراضيها على كميات كبيرة من النفط، وبعدما كان حكرًا على البريطانيين في الماضي، أصبح للولايات المتحدة حصة كبيرة من الذهب الأسود، بعدما أعطى الشاه محمد رضا بهلوي للأمريكان صلاحيات كبيرة لهم في الحياة السياسية والاقتصادية، ومع ارتفاع أسعار النفط تزامنًا مع التحديث العسكري والاستخباراتي الذي ساعدت إسرائيل به إيران، برزت إيران باعتبارها قوة كُبرى في الشرق الأوسط، تخافها الدول العربية، وعلى رأسها السعودية.

بعدما استشعر المجتمع الإيراني أنّ دولته أصبحت مؤثرة إقليميًا، طالب في الخمسينات بتأميم صناعة النفط، وهي الحملة التي قادها رئيس الوزراء محمد مصدق، وأدت إلى عزله في النهاية بتدخل أمريكي خوفًا من قيام إيران بمنع النفط عن الأوروبيين. وفي تلك الأثناء كانت السعودية قد بدأت تبرز كإحدى الدول الهامة المنتجة للنفط، والتي تسعى للحصول على رضا الولايات المتحدة عبر «شركة الزيوت العربية الأمريكية» التي أصبحت فيما بعد «أرامكو»، ونافست الشركة إيران؛ فأسست عام 1950 خطّ الأنابيب عبر البلاد العربية الذي اعتبر أطول خط أنابيب في العالم، ربط  المملكة بالبحر الأبيض المتوسط، وأسهم بشكلٍ كبير في اختصار وقت وتكلفة تصدير النفط إلى أوروبا.

وخلال الحروب التي خاضتها إسرائيل على الدول العربية: العدوان الثلاثي 1956، وحرب الأيام الستة 1967، وحرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، زودت إيران إسرائيل بجزءٍ كبير من احتياجاتها النفطية، وعقب قرار الملك فيصل حظر تصدير النفط العربي، تم شحن النفط الإيراني إلى الأسواق الأوروبية عبر خط أنابيب مشترك بين إسرائيل وإيران، بأزيد من ثمنه بأربعة أضعاف.

ورغم أنّ السعودية دخلت في صدامٍ مباشر مع إسرائيل خلال السنوات التي تلت الحرب، إلا أنّ حرصها على علاقتها مع واشنطن من جهة، وخوفها من ابتلاع إيران السوق النفطي من جهة أخرى روّض كثيرًا من سياساتها العدائية، ما بدا أنّ إسرائيل لا ترغبُ في إيذاء أصدقاء أصدقائها، حتى ولو كانوا أعداءً لها، بحسب ما جاء بوثائقُ «ويكيليكس» في الحديث عن النفط والحرب والعلاقات الأمريكية.

صراع النفط وتقارب وجهات النظر بين السعودية وإسرائيل، يظهرُ على بُعد عدّة كيلو مترات شمال العراق؛ فإقليم كردستان الذي يسعى لانفصال بدعمٍ سعودي وصهيوني لافت للنظر على السواء، فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتياهو عبّر بوضوح عن مطامع بلاده في الأقليم الكردي قائلًا: «مسألة وقت حتى يُعاد تدفّق النفط العراقي إلى البحر المتوسّط»، وتعتبر إسرائيل هي أكبر مستورد للنفط الخام من إقليم كردستان، لذا فهي تؤيد الانفصال لعدة أسباب تتفق فيها مع السعودية: عدم سيطرة إيران على منابع النفط العراقية، كما أنّ قيام دولة كردية سيخفف من المطامع التركية والإيرانية، وهكذا بعدما كان النفط يُقرِّب بين إسرائيل وإيران في الماضي، صار من أسباب التطبيع المباشر بين الرياض وتل أبيب.

4- قومية عبد الناصر والربيع العربي.. هكذا تغيّرت قواعد اللُعبة

تقاربت إيران مع إسرائيل خوفًا من قومية عبد الناصر.. ثم تقاربت السعودية وإسرائيل لاحقًا خوفًا من الربيع العربي والمدّ الشيعي

أحد الأسباب التي جمعت إسرائيل ونظام الشاه الإيراني في الماضي، كان وجود مصالح مشتركة، وعدوّ واحد يُطاردهما على السواء؛ فالقومية العربية، وموجة التحرر الثوري، ومعاداة الولايات المتحدة والمعسكر الغربيّ، كون خطرًا وجوديًا يُهدد النظام الملكي في إيران، والوجود الإسرائيلي في فلسطين، إضافة إلى أنّ القومية في ذلك الوقت كانت حليفةً للسوفيت، وهو ما يضرُّ بقوّة بمصالح واشنطن وحلفائها في المنطقة، في ظلّ بزوغ تيّارات شعبية وسياسية داخل تلك البلدان؛ فرئيس الوزراء الإيراني مصدّق دافع بقوّة عن القومية، وأنصار عبد الناصر شجّعوا قطع العلاقات مع الولايات المتحدة، وإبادة إسرائيل، لذا كان الخطر المشترك هو الدافع الأول للصداقة التي تطورت لاحقًا إلى شراكة تجارية وعسكرية واستراتيجية.

وبعدما أسقطت الثورات العربية أنظمةً عتيَّة، كانت ممالك الخليج الثرية تهتز بقوةٍ خوفًا من سقوط «السلالة الحاكمة»، وعلى رأسها السعودية التي تشهد حراكًا سياسيًا منذ الثمانينات، ومع بروز معطيات جديدة على الساحة، أجبرت الجميع على انتهاج سياساتٍ جديدة، أبرزها التطبيع العلني مع إسرائيل الذي جاء لعدة أسباب، أبرزها المواقف المشتركة حول الربيع العربي، إضافة إلى اتفاق وجهات النظر حول عدة قضايا، منها ضرورة تحجيم النفوذ الإيراني في سوريا والعراق، وخطورة الإسلام السياسي، إضافةً إلى أن كلتا الدولتين صديقتان بارزتان لواشنطن في الشرق الأوسط، وهكذا تكرّر التاريخ مرة أخرى.

وبينما استفادت إيران في الماضي من التحديث العسكري الإسرائيلي لجيشها، فإن السعودية – بحسب أنباء لم يتسنّ لـ«ساسة بوست» التأكُّد منها – تعتزم شراء النظام الدفاعي الإسرائيلي المتطور «القبَّة الحديدية» أو إنتاج نسخة منه، كي تتمكَّن الرياض من مواجهة الصواريخ التي يطلقها الحوثيون على المملكة يوميًا، والتي تُتّهم إيران بتزويد الحوثيين بها، وهكذا سارت السعودية على خُطا إيران، فصديق الأمس صار عدوّ اليوم، والعكس صحيح.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد