21,558

قد تظنّ أن الحرب والجنس لا يمكن ضمُّهما في عنوانٍ واحد، أو تتخيّل أن السياسيين ليس لديهم وقتٌ للمتعة ولا يفكرون في الجنس، ولكن ما يخبرنا به التاريخ أنه دائمًا ما كان الجنس مرتبطًا بالسياسة والحروب، ويسير معهما جنبًا إلى جنب، سواء من خلال استخدامه سلاحًا، أو أداة ضغط سياسي في الحروب، أو مجرد طعم من أجل تحقيق أجندات سياسية، ومن خلال هذا التقرير سنعرض أكثر من مثال يربط بين الجنس والحرب والسياسة.

الحرب العالمية الأولى.. الجنس سلاح لشد أزر الجنود

وقت الحرب، حين ينغمس العديد من الرجال في قتال قد يقودهم للموت، وهم بعيدون عن وطنهم وأهلهم، يكونون في أشد الحاجة للصحبة النسائية أكثر من ممارسة الجنس نفسه، هكذا أوضح أحد الجنرالات الفرنسيين المشاركين في الحرب العالمية الأولى في كتابه «جنود وعاهرات»، مؤكدًا أن بيوت الدعارة والحروب شيئان متلازمان لا يمكن فصلهما.

ولهذا ازدهرت تجارة الجنس وبيوت الدعارة وقت الحرب العالمية الأولى، حين حرص القوادون على تواجد بيوت الدعارة بالقرب من الخطوط الأمامية لساحة المعركة، وفي القرى والبلدات الصغيرة المجاورة، ولكن انتشار بيوت الدعارة دون مشرفين أو مراقبين كان له تأثير سلبي على صحة الرجال، وأصيب ما يقرب من 30% من رجال الجيش بأمراض جنسية مثل الزهري، بالإضافة إلى الرجال المدنيين المترددين على نفس بيوت الدعارة.

أينما وجد الجنود، يهرع القوادون إليهم. *من مقال عن الجنس والحرب العالمية الأولى لمراسلة فرانس 24.

مرض جنود الجيش الفرنسي أثار حفيظة أطباء الجيش، وبدأت رحلة العلاج واتخاذ القرارات المصيرية في عام 1915، ولم تجد الحكومة الفرنسية إغلاق بيوت الدعارة حلًا مثاليًا نظرًا لحاجة رجال الجيش لتلك المتعة، ولحظات الراحة المسروقة من حصار الحرب، ولذلك قررت الحكومة الفرنسية الإشراف على بيوت الدعارة الموجودة بالفعل، بالإضافة إلى إنشاء بيوت دعارة تملكها الدولة، حيث تعمل فتاة الليل موظفة حكومية مهنتها منح الراحة والاسترخاء للجندي الفرنسي المحارب، وسميت تلك المشاريع بـ«الحملة العسكرية لبيوت الدعارة».

وليام ورينيه.. قصة حب داخل «مايسون توليري» للدعارة

خلال الحرب العالمية الأولى أيضًا، فتحت بيوت الدعارة الفرنسية أبوابها للجنود الفرنسيين كما ذكرنا، وجنود حلفائها أيضًا من بريطانيا، وكانت تلك البيوت لبعض الجنود هي مهربًا نفسيًا أكثر من كونها بيوتًا يُباع فيها الجنس، ولم تمارس جميع النساء العاملات في بيوت الدعارة الجنس مع الضباط رغمًا عنهن، بل كان هناك أحيانًا أكثر من قصة حب بين الجنود وفتيات الليل.

في عام 2014 نشرت الإندبندنت بعض الصور التي أكدت وجود علاقة حب «بريئة» كما وصفتها الجريدة، بين أحد الجنود البريطانيين وفتاة ليل فرنسية من بيت دعارة كان شهيرًا في ذاك الوقت ويدعى «مايسون توليري».

وكان الجندي العجوز يخفي تلك الصور عن أبنائه وأحفادة مع حزنه على تلك القصة التي رفضت أسرته أن يكللها بالزواج، وانفردت الإندبندنت بنشر تلك الصور والتي قالت عنها كلير ماكبيس المؤرخة البريطانية:

«تلك الصور اكتشاف رائع، ظل مخفيًا عنا أعوامًا عديدة، وظهر ليطلعنا على طبيعة الحياة فيما وراء الحرب والقصف والذبح» وذلك لأنه عادة ما يتجاهل كُتاب التاريخ الحياة الجنسية للجنود أثناء الحروب، على الرغم – تؤكد كلير – من ضرورة إلقاء الضوء على الدور الجوهري الذي قام به الجنس في حياة الجنود المحاربين في الحرب العالمية الأولى.

الحرب العالمية الثانية.. بيوت دعارة أم محطات وقود جنسي للجنود؟

أخبرونا أننا في مخيم للدعارة، وأننا محظوظون، وسنجد ما يكفي من الطعام والشراب، وسنكون في أمان طالما نفذنا الأوامر دون إثارة أي مشاكل. *تصريح لناجية من بيوت الدعارة النازية.

أثناء الحرب العالمية الثانية، أسست النازية بيوت الدعارة العسكرية الألمانية في جميع أنحاء أوروبا المحتلة، وبحلول عام 1942 كانت ألمانيا تملك ما يزيد عن 500 بيت دعارة داخل الفنادق والمنازل المُصادرة وبحراسة مسلحة من جنود النازية. تم تأسيس تلك البيوت من أجل العمل على راحة الجنود المسافرين خلال ضغوطات الحرب وبشاعتها، حتى أطلق على تلك البيوت اسم «نساء الراحة»، ولكن على الجانب الآخر لم تكن هذه البيوت راحة للنساء أنفسهن، فقد أرغمت ما يقرب من 35 ألف امرأة أوروبية على ممارسة الجنس مع الجنود في تلك البيوت، ما بين نساء سجينات أو نساء تورطن في اشتباكات مع قوات الجيوش الألمانية.

ولم يقتصر الأمر على فتيات الليل فقط، فقد حفلت تلك البيوت بالكثير من النسوة اللاتي مارسن البغاء للمرة الأولى في حياتهن، وتم استخدامهن سلاحًا للحرب؛ يعمل على زيادة ثقة رجال الجيش في أنفسهم وفي رجولتهم، وإمدادهم بالراحة والاسترخاء.

ولأن الاسترخاء لم يكن من نصيب تلك النسوة، كانت محاولات النساء العاملات ببيوت الدعارة الألمانية للهروب كثيرة ومتعددة، وقد وثق الإعلام محاولة هروب تمت عام 1941 لمجموعة من النساء البولنديات العاملات بأحد بيوت الدعارة بالنرويج، حين لجأن لإحدى الكنائس التي قامت بحمايتهن، بينما كان العاملون على تلك البيوت يطلقون سراح المرأة التي يثبت حملها، ولكنها في الوقت ذاته لا تستطيع أن تعود إلى أسرتها، نظرًا لشعورها بالإثم والخجل، لتصبح مشردة هي وطفلها المنتظر.

إرغام النساء على ممارسة الجنس مع جنود العسكرية أوقات الحرب لم يتوقف عند النازيين، حيث جرت تلك العادة في جميع أنحاء البلاد التي تتواجد بها قواعد عسكرية وجنود في حاجة للدعم الجنسي، وتعتبر قاعدة الجيش الأمريكي في كوريا الجنوبية خير مثال، لما أثير في عام 2014 حول تجنيد الأمريكيين النساء رغمًا عنهن لأغراض جنسية خلال الحرب، حين طالبت ما يزيد عن 100 امرأة كورية؛ الحكومة الأمريكية بتعويضات قدرها 10 آلاف دولار لكل واحدة منهن؛ نظير ما تكبدنه من عناء في ذاك الوقت.

وأكدت إحداهن للإعلام أن سلطات البلاد التابعين لها كانوا يسهلون الاتّجار بالنساء في بيوت الدعارة عملًا على راحة الجنود الأمريكيين. وكشفت الإندبندنت الشهر الماضي عن صور نادرة لنساء من جنوب كوريا يعاين من أجل تشغيلهن في أحد بيوت الدعارة أو ليصبحن من «نساء الراحة».

