وفقًا لتوقعات صندوق النقد الدولي، فإن نمو الاقتصاد الأمريكي لهذا العام سيكون أبطأ، مقارنة بتقديرات الصندوق السابقة؛ حيث خفض الصندوق معدل النمو الأمريكي المتوقع من 2.3 في المائة إلى 2.1 في المائة خلال عام 2017.

 

وتبدو تلك التقديرات سلبية بالنسبة للاقتصاد الأمريكي، لكنها – وبخلاف التوقعات – لم تنعكس سلبًا على سعر صرف الدولار في الأسواق العالمية، بل إن العكس كان صحيحًا، بالرغم من تراجعه بنسبة 9 % منذ بداية العام الجاري، حيث تحسن سعر صرف الدولار نسبيًا مقابل العملات الدولية الأخرى، ونجح في تحقيق بعض المكاسب ليعوض خسائر الأسبوع الماضي.

 

ويبدو الموقف غريبًا نسبيًا، فسريعًا ما تنعكس التقييمات السلبية أو الإيجابية لمعدل نمو اقتصاد من الاقتصادات، على معدل سعر صرف عملة الدولة محل التقييم. فترتفع أو تنخفض كرد فعل على معدل النمو المتوقع مستقبلًا، إلا أن الدولار يبدو في كثير من الأحيان شاذًا عن تلك القاعدة.

 

ويبدو الخبير المصرفي إدوارد هار متشائمًا تجاه وضعية الدولار بصفة عامة، وأكد أن التحديات التي تواجهها العملة الأمريكية في الوقت الحالي، تعد الأكثر حدة وخطورة منذ انهيار قاعدة الذهب.

 

وقال: «بالتأكيد لا يزال الدولار العملة الأقوى والأكثر تأثيرًا في العالم، لكنه لم يعد العملة الوحيدة في العالم التي يمكن الارتكان عليها؛ فالإيوان الصيني وعملات عدد من الاقتصادات الناشئة، وحتى اليورو – الذي عانى لفترة طويلة من التراجع – الآن تكسب أرضية على حساب الدولار».

 

وأكد – وفقًا لصحيفة «الاقتصادية» – أن التقلب ارتفاعًا وانخفاضًا في سعر صرف الدولار الذي حدث خلال بعض فترات الأشهر الماضية ارتبط بتكهنات وترجيحات، أكثر من ارتباطه بأسباب واقعية ملموسة؛ فالتفاؤل الذي ساد الأسواق بشأن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإصلاح البنية الأساسية الأمريكية، أوجد مناخًا إيجابيًا بشأن الطلب على الدولار، والآن – ومع تراجع الزخم بشأن تأثير خطة الإصلاح الضريبي للرئيس الأمريكي، التي كان من المفترض أن تشمل تخفيضات ضريبية واسعة النطاق لصالح الرأسمالية الكبيرة، واعتقدت الأسواق حينها أنها تتضمن وسيلة أخرى للتحفيز الاقتصادي – لم يتخذ بشأنها أي قرار.

 

وأضاف: «كما لم تتخذ أية خطوات حقيقية في مجال إصلاح البنية التحتية الأمريكية، هذا همش إلى حد كبير من قوة الدفع المتوقعة في الاقتصاد الأمريكي داخليًا، وتراجعت معها توقعات الأسواق تجاه نمو الاقتصاد الأمريكي، وسينعكس ذلك حتمًا على تقييم الأسواق الدولية للدولار مستقبلًا، متوقعًا أن يُحدث انخفاضًا ملموسًا للدولار في الفترة المقبلة.

 

ولم تنف الخبيرة الاستثمارية – سو توماس – تأثير تلك العوامل على سعر صرف الدولار أمام العملات الدولية الأخرى، لكنها لا تعتقد أن تلك هي العوامل الجوهرية في تحديد قيمة العملة الأمريكية.

 

وأشارت إلى أن العامل الجوهري والمتحكم الأساسي في سعر صرف الدولار، هو: معدل الفائدة لدى المجلس الفيدرالي الأمريكي. فبمجرد توقع المستثمرين والأسواق بدرجة عالية من اليقين بأن الفيدرالي الأمريكي ينوي رفع أسعار الفائدة؛ ازداد الطلب على الدولار، وتحولت الاستثمارات الدولية وجهتها للأسواق الأمريكية.

 

وأوضحت أن التوقعات السلبية لصندوق النقد الدولي بشأن مستقبل النمو الأمريكي، لم تنل من قوة الدولار، ويعود ذلك إلى قناعة المؤسسات الدولية وكبار المستثمرين أن «الثور الأمريكي» قد تم تشغيله خلال الفترة الماضية بصورة مفرطة، وأنه في حاجة إلى التقاط الأنفاس والاستراحة قليلًا، لكنه لم يصب بوعكة، أو لم يعد قادرًا على الأداء، فالاقتصاد الأمريكي – وعلى الرغم من الشكوك المتزايدة حول قدرة إدارة ترمب على وضع سياسات داعمة للنمو، كما كان يروج خلال حملته الرئاسية – لا يتناقض مع أن ارتفاع وتيرة نمو الاقتصاد العالمي ستوجد تلقائيًا طلبًا متزايدًا على الدولار، حتى وإن تراجع معدل نمو الاقتصاد الأمريكي.

 

وقال الدكتور بوب باركر أستاذ التجارة الدولية: «إن مستقبل العملة الأمريكية يتصف بالاستقرار العام مع تعرضه لتقلبات مؤقتة من حين إلى آخر تمثل اهتزازات وقتية، دون أن تعرض موقعه – كسيد للعملات – للتغير».

 

وبين أن الاقتصاد الدولي لا يزال في حاجة ماسة إلى عملة أمريكية قوية تقنع المتعاملين بها بقدرتها على تحقيق التوازن الاقتصادي المطلوب على المستوى الدولي، وتضمن استقرار الأسواق وعدم تعرضها لاهتزازات قوية تؤدي إلى تفاقم الأوضاع المتعثرة، حيث إن الدولار هو عملة الاحتياطي الدولي منذ عام 1973، ويستخدم بنحو 43 % من جميع المعاملات العابرة للحدود، وهذا يعني أن على كل بنك مركزي في العالم الاحتفاظ بالدولار جزء أساسيًا من احتياطياته النقدية، ونتيجة لذلك فإن 61 % من احتياطات النقد الأجنبي في العالم بالدولار.

 

وتابع: «الدولار انخفض بنحو 9 % منذ بداية العام، بينما تقدر مؤشرات أخرى نسبة الانخفاض بـ8 %، وفي كلتا الحالتين، يمنح الانخفاض «وول ستريت» مجالًا أكبر للتشغيل في الداخل الأمريكي، ويعزز نمو أرباح الشركات الأمريكية ومتعددة الجنسيات أيضًا، وربما يفسر ذلك جزئيًا ارتفاع مؤشر S&P 500 الأمريكي بنسبة 10.3 %.

 

وأضاف: «أغلب التوقعات تشير إلى أن أداء الدولار سيتحسن نسبيًا في الربع الأخير من هذا العام، لكن المحصلة النهائية للدولار في عام 2017 ربما تتجه للانخفاض بنسبة تتجاوز 5 في المائة، لكن هذا من جانبه سيزيد من أرباح الشركات الأمريكية بنحو 6.5 %.

عرض التعليقات
تحميل المزيد