موجة ضخمة من التعاطف والتأييد للشعب الفلسطيني اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي تزامنًا مع العدوان الغاشم الذي شنه جيش الاحتلال الإسرائيلي تجاه الشعب الفلسطيني في الأيام الأخيرة، والذي بدأ بمحاولات الحكومة الإسرائيلية تهجير مجموعة من العائلات الفلسطينية من منازلها في حي الشيخ جراح الواقع في القدس قسريًا، وإحلال مستوطنين محلهم.

الأمر الذي تطور إلى شن جيش الاحتلال عدوانًا غاشمًا على غزة، أدى إلى استشهاد أكثر من 230 شخص، بحسب وزارة الصحة في غزة، من بينهم 65 طفلًا علاوة على 1710 مصابين بإصابات متفاوتة.

وبالرغم من أن الاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني متكررة، فإن دعم القضية الفلسطينية هذه المرة كان مختلفًا، فما الذي تغير وكيف؟

دعم مختلف من أشخاص غير متوقعين

في عام 2014 وقع حوالي 200 شخص من الممثلين وصناعي السينما في مجتمع هوليوود الأمريكي على عريضة تدعم إسرائيل ضد حماس، وتؤيد مزاعم حق إسرائيل في الدفاع على نفسها في الحرب على غزة صيف 2014.

كان من ضمن الموقعين على تلك العريضة الممثلة الأمريكية سارة سيلفرمان التي تعتنق اليهودية، لكن في عام 2017 نشرت سيلفرمان في تغريدة على موقع «تويتر» رابط لعريضة أخرى؛ تطالب فيها منظمة العفو الدولية بإخلاء سبيل الفتاة الفلسطينية عهد التميمي التي سُجنت في تهمة التعدي على عسكري إسرائيلي في فلسطين.

لم يكن هذا هو التحول الأول في موقف سارة سيلفرمان، بل في عام 2018 غيرت موقعها الجغرافي على موقع «تويتر» إلى دولة فلسطين (State of Palestine)، وفي مطلع العالم الحالي صرحت أنها ليس لديها مشكلة مع حملة المقاطعة، وسحب الاستثمارات، وفرض العقوبات على إسرائيل الشهيرة باسم (BDS)، مادامت تلك الحملة تطالب بمعاقبة الحكومة، وليس الشعب الإسرائيلي.

ومع اشتعال أزمة الشيخ جراح شهدت مواقع التواصل الاجتماعي حضورًا مؤثرًا لمشاهير ليسوا عربًا أو مسلمين ينشرون عن الأزمة، وينددون بالموقف الإسرائيلي، ويطالبون بالعدل للجانب الفلسطيني، العديد من هذه الشخصيات كانت من المجتمع الأمريكي، والعديد منهم ممن كان لهم مواقف سابقة مؤيدة لإسرائيل.

في البرامج السياسية الساخرة اختلفت النبرة أيضًا؛ فقد وصف تريفور نوح مقدم برنامج العرض اليومي (The Daily Show) ما يحدث بـ«النزاع غير العادل» مشيرًا إلى الفرق الشاسع في حجم الدمار وعدد الضحايا بين الجانب الفلسطيني والإسرائيلي. وفي السياق نفسه تعرض جون أوليفر مقدم برنامج البارحة الأسبوع الماضي (Last Week Tonight) لموجة كبيرة من الانتقادات بسبب قوله إن إسرائيل ترتكب جرائم حرب في هجومها على غزة.

وبرزت العديد من الجهات الاجتماعية والسياسية لدعم الفلسطينيين بشكل ملحوظ هذه المرة، بالإضافة إلى كيانات ليس لها علاقة بالسياسة، أو النشاط الاجتماعي، مثل مجموعة دايت برادر (Diet Parada) التي تختص بمجال النقد في عالم الأزياء الأمريكية. إذ شاركت في دعم الفلسطينيين بمنشور على حسابها الرسمي على موقع «إنستجرام» يرفض تسمية ما يحدث أنه نزاع ديني بين فلسطين وإسرائيل، ويصف الفلسطينيين بـ«المضطهدين»، ويضع الجانب الإسرائيلي في خانة «المُضطهِد».

وحتى داخل أروقة السياسة الأمريكية التي بدأ يظهر فيها مؤخرًا من يتحدثون عن أحقية الفلسطينيين في المُعاملة الإنسانية، شهدت أزمة الشيخ الجراح انضمام عضوين من كبار مجلس الشيوخ الأمريكي، هما إليزابيث وارن، التي سبق وأيدت قصف إسرائيل للمدارس والمستشفيات بغزة في 2014، وروبرت منديز، رئيس لجنة العلاقات الدولية في المجلس، والذي وصفت صحيفة «نيويورك تايمز» الامريكية موقفه من إسرائيل بـ«الدعم غير المُهتز».

كل هذا يجعلنا نتساءل: ماذا تغير هذه المرة؟ ولماذا يغير العديد من أعضاء المجتمع الأمريكي آراءهم تجاه النزاع الفلسطيني الإسرائيلي؟

«الميديا ضد السوشيال ميديا».. النزاع يظهر بشكل أوضح

في عام 2016 عندما مات شيمون بيريز رئيس إسرائيل، ورئيس وزرائها السابق، وأحد مؤسسي الدولة الصهيونية، وصفته العديد من الصحف ووكالات الأنباء الأمريكية، مثل «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز»، و«سي إن إن» بأنه «رجل السلام»، بينما نشرت صحيفة «هأرتس» أحد أقدم الصحف الإسرائيلية مقالًا يصفه بأنه أحد مؤسسي «نظام الفصل العنصري» الذي لا يتعامل مع الإسرائيليين والفلسطنيين كأنهم أسوياء.

لكن هذه المرة تغيرت وتيرة الحديث من تلك الصحف عن القضية الفلسطينية، فأصبح هناك مساحة على الأقل لنقل وجهة نظر الجانب الفلسطيني؛ إذ أشارت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن العديد من التعديلات أجرتها صحف ووكالات أنباء على لغة الحديث عن النزاع كي تكتسب صفة الحياد.

وسائل الإعلام الأمريكية التي لا طالما ظهرت مؤيدة للجانب الإسرائيلي لعبت على مر العقود الماضية دورًا هامًا في تشكيل المواطن الأمريكي تجاه الأزمة. ففي لقاء لها على شبكة «إم إس إن بي سي (MSNBC)» الأمريكية عام 2014، اتهمت المحللة الفلسطينية الإيطالية رولا جبريل الإعلام الأمريكي بعدم الحياد وقالت: «المواطن الأمريكي عندما يفتح التلفاز لا يسمع عن الحصار التي تفرضه إسرائيل على غزة، دائمًا ما يسمع المدح عن إسرائيلي؛ فالقادة في إسرائيل مُنتخبين بشكل ديمقراطي، لذلك يتعاطف المجتمع الأمريكي دائمًا مع المجتمع الإسرائيلي».

لكن رولا جبريل مواطنة فلسطينية قد يرى من شاهدها من الشعب الأمريكي أنها مُنحازة لفلسطين على حساب إسرائيل، لكن ماذا عن أشخاص آخرين؟

الممثل الأمريكي الكندي الشهير سيث روجان الذي يعتنق الديانة اليهودية، وتعلم في مدرسة يهودية، وشارك في طفولته في معسكرات دينية نظمتها مؤسسات يهودية، كما أن والديه تقابلا في أحد المراسم الدينية بإسرائيل؛ كان من ضمن مشاهير هوليود الذين وقعوا على العريضة التي أيدت إسرائيل واتهمت حماس بالإرهاب في حرب غزة عام 2014.

لكن في يوليو (تموز) الماضي خلال مقابلة في إحدى البرامج الإذاعية الأمريكية صرح نصًا: «كمثل أي شخص يهودي؛ تلقيت منذ الصغر قدرًا هائلًا من الأكاذيب» وتابع حديثه قائلًا: «لم يخبرني أحد أن أرض دولة إسرائيل كانت ملكًا للفلسطينيين. لقد طرد أكثر من 700 ألف فلسطيني من ديارهم أو فروا من القتال في حرب 1947-1949 التي أدت إلى قيام دولة إسرائيل. اليوم تشكل هذه العائلات وذريتهم حوالي 5.6 مليون لاجئ».

Embed from Getty Images

سيث روجان

على جانب آخر، فإن وعي المواطن الأمريكي المؤيد لإسرائيل يتشكل من خلال وسائل الإعلام الأمريكية المُنحازة لإسرائيل، فالصحف والمؤسسات الإعلامية الأمريكية تتأثر بشكل كبير بأنشطة العلاقات العامة التي تنظمها مجموعات الضغط الأمريكية المؤيدة لإسرائيل، والتي أشهرها «لجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC)» أو المعروفة في سياق الإعلام العربي بأنها «اللوبي الصهيوني/الإسرائيلي».

أنشطة جماعات الضغط أو اللوبي المؤيدة لإسرائيل تؤثر على الإعلام من خلال التعاقد مع شركات علاقات عامة وسيطة، والتي بدورها تنسق مساحات لكتاب وإعلاميين وساسة مؤيدين لإسرائيل في الإعلام الأمريكي.

هذا بالإضافة إلى أن جماعات اللوبي الداعمة لإسرائيل تعمل على تنسيق مؤتمرات وفعاليات تهدف للتقارب الإسرائيلي الأمريكي، مثل المؤتمر السنوي الذي تنسقه لجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلية في واشنطن بحضور أكثر من 20 ألف شخصية، من بينهم شخصيات سياسية شهيرة مثل دونالد ترامب الرئيس السابق وجو بايدن الرئيس السابق الذي حضر اللقاء في عام 2016 عندما كان نائبًا لرئيس الولايات المتحدة وألقى جملته الشهيرة «لو كنت يهوديًا لكنت صهيونيًا، لكن والدي أخبرني أني لا أحتاج أن أكون يهوديًا لكي أكون صهيونيًا».

وفي ملعب السياسية يحضر اللوبي المؤيد لإسرائيل قوة من خلال الدعم المالي للمرشحين في الانتخابات؛ ففي الانتخابات الماضية فقط مُنح مرشحون من الحزبين حوالي 30 مليون دولار كمساعدة في الحملات الانتخابية من جماعات الضغط الداعمة لإسرائيل.

وللتأثير على السياسيين تنظم لجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلي كل عام رحلات لأعضاء مجلسي النواب والشيوخ إلى إسرائيل بتكلفة مادية تتخطى 100 مليون دولار للتأثير على سياستهم التشريعية التي تكون غالبًا في صالح الجانب الإسرائيلي.

السوشيال ميديا والتيار التقدمي في صالح فلسطين

يومًا بعد يوم يزداد تأثير مواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل الأفراد لآرائهم تجاه الأحداث والقضايا الإنسانية والسياسية في العالم كله بشكل عام، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص. تشير إحصاءات مركز الأبحاث الأمريكي الشهير «بو ريسرش (Pew Research)» أنه في العام الماضي فقط اشترك أكثر من نصف الأمريكين في نقاشات تجاه مشكلات وقضايا وأحداث على مواقع التواصل الاجتماعية، 32% منهم أقنعوا آخرين بتغيير آرائهم تجاه بعض القضايا والمشكلات.

فقد وفرت مواقع التواصل الاجتماعي المساحة التي كان يحتاجها مؤيدو الجانب الفلسطيني منذ عقود للتواصل مع الجانب الآخر المؤيد للرواية الإسرائيلية، وبسبب التفاعل النشط بدأ العديد من المؤثرين في المجتمع الأمريكي يغيرون مواقفهم تجاه الأزمة، وبدأ آخرون في الحديث بأريحية على شبكات التواصل الاجتماعي، أو من خلال الإعلام، مثلما فعل جون أوليفر الذي وصف ما تفعله إسرائيل بجرائم الحرب، في سابقة من الممكن أن تكون الأولى في الإعلام الأمريكي. 

في بداية الأزمة الحالية انتشر مقطع مصور يظهر فيه شخص يحاول الاستيلاء على منزل امرأة فلسطينية وهي تقول له إن هذا ليس منزله لكي يسرقه، ويرد قائلًا: «إن لم أسرق أنا منزلك، سوف يسرقه شخص آخر»، انتشر هذا المقطع بسرعة البرق على حسابات التواصل الاجتماعي في كافة أنحاء العالم، وكان لصداه تأثير إيجابي على تفاعل المؤثرين في المجتمع الأمريكي. 

وعلى ما يبدو أن إسرائيل كانت تشعر أن مواقع التواصل قد تضر بادعاءتها؛ فعلى سبيل المثال نجد بيانًا رسميًا أصدرته الحكومة الإسرائيلية عام 2013 تعلن فيه أن الطلاب الجامعيين في إسرائيل لديهم فرصة للحصول على منح جامعية كاملة أو جزئية في حالة مشاركاتهم في حملات إلكترونية تدعم إسرائيل وتندد بدعوات المقاطعة التي انتشرت على العديد من المنصات الإلكترونية آنذاك.

الإعلامية والناشطة السياسية الأمريكية أماني الخطاطبة، صاحبة الأصول الفلسطينية ومؤسسة موقع «فتاة مسلمة (MuslimGirl.com)»، قالت في تغريدة لها على موقع «تويتر»: إن الأمر أصبح مختلفًا هذه المرة، ووسائل الإعلام غير قادرة على التحكم في الرواية وترجيح كفة إسرائيل، وقالت إن الهواتف أصبحت مثل «الأسلحة»، في إشارة إلى الدور المهم الذي يؤديه الداعمون للجانب الفلسطيني في الأزمة الحالية.

على جانب آخر، ومنذ اليوم الأول لإشعال أزمة حي الشيخ جراح، دافع أعضاء مجلس النواب الأمريكي التقدميين عن الجانب الفلسطيني، وطالبوا الحكومة الأمريكية بالتدخل لمنع إسرائيل من مواصلة العنف ضد الفلسطينيين، وعلى الرغم من أن إسرائيل لم تزل تتمتع بالدعم السياسي الأكبر من الحزبين الديمقراطي والجمهوري في أمريكا، إلا أن لهجة الحكومة الأمريكية تغيرت عن المرات السابقة.

فنرى مثلًا أن المتحدث باسم البيت الأبيض يسجل اعتراض الحكومة الأمريكية على إحدى غارات إسرائيل التي استهدفت مقرات وكالات إعلام في غزة، ويكذب الحكومة الإسرائيلية بشأن تبريرها للهجوم بسبب وجود حماس في هذه الأماكن.

ويمكن القول إن ذلك يعود بشكل ما إلى ظهور التيار التقدمي ودعمه للقضية الفلسطينية، ففي عام 2016 في أحد مؤتمرات الحزب الديمقراطي لاختيار مرشح الحزب للانتخابات الرئاسية، برز بيرني ساندرز عضو مجلس الشيوخ التقدمي، والذي يعتنق الديانة اليهودية، كأول مرشح رئاسي في تاريخ الولايات المتحدة ينتقد إسرائيل ويدافع عن حقوق الفلسطينيين.

وعلى الرغم من عدم نجاحه في الانتخابات عام 2016 أو عام 2020، إلا أنه تمكن من قيادة التيار التقدمي ودفعه للأمام، فظهر أعضاء تقدميون في مجلس النواب الأمريكي، وظهرت حركات اجتماعية تقدمية ناجحة مؤثرة في الشارع الأمريكي مثل حركة «حياة السود مهمة (Black Lives Matters)» التي أحرزت نجاحًا في التأثير على السياسيين، ليس فقط في أمريكا، بل في العالم كله لدعم سياسات تحقق المساواة، وتقدم الحماية لأصحاب العرق الأسمر.

خريطة الميسرات التي نظمتها حركة الأصوات اليهودية للسلام لدعم فلسطين مؤخرًا:

أيضًا الحركات المجتمعية مثل «الأصوات اليهودية للسلام (Jewish Voices for Peace)» المعروفة بدعمها للسياسات التقدمية، ودعمها لحقوق الشعب الفلسطيني، ورفضها حكومة الفصل العنصري في إسرائيل، لعبت دورًا قويًا في تنمية الموقف الفلسطيني، سواء من خلال البيانات المكتوبة والفيديوهات المرئية، والتعريف بمشكلة الشعب الفلسطيني، أو من خلال الوقفات الاحتجاجية التي نظمتها في كافة الولايات الأمريكية لدعم الجانب الفلسطيني.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد