«لقد أمرت اليوم بتنفيذ ضربة جوية على القاعدة الجوية التي انطلق منها الهجوم الكيميائي على خان شيخون في سوريا»

 

بهذه الكلمات خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليعلن للعالم عن تنفيذ بلاده لأول ضربة عسكرية أمريكية توجه إلى نظام الرئيس السوري بشار الأسد، ما يُعتبر تغيرًا جذريًا في مصير الحرب السورية المستمرة منذ ستة سنوات وحتى الآن.

 

القصة من بدايتها


في تمام الساعة الثامنة صباحًا بتوقيت دمشق خرج سرب طائرات من نوع «سوخوي» من مطار الشعيرات السوري، ليشنّ هجومًا بالأسلحة الكيميائية والغازات السامة على مدينة خان شيخون بريف إدلب وُصف بأنه الأعنف منذ الهجوم السابق على الغوطة الشرقية عام 2013.


أسفر الهجوم عن مقتل 100 مدنيّ بينهم 30 طفلًا وامرأة، قُتلوا على الفور نتيجة استنشاق غاز السارين السام بينما فارق البقية الحياة بعد عدة دقائق من وصولهم للمستشفيات التي لم تسلم أيضًا من القصف.


الهجوم الذي أثار صدمة العالم ونددت به عواصم عالمية كُبرى، خرج بعده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليصرح بأنه غيّر تمامًا موقفه تجاه النظام السوري، أعقبته ضربة جوية أمريكية هي الأولى من نوعها تجاه نظام الأسد.

 

ما قبل خان شيخون

 

لا يمكن النظر للمجزرة التي قام بها النظام السوريّ في خان شيخون وما تبعها من ضربة أمريكية على مطار الشعيرات دون العودة قليلًا للوراء لما قبل المجزرة لندرك جيدًا أنه يمكن لنا تقسيم مصير سوريا لما قبل خان شيخون وما بعدها.

 

أولًا: وضع النظام السوري على الأرض

 

قبل الحديث عن الموقف الدولي السياسي لا بد أولًا من البدء بالصراع الدائر على الأرض، في الوقت الذي حقق النظام السوري فيه انتصارًا كبيرًا في حلب بعد استعادته لكامل السيطرة عليها في المعركة التي وُصفت لاحقًا بأنها ستغير مصير سوريا، بدأ النظام السوري باستثمار تقدمه في حلب والبدء في إكمال معركته على الأرض مستعينًا بالدعم الروسي القوي له وما يمكن وصفه بغض الطرف عن أفعاله من النظام الأمريكي بُعيد انتخاب ترامب، الذي كان قد أعلن قبل مجزرة خان شيخون أن إسقاط الأسد ليس أولوية رئيسية لدية وإنما محاربة الإرهاب متمثلًا في «داعش».


ثانيًا: العلاقات الروسية الأمريكية

 

عقب انتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خرجت تقارير سرية للنور من داخل أمريكا تفيد بتدخل روسي محتمل في الانتخابات الأمريكية التي أسفرت عن فوز ترامب، والذي أعلن بُعيد انتخابه عن إعجابه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ما حدا بكثير من المحللين لتوقع تقارب أمريكي روسي وتعزيز مشترك للعلاقات بينهما بعد فترة من الفتور في عهد الرئيس السابق باراك أوباما.

 

ثالثًا: العالم حول سوريا


بالنظر على خريطة التحالفات الدولية ما قبل مجزرة خان شيخون، يبرز للعيان التقارب الكبير بين تركيا وروسيا خاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو (تموز) الماضي، وتغير طفيف في لهجة الرئيس التركي أردوغان تجاه روسيا والأزمة السورية.


أما مصر فقد أعلنت أكثر من مرة عن تأييدها للحل الدبلوماسي في سوريا، وسط أنباء عن تقارب في الرُؤى بين النظام المصري والسوري خلافًا لموقف دول الخليج، وهو ما اتضح جليًا عندما انتقد المندوب السعودي لدى مجلس الأمن علانية موقف مصر الداعم لمشروع قرار روسيّ سابق حول سوريا.


أما الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، فقد تميز موقفهم تجاه الأزمة السورية بما يمكن وصفه بالجمود السياسي مع التشجيع على استمرار المفاوضات بين النظام والمعارضة.

إذًا من الواضح أن كل ما كان قبل خان شيخون يصب في مصلحة النظام السوري بالتزامن مع انتصار حلب سابقًا، لكن قراره بشن هجوم كيميائي على خان شيخون غيّر كثيرًا من الوضع في سوريا.

 

ما بعد خان شيخون

 

 

«لقد تجاوز نظام الأسد كل الخطوط الحمراء بمراحل!!» *الرئيس الأمريكي عقب المجزرة.

 

من سوء حظ النظام السوري أن الهجوم الكيميائي بالغازات السامة على المدنيين في خان شيخون أتى هذه المرة في عهد رئيس أمريكي يصفه كثيرون بأنه حاد الطباع ولا يلقي بالًا للاعتبارات السياسية والدبلوماسية ويتسم برد فعل جنونيّ تجاه الأحداث؛ وهو ما تأكد للنظام السوري بعد ضرب المطار الذي انطلقت منه الطائرات بالغازات السامة لتصبها على المدنيين في خان شيخون.
على عكس الرئيس الأمريكي السابق أوباما الذي بالغت إدارته في الحذر تجاه أي تدخل عسكري منها ضد نظام الأسد رغم تجاوزه للخطوط الحمراء عام 2013 وفضلت الحل الدبلوماسي، هذه المرة نفذ الرئيس الأمريكي ترامب وعده وأمر بقصف المطار بـ59 صاروخ تومهوك أسفرت عن تدمير كبير للمطار ومقتل ستة من الجيش السوري بينهم ضابط برتبة عميد وإصابة آخرين وفقًا لتصريحات النظام.
بالكاد هدأ غبار القصف على الشعيرات واشتعلت معه تداعيات الضربة الجوية التي قد تغير مصير الأزمة السورية بكاملها.

 

العالم بعد الضربة

 

 

من الجانب الأمريكي


أمريكيًّا لاقت الضربة الجوية على نظام الأسد ترحيبًا كبيرًا في الداخل الأمريكي من كل الأطراف، وحتى لحظة كتابة هذا التقرير لم تصدر أي ردود فعل معارضة للضربة حتى من أشد أعداء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الديمقراطيين والمحافظين.


بل على العكس يرى كثيرون أنها تأخرت كثيرًا وكان لا بد منها في 2013 لردع النظام عن استخدام الأسلحة الكيميائية.


كذلك وُصفت الضربة بأنها صفعة كبيرة وجهها ترامب على وجه روسيا التي كانت تأمل في تحالف كبير بينها وبين إدارته وتوحيد الجهود لمحاربة الإرهاب، والسعي لجعل ترامب حليفًا قويًا لها لكن الضربة أتت لنسف كل التكهنات من تقارب بين ترامب وبوتين ما يرفع كثيرًا من أسهم الرئيس الأمريكي في الداخل لدى جموع الأمريكيين.


اقرأ أيضًا: ترامب يضرب الأسد على خطى «فرانك أندروود».. 5 أسئلة تشرح لك كل شيء

 

روسيا وإيران: تنديد شديد بلا تصعيد


عقب مجزرة خان شيخون سارعت روسيا كعادتها بتبرئة النظام السوري من المسؤولية عن الهجوم، قائلة أن المعارضة هي المسؤولة عن الأسلحة الكيمائية وتوقع النظام الروسي أن تمر الضربة كسابقتها بلا حساب لكن رد ترامب هذه المرة فاجأها وخلط كل أوراقها.


نددت روسيا وبشدة بالضربة فور حدوثها، واعتبرتها انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وحذرت من «ضرر لا يمكن إصلاحه» في العلاقات الأمريكية الروسية، لكنها اكتفت عسكريًا بالتوعد بتعزيز ترسانة النظام السوري الصاروخية.


أما الجانب الإيراني فقد اكتفى كما روسيا بالتنديد بالضربة، دون أي توعد بالرد عليها، ما يبين أن روسيا وإيران وحتى النظام السوري لا يملكون كثيرًا من الأوراق للرد على الضربة الجوية، وهو ما اتضح جليًا في تصريحات أحد الإعلاميين السوريين المؤيدين للنظام على قناة الجزيرة التي اعترف فيها بعجز بلاده عن الرد عسكريًا على أمريكا لأنها قوة عظمى لا يمكن التغلب عليها.

 

تأييد مطلق من البقية


لاقت الضربة الأمريكية على الشعيرات تأييدًا كبيرًا من المجتمع الدولي؛ فعلى الجانب الأوروبي أعلنت كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا عن تأييدهم للضربة وعن علمهم المسبق بحدوثها، كذلك صرحت إسرائيل بعلمها مسبقًا بالضربة وتأييدها لها، أما في تركيا فأعرب أردوغان عن تأييده للهجوم مع توضيح أنه ليس كافيًا لردع نظام الأسد وطالب بإنشاء مناطق آمنة دخل سوريا.


عربيًا وباستثناء موقف مصري يبدو محايدًا، أعربت الأردن والسعودية والإمارات عن تأييدهم للضربة الأمريكية على نظام الأسد؛ مشيرين إلى أنها تأتي ردًا على جرائمه في حق الشعب السوري.

 

سيناريوهات مفتوحة

 

مجزرة خان شيخون

المصدر: أسوشيتد برس.

 

لم يكن يدرك محمد أحمد اليوسف المواطن السوري الذي فقد 29 من أقاربه دفعة واحدة في الهجمات الأخيرة، أن دماءهم ستغير هذه المرة من خارطة الصراع، وستشد انتباه العالم لما هو أكثر من الإدانة والشجب، فقد هزت صور الأطفال المختنقين بالغزات السامة العالم وذكرته بمدى المعاناة التي يلقاها المدنيون داخل سوريا، ولا يزال مشهد الأب الذي رفض التخلي عن جثة طفليه حاضرة في الأذهان، وهي ما دفعت الرئيس الأمريكي على حسب تعبيره لتوجيه ضربة كهذه.
«لقد كان قتلًا مرعبًا وبطيئًا للمدنيين العزل الذين انتزع الأسد أرواحهم، حتى الأطفال قُتلوا بكل وحشية في هذا الهجوم البربري، لا ينبغي أن يواجه الأطفال أبناء الله مثل هذا الرعب» هذا ما ذكره بيان الرئيس الأمريكي عقب الهجوم.

بالحديث عن سيناريوهات ما بعد الضربة وفي مقال بموقع cnn يتحدث الكاتب باتون والش عن مخاطر خمسة سيواجهها العالم بعد الضربة الأمريكية، أبرزها في رأيه أن الأسد لن يسكت عليها وأنه سيرد بقوة كما اعتاد بقتل مزيد من المدنيين.
كذلك نوه والش إلى حقيقة أن روسيا لن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى نفوذها وقوتها يتضآلان أمامها مع الضربات الأمريكية لنظام الأسد، ما يعني استمرار دائم للأزمة وتصاعد في أحداثها.

وبالرغم من التطورات الجديدة في المشهد السوري لا يبدو في الأفق حل قريب للحرب الدائرة هناك أو تسوية نهائية للأزمة، فعقب الضربة من المحتمل أن تتجمد المفاوضات «الميتة إكلينيكيًا أصلًا» بين النظام والمعارضة.
لا يُتوقع أن تتحول الضربة الأمريكية لعملية عسكرية شاملة في سوريا ضد نظام الأسد، إلا أنها ستخلط الكثير من الأوراق لدى كل أطراف النزاع المتحاربة هناك، فبالنسبة للأسد نفسه وصلت له رسالة قوية بأن أي هجوم كيميائي لن يمر مستقبلًا دون حساب، أما روسيا وإيران فقد أدركتا للمرة الأولى جدية التصريحات الأمريكية عن الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها والتي وُضعت منذ عهد الرئيس الأمريكي السابق أوباما.
الآن يفهم الروس وحلفاء الأسد جيدًا أن بإمكان أمريكا وحلفاؤها التحرك بعيدًا عن مجلس الأمن الذي لطالما وقفت روسيا فيه ضد أي محاولة لإدانة نظام الأسد أو فرض عقوبات عليه.

بالطبع لن توقف الضربة الأمريكية الحرب داخل سوريا إلا أنها على الأرجح ستمثل تحولًا جذريًا في خارطة الصراع هناك، ومن المحتمل أن تعيد بناء قواعد اللعبة السياسية مع استغلالها من قبل معارضي الأسد في المطالبة بمزيد من الضربات وإقامة مناطق آمنة للمدنيين داخل سوريا. وعلى الجانب الآخر يبدو الأسد في موقف حرج بعد تأكده من جدية ترامب الذي يعكف دائمًا على وصف الأسد بالديكتاتور، والإدارة الأمريكية الجديدة في تحذيراتها له، وتحول بَوْصَلتها ولو مؤقتًا من الحرب على تنظيم الدولة إلى محاربة ما تعده جرائم نظامه ضد المدنيين، بالتزامن مع استعادة حدة اللهجة تجاهه ما يعني تغير كل قواعد الحرب بعد الآن في سوريا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد