لا غرابة في أن تسير بأحد شوارع نيويورك أو برلين أو ستوكهولم، فترى رجلًا يرتدي سروالًا «جينز»، ويضع قلادة، ثم تعيد الذاكرة إلى الوراء فتدرك أن هذا الشخص كان بلحية وثياب تقليدية عربية، ورفع راية «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) في العراق أو سوريا.

حدث ذلك بالفعل مع أشخاص، فقد قرر الكثير من عناصر التنظيم العودة إلى بلادهم بعد دحر التنظيم مؤخرًا، وقد فرضت عودة عناصر من تنظيم الدولة إلى بلادهم بعد خسارة التنظيم معظم المناطق التي كان يسيطر عليها، العديد من التحديات، وخلقت انقسامًا حول آلية التعامل معهم، فمنهم من ثبتت تأكيداته أن هؤلاء العائدين سيبقون «إرهابيين» لذلك يجب التضييق عليهم بسحب الجنسية، أو الزج بهم إلى السجن، فيما رأى الطرف الآخر أنّ السجن والتضييق قد يخلق «مفرخة لإرهاب جديد» أشدُّ وحشية، والبديل لذلك احتواؤهم، وإعادة تأهيل المقاتلين العائدين حتى لا يدفعوا إلى مزيد من الإرهاب.

التاريخ القريب يلقي بظلاله.. حين خلق التضييق «بن لادن»

شهدت الدول العربية في أوائل التسعينات من القرن الماضي أزمة لا يمكن تجاور آثارها الواضحة حتى اليوم، عرفت تلك الأزمة بـ«إشكالية أو سيناريو» العائدين من أفغانستان، فما إن انتهت الحرب ضد الاتحاد السوفيتي، حتى عاد المقاتلون العرب وعلى رأسهم زعيم تنظيم «القاعدة»، الراحل أسامة بن لادن، إلى بلادهم.

زعيم تنظيم «القاعدة»، الراحل أسامة بن لادن

عاد «بن لادن» إلى السعودية عام 1989، وسرعان ما مُنع من السفر وجُمِّد نشاطه، ووجهت له وزارة الداخلية السعودية تحذيرًا بعدم ممارسة أيّ نشاطٍ علنيّ، لكنه قرر العودة إلى أفغانستان بعد أن ساءت الأحوال عقب الغزو العراقي، ومن أفغانستان انتقل إلى الخرطوم عام 1992، وواصلت الحكومة السعودية ملاحقته؛ فأصدرت أمرًا بتجميد أمواله، وسحبت جنسيته السعودية عام 1994، الأمر الذي دفع «بن لادن» إلى إعلان مبادرة ضد الحكومة السعودية ردًّا على قرار سحب الجنسية، وقرر بعد ذلك أن يتحرك علنًا بالتعاون مع آخرين، حتى وقعت هجمات سبتمبر (أيلول) 2001 على مركز التجارة العالمي، والبنتاجون في أمريكا.

في المحصلة شكَّلت تجربة ملاحقة «بن لادن» وأتباعه «موجة عاتية من الإرهاب» في تلك الفترة، كما يقول «إميل أمين» في مقاله «العائدون من داعش.. إشكالية المواجهة ما بين خياري الاحتواء أو الردع»، فخرج فلولهم لتشكيل نواة انطلقت منها تنظيمات متطرفة جديدة، ولأن «التاريخ يعيد نفسه» كما يُقال؛ يمكن ربط التجربة السابقة بتخوُّفات تثار الآن عند الحديث عن آلية التعامل مع العائدين من «تنظيم الدولة»، أو على الأقل عند المطالبة بالكفّ عن الاحتفال بهزيمة التنظيم كونها مبكرة جدًا، خاصة عند مقارنة الوضع بما حدث مع تنظيم «القاعدة» الذي ما يزال من التنظيمات الأكثر ديمومة، ويخلص تقرير مركز صوفان الاستشاري للشؤون الأمنية إلى أنّ: «القوة المتزايدة لولايات التنظيم، خاصةً في ليبيا، تشير إلى أنَّ داعش، مثله مثل تنظيم القاعدة، قد يكون مستعدًّا للتطور إلى مظلة متعددة الجنسيات تضم عددًا من الفروع، إذ لا تزال الظروف التي أدت إلى نشأة مثل هذه المجموعات الجهادية المسلحة متفشية في العراق، وسوريا، وأجزاءٍ كبيرة من هذه المنطقة الأكثر تقلبًا في العالم».

ويرى المتابعون أن طريقة تعامل الدول العربية والغربية مع العائدين من «تنظيم الدولة» لها دورها في خلق نموذج جديد استخلاصًا من تجربة بن لادن، ولتجنُّب ذلك ينصح بالعمل على إعادة تأهيل المقاتلين إثر عودتهم إلى أوطانهم، فالشعور بالاضطهاد وعدم القدرة على الاندماج في المجتمع بعد تقمص ثقافة الكراهية وإلغاء الآخر، يؤدي إلى وجود قابلية قوية للانضمام إلى تنظيمات أو جماعات مسلحة أخرى، وتزيد القابلية للتطرف مرة أخرى في المجتمعات التي يواجه أفرادها فروقات كبيرة، كوضع المسلمين في الدول الأوروبية في ظل تصاعد الإسلاموفوبيا.

اقرأ أيضًا: الوجه المفاجئ لتنظيم القاعدة: يشجعون أرسنال ويشاهدون ديزني ويقرأون المسيري!

بدء رحلة العودة من «داعش»

«صُدِمتُ حقًّا حين رأيتهم، كانوا يرتدون ملابس كاجوال وسراويل جينز كلاسيكية والكثير من القلائد، في محاولة للتنكُّر قدر ما يستطيعون، لقد أخفوا جوازات سفرهم في أحذيتهم، وحَلقوا تمامًا؛ ما كنت ستظن أنَّهم من داعش قط، لم يكونوا يتحدَّثون اللغة العربية، فقط بضع كلمات»، مرر تلك الرسالة عبر «واتساب» مهرب بين سوريا وتركيا يدعى «أبا عمر».

قوات سوريا الديمقراطية السورية بعد استعادة المدينة من مقاتلي تنظيم الدولة. (المصدر: وكالة فرانس برس)

لقد تمكَّن المئات من عناصر «تنظيم الدولة» من العودة إلى الدول التي تركوها من أجل الوصول إلى «أرض الخلافة» في سوريا والعراق، عاد هؤلاء مع زوجاتهم وأطفالهم إلى بريطانيا وألمانيا والسويد وغيرها من الدول الغربية بعد قضائهم أكثر من ثلاث سنوات في كنف التنظيم، عادوا بشكل غير شرعي، أو تم اعتقالهم إثر وصولهم لأن السلطات تعرفت إليهم، حيث تزدهر تجارة تهريب عناصر التنظيم بمساعدة ما يسميه مسؤولو الاستخبارات «خلايا نائمة» أو المهربين الذي يقومون بذلك مقابل رشى تصل إلى 20 و30 ألف دولار للحصول على ممراتٍ آمنة.

ويبين تقرير مركز «صوفان»، المعني بدراسة القضايا الأمنية العالمية، أن حوالي 5600 مقاتل من «تنظيم الدولة» عادوا إلى 33 دولة، بما فيها الولايات المتحدة، ويوضِّح التقرير الذي أشار إلى أن أكثر من 42 ألف «متطرف» من 120 دولة انضموا إلى التنظيم في الفترة ما بين الأعوام 2011 و2016، أنّ: «ما لا يقل عن ألفي عنصر من أعضاء (داعش) السابقين قد عادوا إلى البلدان الغربية، وعاد 1500 مقاتل إلى الاتحاد الأوروبي، وما يقرب من 400 شخص إلى المملكة المتحدة، وعاد 271 إلى فرنسا، وعاد نحو 300 شخص إلى ألمانيا، وفي الوقت نفسه، عاد 7 إلى الولايات المتحدة من أصل 129 أمريكيًّا انضموا إلى التنظيم»، ويصنَّف العائدون إلى عدة فئات، أهمها العناصر التي فشلت في الاندماج مع قناعات تنظيم الدولة، وكذلك النساء والأطفال الذين انضموا إلى التنظيم، والأطفال الذين ولدوا لآباء وأمهات في مناطق النزاع، وهي فئات ينظر إليها الغرب على أنها تشكل تهديدات أمنية تتطلب مواجهتها عقابًا شديدًا أو إعادة تأهيلهم عقليًّا، ومن ثم دمجهم اجتماعيًّا.

لا مرحبًا بـ«العائدين من داعش»

«تُعَد فكرة أنَّ هؤلاء المقاتلين الأجانب الذين شاركوا في ذلك القتال أكثر من عامين، سيغادرون سوريا بهدوء ويعودون إلى ممارسة وظائفهم في إدارة المتاجر في باريس وبروكسل وكوبنهاجن، أمرًا مثيرًا للسخرية، فهذه مشكلة حرجة جدًا»، جزء مما قاله نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأمريكي، الجنرال «بول سيلفا».

القوات العراقية بعد دحر تنظيم الدولة في الموصل. (المصدر: رويترز)

فيما قال وزير الدفاع البريطاني «غافين ويليامسون»، حين أراد الكشف عن الخطوط العريضة لسياسته في مواجهة خطر عودة الجهاديين البريطانيين الذين يقاتلون في صفوف تنظيم الدولة: «رأيي ببساطة أن إرهابيًّا ميتًا لا يمكنه أن يشكل ضررًا على بريطانيا»، وبما أن سلف «ويليامسون» الوزير السابق «مايكل فالون» سبقه بالقول إن: «البريطانيين الذين اختاروا ترك بلادهم للقتال في صفوف (داعش) أصبحوا أهدافًا مشروعة»، يمكنا اعتبار القناعة الغربية الرسمية قائمة إلى حدٍ كبير على أنه لا ينبغي السماح أبدًا لأي مقاتل انضم إلى «تنظيم الدولة» بالعودة إلى بلاده.

يميل هؤلاء إلى الوجهة المتشددة في مواجهة العائدين؛ خوفًا من دفعهم فيما بعد إلى تنفيذ عمليَّات إرهابية في بلادهم، خاصة أن هناك مؤشرات سابقة على صحّة هذا التوقع أيضًا. وبرصد واقع التعامل الغربي مع العائدين من تنظيم الدولة، يظهر لنا أن دولًا غربية كألمانيا وأستراليا وبلجيكا وكندا وهولندا وفرنسا وسويسرا وبريطانيا عجّلت بإجراءات ضد هؤلاء، منها سحب الجنسية منهم، فقد أقرت قوانين في عام 2015 تجيز سحب الجنسية من المنضمين إلى التنظيم الذين يحملون جنسيات هذه الدول بغية منع عودتهم إلى بلادهم، ويزداد رفض المجتمعات المدنية الأوروبية لهؤلاء مع زيادة ظاهرة «إسلاموفوبيا» التي جعلت الغربيين يرفضون بشدة وجود لاجئين مسلمين على أراضيهم؛ تجنبًا لقيامهم بهجماتهم المسلحة التي تهدد نمط حياتهم.

ويرى الخبير في شؤون الجماعات الجهادية، حسن أبو هنية أن: «الإجراءات في الماضي كانت ليبرالية قائمة على الاحتضان والدمج من جديد، لكن اليوم باتت الحكومات الأوروبية تتبنى إجراءات أكثر قسوة، في مسعى منها لقطع الطريق على عودة هؤلاء المقاتلين إلى بلدانهم الأصلية»، ويضيف لـ«الخليج أونلاين» أنّ: «الخطوة الأوروبية تأتي ضمن تبنِّي السياسة الأوروبية مواقف يمينية متشددة، نتيجة صعود النزعة اليمينية القومية، فصعود تيار اليمين المتطرف في أوروبا، وتنامي نزعة الإسلاموفوبيا في الأوساط السياسية، انعكس على الشارع الأوروبي، وهو ما أدى إلى تعقيد مسألة التعامل مع هؤلاء المقاتلين، وجعلهم أمام وضع قاتم حتى لو حاول أحدهم العودة طوعًا».

يذكر أنه خلال الأيام القليلة الماضية أعلنت إسرائيل أنّها شكلت مع 21 دولة تحالفًا تحت اسم «غالانت فينيكس» يستهدف الأوروبيين العائدين إلى أوطانهم من القتال بصفوف تنظيم الدولة، وذلك عبر عملية تقوم بجمع الوثائق والبيانات، وتتبع الحمض النووي والبصمات التي تم جمعها من معاقل سابقة لتنظيم الدولة، ومن ثم مقارنتها بمعلومات استخباراتية حصلت عليها من دول أخرى في التحالف.

الحل: التأهيل وإعادة الدمج

«هناك أطفال خضعوا لغسيل دماغ في مدارس بمنطقة التنظيم، ويعتبرون راديكاليين إلى حدٍّ كبير، وبالنسبة لنا يعد ذلك مشكلة؛ لأن هؤلاء الأطفال والشباب يمكن أن يكونوا خطرًا في بعض الأحيان»، ذلك ما قاله رئيس هيئة حماية الدستور في ألمانيا «هانز-غيورغ ماسن».

وتابع «ماسن» القول لـ«وكالة الأنباء الألمانية» (د.ب.أ): «النساء أيضًا يمكن أن يمثِّلن تهديدًا جزئيًّا، فالنساء اللاتي عشن في مناطق داعش خلال السنوات الأخيرة، يكنّ غالبًا راديكاليات إلى حدٍّ كبير، ويتوافقن مع أيديولوجية داعش بشكلٍ كبير لدرجة أنه يمكن توصيفهنَّ بشكلٍ مبرَّر تمامًا بأنهن جهاديات أيضًا»، ويمثل قول «ماسن» حقيقة وجود تحدٍ كبير أمام الحكومات الغربية والعربية بداية من «أطفال داعش» وأمهاتهم، الذين تعرضوا «لغسيل دماغ» كونهم ولدوا وعاشوا في مناطق التنظيم، وليس انتهاء بالمقاتلين الشباب.

مخاوف من تدفق المقاتلين الأجانب الفارين من الموصل. (المصدر: رويترز)

لكن يتزامن مع هذا التحدي خروج صوت عالٍ يتمثل في المطالبة بوجود طرق سليمة في التعامل من «أبناء داعش»، أو أمهاتهم، أو العناصر الأخرى، ويقترح هذا الصوت الاحتواء والخضوع لبرامج إعادة دمج و إعادة تأقلم في المجتمع الغربي، ويطالب هؤلاء بالعناية بالمقاتلين الأجانب العائدين من مناطق النزاع، وتقبلهم برحابة صدر وسعي في إعادة تأهيلهم، وعلى سبيل المثال تشير صحيفة «الإندبندنت» البريطانية إلى دعوات تتصاعد في الداخل البريطاني مؤخرًا، تدعو لدمج المقاتلين البريطانيين العائدين من مناطق القتال مع «تنظيم الدولة»، وإعادة تأهيلهم بدلًا من زجِّهم في السجون، ومنحهم الفرصة حتى لا يجدوا جماعة متطرفة أخرى ينضمون إليها، وتستند تلك الاستراتيجيات إلى اتباع نموذج هرمي مع المقاتلين العائدين، يأتي الجانب الأمني والتشريعي في أعلاه، ثم الدعم الاجتماعي والنفسي والقانوني للمقاتل وعائلته، وكذلك تأمين حماية فردية وجماعية لهم ضمن نظام الرفاهية، وذلك بالتزامن مع نظام رقابة لاكتشاف من لديه قابلية على الاستمرار في التطرف أو حتى إنشاء خلايا نائمة تشكل تهديدًا جديدًا، أو تسهل عملية استغلال من جديد عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

الدول العربية ما بين الاحتواء والزجّ في السجون

يجلس الشاب السوري، محمد حج أحمد (23 عامًا)، يستمع بصحبة آخرين لمحاضرة خاصة تستهدف مقاتلين سابقين في «تنظيم الدولة»، في «المركز السوري لمكافحة الفكر المتطرف»، الكائن في مدينة مارع، شمال محافظة حلب، حيث افتتح المركز في 27 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2016.

انضم محمد إلى التنظيم عام 2014، عندما سيطر التنظيم على مدينته «الرقة»، واقتنع تمامًا بأفكار التنظيم، وبعد خروج التنظيم من الرقة أدرك الشاب جيدًا كم يرفضه العالم الخارجي، وأنّ عليه أن يقنع هؤلاء بأنَّه تغير ولم يعد «داعشيًّا»، فقرر أن يواصل مع نحو 100 عنصر سابق في التنظيم معظمهم من السوريين عملية إعادة التأهيل في هذا المركز الذي يعد بمثابة إصلاحية علاجية، حيث يخضع الجميع إلى برنامج تأهيلي، عبر العديد من الدروس المتخصصة في علم النفس والشريعة والقانون المحلي والدولي، وكذلك برنامج ترفيهي يمكنهم فيه لعب الشطرنج وتدخين السجائر.

تمثل تلك التجربة استجابة للعديد من الدعوات العربية التي طالبت باحتواء العائدين من التنظيم، ومن أهمها ما صدر عن دار الإفتاء المصرية بأهمية احتواء المقاتلين الفارين من تنظيم الدولة وإعادة تأهيلهم، وكذلك استخدامهم في توعية الشباب وتحصينهم من التطرف، وذلك بعرض تجاربهم أمام الرأي العام، وتحليلها ومعرفة أسباب الانضمام ودوافعه، وعواقبه التي يجنيها من وقع في شِراك التنظيم.

على النقيض، هناك من يرى في المجتمعات العربية أن إعادة دمج عناصر تنظيم الدولة وتأهيلهم له أثر سلبي، ومن هؤلاء رئيس تحرير مجلة «السياسة الدولية»، علي بكر، الذي قال عن فكرة تقديم المساعدات إلى هذه العناصر بأنها قد تجعل أولئك العائدين «يرون تلك المساعدات حقًّا مكتسبًا لهم، وبالتالي تكون وسيلة لإكمال طريق التشدد المزعوم؛ نظرًا إلى أنه فكر قائم على التقية في مواجهة الحكومات الكافرة»، ويستشهد «بكر» على ذلك بالعملية الانتحارية التي استهدفت الجيش العراقي في فبراير (شباط) 2017؛ والتي قام بها «أبو زكريا البريطاني» الذي أطلق سراحه من معتقل جوانتانامو في 2004، وصرفت له الحكومة البريطانية تعويضًا ماديًّا بلغ مليون جنيه إسترليني، ورغم ذلك توجه إلى سوريا عام 2014، وانضم إلى تنظيم داعش.

ويمكننا هنا الاستشهاد بالتجربة التونسية، فملف عودة عناصر التنظيم التونسيين هو الملف الأكثر خطورة في تونس، فاستجابة للنص القانوني بأنه يُعاقب كلّ «مواطن يضع نفسه على ذمّة منظّمة إرهابيّة خارج البلاد» وضع العشرات من الشباب التونسي العائدين من «تنظيم الدولة» في السجن، حيث تفتقد السلطات التونسية خطّة واضحة للوقاية من خطر هؤلاء، الأمر الذي أدى إلى انقسام المواقف في تونس، فهناك من يرى ضرورة استيعاب هؤلاء ودمجهم، وآخرون حذروا من ذلك، ويرى أتباع الموقف الأول أن فتح باب العودة يستدعي صياغة برامج مشتركة من الهياكل والمؤسّسات في الدولة، للخروج بما يضمن إعادة إدماج هؤلاء مجدّدًا في الحياة الاجتماعيّة وتأهيلهم، وذلك بعد استيفاء مراحل التحقيق معهم، ويعتبر هؤلاء أن الزج بالعائدين من التنظيم في السجن ليس الحل الوحيد، وإنما ينبغي إعادة تأهيلهم اجتماعيًّا وثقافيًّا ودينيًّا لضمان عدم ارتكابهم جرائم أخرى.

أما من حذر من إعادة تأهيلهم، فهو يرى أن هؤلاء تمرّسوا في ساحات الحرب وأصبحوا يشكّلون احتياطًا قتاليًّا مدرّبًا وجاهزًا للانخراط في أيّ معركة مقبلة ضدّ الدولة والمجتمع، ويرفض هؤلاء ما يسموه بـ«التطبيع مع الإرهابيين» على اعتبار أن ذلك سيحول تونس لملجأ للإرهابيين، ويحذر كلا الطرفين من خطورة إقرار العفو العام في حق هؤلاء، خاصة أن تونس سبق وأن أقرت العفو العام للمساجين السياسيين وعدد من القيادات السلفية سنة 2011، فتوجّه 80% منهم عقب خروجهم للانخراط في أعمال عنف ضد الدولة.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!