«امرأة مثلي كانت التضحية الكبرى للتحالف بين بلدي والولايات المتحدة الأمريكية، عندما أعود بالذاكرة لوقت الحرب، أشعر أن جسدي ليس ملكي، بل ملك الجيش الأمريكي»، من حديث إحدى فتيات الليل التي عملت من أجل راحة الجيش الأمريكي في الحرب العالمية الثانية، مؤكدة أن مهمة النساء في ذاك الوقت لم تتوقف عند الأعمال المنزلية المعتادة، بل كانت ممارسة الجنس مع جنود قوات الجيش الأمريكي؛ من أهم المهام الموكلة إليهن، من أجل – كما صرحت – إسعاد الجنود بالدرجة التي تمنحهم القدرة على مواصلة الحرب والقتال.

كان هناك العديد من التحفظات حول تواجد ضباط الجيش الأمريكي في كوريا وتفاعلهم مع النساء الكوريات، خاصة وأن الجندي الأمريكي وقت الحرب العالمية الثانية كان يرى وجوده في كوريا غزوًا، ما يسمح له بممارسة الجنس مع الكوريات الأحرار كغنيمة حرب.

استطاعت السلطات الأمريكية أن تمنع جنود الجيش الأمريكي عن نساء كوريا، باستثناء فتيات الليل منهن، مما أصاب العديد من الجنود الأمريكان بالأمراض التناسلية، واستشعرت القيادة العسكرية الأمريكية ضرورة التدخل في إدارة بيوت الدعارة حتى يتابع الأطباء الأمريكان سلامة صحة فتيات الليل حفاظًا على صحة الجندي الأمريكي، وخلال عامي 1947 و1948 فحص الأطباء التابعون للجيش الأمريكي ما يزيد عن 15 ألف امرأة من كوريا من أجل العمل في بيوت الدعارة بشكل رسمي تحت إشراف الجيش الأمريكي.

اقرأ أيضًا: كيف يمكن أن يغير «تعليم النساء» العالم؟

«التطهير العرقي».. كيف أصبح اغتصاب المرأة أداة للضغط السياسي؟!

الاغتصاب والاعتداء الجنسي على المرأة، لم يعد من نتائج الحرب الثانوية، بل أصبح استراتيجية عسكرية معتمدة، وجسد المرأة أصبح جزءًا أساسيًا من الصراعات السياسية، هذا وفقًا لتقرير صادر عن منظمة العفو الدولية والتي أكدت أن استخدام الاغتصاب سلاحًا للحرب أصبح أداة قتالية مدبرة، وأشار التقرير إلى عمليات الاغتصاب الممنهجة للنساء أثناء حرب كرواتيا والبوسنة والهرسك خلال أعوام 1991 و1995. حين تم اغتصاب 20 ألف فتاة من البوسنة كما ورد في تقرير اليونيسيف.

تلك العمليات التي كان لها أثر نفسي سلبي على النساء، اللاتي أصبن بأمراض نفسية تصاحب التعرض للاغتصاب والتعذيب الجسدي مثل اضطراب مع بعد الصدمة، والاكتئاب والرهاب الاجتماعي، بالإضافة إلى تعرض الكثير منهن لخطر الموت بسبب عمليات الإجهاض للحمل الناتج عن الاغتصاب.

ولكن بعضهن لم يستطع التخلص من الحمل، وخرج إلى الحياة أطفال الحرب الذين ما زالوا يتساءلون عن أصولهم، ويعتبر الشاب ألين موهيك هو أشهر أبناء الحرب، حيث اشترك في فيلم تسجيلي عن قصة حياته والبحث عن أبيه وأمه اللذين تخليا عنه صغيرًا، وأدرك أنه ابن لسيدة بوسنية اغتصبت من الجنود الصربيين، وبعد عرض الفيلم الوثائقي استطاع ألين التوصل إلى أمه البيولوجية واتصلت به للمرة الأولى.

والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يغتصب الجنود النساء المدنيات في أوقات الحرب؟

أجابت عن هذا السؤال جيتا ساجال رئيس وحدة الشؤون الجنسانية التابعة لمنظمة العفو الدولية، مؤكدة أن عمليات الاغتصاب التي يقوم بها الجنود أثناء الحرب، لا تندرج تحت بند غنائم الحرب، بل هي وسيلة استراتيجية متفق عليها وتم الترتيب لها من أجل استمرارية السيطرة الاجتماعية خاصة في الصراعات العرقية، لأن المرأة في نظر العدو وقت الحروب هي «الآلة الإنتاجية» للعرق الجديد، وهي أيضًا وتد المجتمع والسيطرة عليها جنسيًا ونفسيًا – تؤكد ساجال -؛ هي وسيلة استراتيجية فعالة لتدمير مجتمع العدو، وسلاح تطهير عرقي، كما هو الحال مع طفل الحرب الصربي ألين موهيك.

.كانت حياة النساء وأجسادهن ضحايا حرب غير معترف بها لفترة طويلة جدًا. *من تقرير منظمة العفو الدولية عن الاغتصاب في الحروب.

وأكدت هيومن رايتس ووتش في تقرير لها صدر عام 1994 أن استخدام الاغتصاب سلاحًا للتطهير العرقي لم يقتصر على البوسنة والهرسك بل شمل بيرو، وكشمير، والصومال، وكشف التقرير أن حوادث الاغتصاب ليست حوادث عشوائية بل هي عمليات منظمة تكون ضمن الصراعات الدولية الخارجية أو الصراعات الداخلية بين مجموعات عرقية متحاربة، وعلى الرغم من تأكيد أكثر من منظمة حقوقية على بشاعة الاغتصاب كجريمة حرب، إلا أنها ما زالت أقل جرم يتم التعامل معه من قبل السلطات الدولية.

«ذروة منتصف الليل».. صيغة تعاون مهني بين «العاهرات» وسي آي إيه

استخدام الجنس والمرأة لأغراض سياسية لم يكن طوال الوقت متمثلًا في الاغتصاب أو إرغام المرأة على ممارسة البغاء، بل كانت هناك بعض الحوادث التي اتفق فيها السياسيون مع فتيات الليل وإبرام صفقة عادلة معهن.

تخيل شابًا يسير في أحد شوارع سان فرانسيسكو مزهوًا برجولته ويبحث عن ليلة من المتعة، حتى يجد أحد بيوت الدعارة ويقرر استئجار فتاة ليل تؤنس وحدته، وتقدم له الفتاة الشراب، ومن ثم تتحول الفتاة أمام أعينه لوحش يحاول التهامه.

تلك ليست قصة خيالية، بل هي تجربة أجرتها وكالة الاستخبارات الأمريكية على المواطنين بالاستعانة بفتيات الليل لتقديم الجنس مقابل خضوع الرجل لتجربة أحد العقاقير الطبية دون علمه وسميت تلك التجربة بـ«ذروة منتصف الليل».

سيدني غوتليب الكيميائي الأمريكي ورئيس قسم المواد الكيميائية السابق بالمخابرات المركزية الأمريكية، هو المسئول عن تجربة عقار الـLSD أو «عقار الحقيقة» كما أطلق عليه في ذاك الوقت؛ تعاون سيدني مع بائعات الجنس من أجل الكشف عن تأثير عقار الـLSD على البشر في ظل سلسلة من التجارب التي تسعى إلى التحكم في العقل البشري. كان من الصعب العثور على متطوعين لتلك التجربة نظرًا لجهل الكثير من المواطنين بهذا العقار الجديد، ومن هنا نشأت فكرة استخدام الجنس طعمًا للرجال وإخضاعهم للتجربة دون علمهم.

واستمرت تلك التجارب غير المشروعة للعديد من الأعوام داخل بيوت الدعارة في سان فرانسيسكو ونيويورك حتى قام أحد الصحفيين بفضحها في سبق إعلامي، ففي عام 1974 كشف الصحفي الأمريكي سيمور هيرش عن تجارب وكالة الاستخبارات الأمريكية التي تُجرى على البشر في بيوت الدعارة، وأُجبرت الوكالة على إغلاق تلك البيوت ووقف التجارب.