لم تكد شمس السادس عشر من فبراير (شباط) عام 2011 تشرق على مدينة درعا السورية حتى استيقظ الطفل بشير أبا زيد صاحب الأعوام الخمسة عشر من نومه ليتهيأ كعادته كل يوم للذهاب إلى مدرسته في درعا البلد، في المدرسة وبعد انتهاء الحصص الدراسية دارت حلقة نقاش بين بشير ومجموعة من أصدقائه عما يدور حولهم في العالم العربي من أحداث، فمنذ أربعة أيام فقط أعلن الرئيس المصري (حسني مبارك) تخليه عن الحكم وقبله هجر الرئيس التونسي (زين العابدين بن علي) بلاده للمرة الأخيرة متخليًا هو الآخر عن الرئاسة.

داعبت مخيلة الأطفال الصغار صور الملايين في ميدان التحرير وهي تهتف «الشعب يريد إسقاط النظام»، ربما لم يكونوا على وعي تام بمعنى النظام أو بمعنى إسقاطه في بلادهم، لكنهم شعروا أن ثمة شيئًا مشتركًا يجمعهم  بطالبي الحرية التي يتوقون إليها في بلدهم الذي يقوده بشار الأسد منذ نعومة أظفارهم.

لم يكن بأيديهم الكثير ليفعلوه، لمعت في ذهن أحدهم فكرة أن يكتبوا عبارات على جدران المدرسة، في محاولة بدت في ذلك الوقت «بائسة» لإيصال صوتهم إلى العالم، قرروا الانتظار حتى بعد صلاة العشاء حين يخلد الجميع إلى النوم ويعم الظلام أرجاء الحيّ ليقوموا بكتابة تلك العبارات، لم يكن يدور في خلدهم أن ما قرروا فعله في مساء ذلك اليوم كان حدثًا تاريخيًا سيتغير معه مصير سوريا والمنطقة إلى الأبد.

«يا دكتور جالك الدور».. مع تحيات بشير ومعاوية وآخرين

عم الظلام أرجاء الحي الهادئ وخرج الصبية من بيوتهم متجهين صوب مدرستهم التي يعرفون تضاريسها جيدًا، تسللوا إلى فناء المدرسة تلاحقهم نبضات قلوبهم المتسارعة، وقفوا أمام الحائط وبدأ كل منهم في كتابة عبارة على الجدار، كتب بشير عبارة «يا دكتور جالك الدور» في إشارة إلى طبيب العيون بشار الأسد الذي يحكم بلدهم منذ عقد من الزمن، كتب معاوية «الشعب يريد إسقاط النظام»، وكتب آخرون «ارحل».

وفي شجاعة – ربما لم يكونوا في تلك اللحظة على علم بعواقبها – كتب كل واحد منهم إمضاءه أسفل عبارته، مع تحيات بشير ومعاوية وآخرين، بعد أن انتهوا من رسالتهم عاد كل منهم إلى بيته لينام وللمرة الأخيرة في حياته، قرير العين سعيدًا بما بدا له أنه إنجاز صغير، لكن عبارة كهذه في بلد كهذا لم تكن أبدًا لتمر مرور الكرام.

Embed from Getty Images

في الصباح وحين رأى مدير المدرسة تلك العبارات فزع فزعًا شديدًا وأرسل مسرعًا في طلب الشرطة، لم يكن المشرف على الشرطة شخصًا عاديًا، عاطف نجيب ابن خالة الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس جهاز الأمن السياسيّ بدرعا، هرولت الشرطة إلى المكان وهالها ما رأته من جُرأة على رئيس البلاد، ظنت بعقليتها الأمنية أنها نفحات ربيع عربي في سوريا، البلد الذي تحكمه عائلة الأسد منذ ما يربو على 40 عامًا.

قرروا جمع كل أطفال المدرسة، وأخذ عينة عشوائية منهم للاستجواب داخل مقر الشرطة، كان من بين الأطفال المعتقلين نايف أبا زيد، قريب بشير أبا زيد، اصطحبت الشرطة نايف بينما توراى بشير عن الأنظار خوفًا من اعتقاله، داخل مركز الشرطة قام الجنود بتعذيب نايف حتى يدلهم على بقية من قاموا بواقعة الشعارات، لم يتحمل الفتى الصغير الضرب المبرح من جنود الشرطة فدلهم على بشير.

في الوقت نفسه استجدى والد نايف بشير أن يسلم نفسه للشرطة التي وعدته بالإفراج عن الطفلين بعد أن تسألهم بعض الأسئلة، شعر بشير بالذنب على قريبه وبين دموع والد نايف وتأنيب ضميره قرر تسليم نفسه، على باب مركز الشرطة نظر له بعض الجنود متعجبين من تسليمه لنفسه، في هذه اللحظة شعر بأن ما ينتظره بالداخل أبشع مما تصوره في أسوأ كوابيسه، وما حدث له بالداخل كان تصديقًا لهذا الشعور.

داخل المعتقل.. حين يصبح الموت أغلى من الحياة!

كان التعذيب عنيفًا جدًا، وكنت أتمنى الموت للتخلص من الألم.. بشير أبا زيد لـ«ديلي ميل» البريطانية.

ما أن دخل الطفل صاحب الأعوام الخمسة عشر (بشير أبا زيد) إلى مقر الشرطة حتى قاموا بوضع عصابة على عينيه وتقييد يديه ومن ثم نزع ملابسه مع الإبقاء على الملابس الداخلية فقط، ثم انهالوا عليه بالضرب والركل، أدرك بشير فداحة خطئه بتسليم نفسه، وعرف معنى نظرات الجنود له على باب مقر الشرطة.

لم يبق طويلًا داخل المقر، تم اقتياده إلى نقطة استخبارات السويداء التي تبعد نحو ساعة عن درعا، وهناك وُضِعَ في الدولاب ليتلقى جسده الصغير لسعات السياط والكابلات على كل مكان فيه، وركزوا أكثر على يديه التي كتب بها العبارة حتى تشققت راحته وسقطت أظفاره.

Bashir Abazed painted s the words ¿Ejak el door ya Doctor¿ (It is your turn, Doctor) ¿

بشير أبا زيد، الديلي ميل.

 كان الجلّاد غير مقتنع برواية بشير بأن هذا الفعل جاء من الصبية أنفسهم، سأله إن كان وراءه جهاديون أو أفراد أكبر سنًا لكنه رد بالنفي، لم يعجب الرد المحقق، فقام بزيادة جرعة التعذيب، إلى أن اضطر بشير كما اضطر من قبله نايف لنطق بعض الأسماء من أبناء عمه والذين لا علاقة لهم بالأحداث، حتى يتخلص من هذا العذاب.

في غضون ثلاثة أيام اعتقلت الشرطة 24 شخصًا على ذمة القضية، من بينهم ثلاثة من أبناء عم بشير، و15 طفلًا بينهم عدد من الذين اشتركوا في واقعة الشعارات، والتهمة؟ كتابات على جدران المدرسة. بعد ستة أيام قضوها بمعتقل السويداء تم نقل الجميع في حافلة مظلمة إلى دمشق، حيث «فرع فلسطين» المكان الذي كان ذكر اسمه يكفي لبث الرعب في قلب أي مواطن سوريّ.

 هناك تمنوا جميعًا الموت بدلًا من الحياة، تم استجواب بشير مرة أخرى مع تعرضه لوابل من التعذيب، حكى له مصطفى (ابن عمه) عن تعرضه للتعذيب بالكهرباء والضرب بالمواسير المعدنية على أعضائه التناسلية، وأخبره نضال (ابن عمه الآخر) أنه فقد خمسًا من أسنانه في اللحظات الأولى من الاستجواب.

بعد ذلك تم فك العصابة من على عيني بشير، ليرى من حوله لأول مرة منذ ساعات طوال، كان بجواره نايف، زميله الذي دلّ عليه رجال الأمن، رأى بشير جروح نايف، كانت لا تزال تنزف دمًا وآثار التعذيب على جسده بالإضافة إلى وجهه شديد الشحوب، اعتذر نايف لبشير على البوح باسمه لأفراد الأمن، حاول بشير التهوين عليه، احتضنه وانغمر الاثنان في نوبة طويلة من البكاء.

عاطف نجيب.. حامي النظام الذي أشعل ثورة عليه

بالعودة إلى درعا فقد احتشد أهالي الأطفال المفقودين في محاولة للإفراج عنهم، توجهوا – وفق رواية المعارضة السورية – إلى عاطف نجيب (المسؤول عن الأمن) وكذلك فيصل كلثوم (محافظ درعا السابق)، لم يستجب عاطف لتوسلاتهم بالإفراج عن الأطفال المعتقلين، طردهم وأخبرهم بأن ينسوا تمامًا أمر أطفالهم، وأن ينجبوا أطفالًا غيرهم، «وإذا لم يكونوا قادرين على الإنجاب فليرسلوا زوجاتهم إلى مقرات الأمن وسيقوم رجاله بهذه المهمة».
استشاط أهالي درعا غضبًا،  تناقلوا كلمات عاطف المهينة بينهم، وصل صدى أصواتهم إلى أنحاء سوريا كافة، دعا البعض إلى «يوم غضب سوري» تضامنًا مع أهالي درعا وأطفالها، وفي يوم 15 مارس (آذار) 2011، وبعد أن ضاقوا ذرعًا بمحاولات الإفراج عن أبنائهم خرج أهالي درعا في تظاهرات للمطالبة بإطلاق سراحهم، خرجت كذلك العديد من التجمعات الصغيرة في مناطق أخرى من البلاد.

لم يستجب عاطف نجيب ولا المحافظ، ليقوم الأهالي في 18 مارس بالخروج في جمعة «الكرامة» من المسجد العمريّ القديم بدرعا، أحاط عاطف وقواته بالمسجد والمتظاهرين، وقرروا في هذه اللحظة سفك أول نقطة دم في التظاهرات حين قام شرطي بإطلاق رصاصاته تجاه المتظاهرين فأصابت واحدة منها رقبة محمود قطيش الجوابرة معلنة عن سقوط أول قتيل في الانتفاضة السورية.

حين أكبر أريد أن أكون ضابطًا في الجيش، لكي أتعامل بلطف وإنسانية مع أيّ ثورة مستقبلية.. بشير أبا زيد.

عمت الفوضى أرجاء المكان، حاول المتظاهرون إنقاذ محمود قطيش فقامت قوات الأمن بإطلاق النار على من اقترب منه فقتل ثلاثة أفراد ممن حاولوا إنقاذه، اعتصم الأهالي في المسجد العمري بدرعا ومنذ هذه اللحظة بدأت الانتفاضة.

في اليوم التالي عُنونت الصحف العالمية بخبر سقوط أربعة قتلى في احتجاجات بمدينة درعا السورية، خرجت تظاهرات في مناطق أخرى من سوريا تضامنًا مع أهالي درعا الذين شيعوا قتلاهم الأربعة في تظاهرة ضخمة، استمرت احتجاجاتهم وطالبوا في البداية بإجراء إصلاحات سياسية ورفع حالة الطوارئ المفروضة على البلاد منذ 38 عامًا، كذلك قام بعض المتظاهرين بحرق مقر حزب البعث في المدينة ومقر لشركة اتصالات يملكها رامي مخلوف ابن خال الرئيس السوري.

ووفقًا لرواية المعارضة السورية، ففي الواحدة والنصف صباحًا من يوم الأربعاء 21 مارس قامت قوات الأمن باقتحام المسجد العمريّ وإطلاق النار على من فيه ليسقط في هذا اليوم 51 قتيلًا، وأعقب ذلك مواجهات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن حتى بلغ عدد قتلى الأسبوع الأول من الأحداث 55 قتيلًا وفقًا لمنظمة العفو الدولية بينما تقول المعارضة إن الأسبوع الأول شهد ما لا يقل عن 150 قتيلًا.

دعت المعارضة إلى تظاهرات ضخمة يوم الجمعة 25 مارس والتي أطلق عليها «جمعة العزة»، خرج الآلاف من السوريين  بمختلف أنحاء البلاد في الصنمين والحسكة وبني ياس وحماة، وغيرها من المدن السورية، في تظاهرات تطالب بإصلاحات سياسية وتطورت لاحقًا للمطالبة بإسقاط النظام.

لم تختلف طريقة تعامل النظام مع المظاهرات التي قابلها بالرصاص الحيّ، اعتقل النظام لاحقًا عشرات المتظاهرين وكان من بينهم الطفل حمزة الخطيب الذي بدت على جثته آثار التعذيب الشديد والضرب المبرح وتسلمه أهله جثة هامدة، أشعلت صورة حمزة غضب آلاف السوريين، وتسارعت الأحداث بعد ذلك لتدخل في الثامن عشر من هذا الشهر  عامها الثامن مخلفة حتى الآن مئات الآلاف من القتلى بالرصاص أو بالتعذيب في أقبية السجون أو بالقصف الجوي، بالإضافة إلى ملايين الجرحى واللاجئين.

ماذا لو؟

في الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) عام 2011 لم يكن هناك الكثيرون في مصر يجرؤون على المطالبة بخلع مبارك، وحين خرج المتظاهرون في هذا اليوم كانت مطالبهم تتمثل في إجراء انتخابات نيابية نزيهة ورفع قانون الطوارئ، لم يستجب النظام لهذه المطالب.

 ازداد غضب المصريين وزادت معه أعدادهم في الشوارع إلى أن خرج الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك على شاشات التلفاز معلنًا نيته عدم الترشح لفترة رئاسية قادمة، وأنه سيستكمل فترته الانتخابية التي كانت ستنتهي في العام نفسه. لم يستجب المتظاهرون في ميدان التحرير لهذا الخطاب ووصفوه بأنه متأخر للغاية، فقد تعدت الآن مطالبهم بإصلاحات سياسية من النظام إلى المطالبة بإسقاط النظام نفسه.

وبدنا نشيلو لبشار وبهمتنا القوية، سوريا بدا… حرية، سوريا بدا… حرية.. إبراهيم قاشوش في تظاهرات حماة.

بعد أحداث درعا خرج رأس النظام السوري بشار الأسد في أول خطاب له عقب الأزمة يوم 30 مارس معلنًا عن تشكيل حكومة جديدة ورفع حالة الطوارئ والإفراج عن المتظاهرين كافة، قبل ذلك كان قد أقال عاطف نجيب وفيصل كلثوم محافظ درعا، لكن طريقة تعامل نظامه مع التظاهرات التي اتسع مداها فيما بعد لتنضم إليها مدن سورية أخرى، لم تختلف كثيرًا، فازداد عدد القتلى يومًا بعد آخر وازدادت معه مطالب المتظاهرين من مجرد إصلاحات سياسية إلى المطالبة بإسقاط نظام حكم البعث الذي يترأسه بشار الأسد.

  بحسب العض، يطرح هذا تساؤلًا هامًا عن ماذا لو استجاب الأسد سريعًا لنداءات أهالي أطفال درعا الذين خُلعت أظفارهم وحُرقت أجسادهم في السجن وظلوا بداخله 45 يومًا دون أن يُفرج عنهم، ربما كان الوضع سيختلف كثيرًا لو أمر الأسد الذي اعترف بسلمية التظاهرات في أول ستة أشهر من الأحداث، بالإفراج عن أطفال درعا وسرعة البدء في إصلاحات جدية للنظام والسماح بالحرية التي هتفت بها حناجر أطفال درعا مهد الانتفاضة السورية.

Image result for bashar

ماذا لو قرر النظام التعامل بسلمية مع الأحداث في بدايتها واستيعاب التظاهرات بإصلاحات حقيقية والوضع في الاعتبار ما حدث بمصر وتونس؟ ماذا لو أمر الأسد في خطابه الأول بإجراء انتخابات تعددية وتغيير الدستور؟ ماذا لو تم الإفراج عن جميع معتقلي الرأي قبل اندلاع الأحداث وإتاحة المجال لتعدد الأحزاب وتداول السلطة في البلاد؟ الكثير من علامات الاستفهام التي لن نعرف إجابتها أبدًا، لكن المؤكد أن ما حدث بعد ذلك كانت نتائجه كارثية على سوريا والمنطقة بأسرها.

يجلس بشير اليوم متذكرًا تلك الليلة التي قرروا فيها تغيير سوريا، تتداعى إلى ذاكرته مئات المشاهد التي حدثت بعد تلك اللحظة، حمزة الخطيب وإبراهيم قاشوش المنشد الذي اقتلع النظام حنجرته، أحداث بابا عمرو ومجزرة الغوطة، القصف العشوائي بالبراميل المتفجرة وحصار اليرموك، الكيماوي الذي استنشقه الأطفال في خان شيخون، مآسي اللاجئين وطريقهم الصعب نحو الخروج، من عاش منهم لاجئًا ومهجرًا أو من ابتلعته الأمواج أو أخرجت جثته  إلى الشاطئ، إيلان كردي كمثال، جميل وأنيق ومهندم، لكنه ميت، عشرات الآلاف من المعتقلين الذين ماتوا من التجويع والتعذيب في السجون، الحرب الأهلية التي تحدث الآن في بلده.

لم يكن هذا هو التغيير الذي يصبو إليه، ولم تكن هذه هي الحرية التي نادى بها قاشوش قبل أن يقتله النظام ويقتلع حنجرته، راح ضحية الصراع حتى الآن نصف مليون سوري وفقًا للمرصد السوري لحقوق الإنسان وأكثر من 4 ملايين لاجئ ودُمرت البنى التحتية لمئات المدن والأحياء السورية، في الأحداث الجارية منذ ثمانية أعوام ولا تبدو لها نهاية قريبة تلوح في الأفق.

«لو كنا نعرف أن تلك العبارات ستؤدي إلى كل هذا ما كتبناها أبدًا، لكن هذا ليس ذنبنا، الذنب كله يقع على النظام الذي قابلنا بالقتل والتعذيب ظنًا منه أن بإمكانه قمع الثورة، لكنهم مخطئون»، هكذا يؤكد بشير أبا زيد في عبارات يعتصرها الألم.

المصادر

تحميل المزيد