في الأول من أغسطس (آب) الجاري، انكشف لوسائل الإعلام اتفاق عسكري هام بين تونس وتركيا؛ حصلت الأولى بمقتضاه على تمويل تركي بقيمة 200 مليون دولار من أجل شراء معدات لوحداتها الأمنية والعسكرية، وتضمن الاتفاق نقل خبراء أتراك عسكريين إلى تونس، فضلًا عن ذهاب عسكريين تونسيين إلى تركيا من أجل اكتساب الخبرة العسكرية والأمنية لاستخدام هذه المعدات. لم يكن هذا الاتفاق العسكري الهام أول محطات تعزيز العلاقات الثنائية بين الجانبين؛ فقد سبق هذه الأمر ارتفاع كبير في حجم الاستثمارات التركية بتونس في أكثر من قطاع حيوي للأخيرة.

يحاول التقرير التالي التعرف إلى أهمية تونس بالنسبة لتركيا، ولماذا تتوجه إسطنبول إلى تونس في المرحلة الحالية، وكيف تخدم فاعلية الدور التونسي في أكثر من ملف إقليمي، الدور التركي في المنطقة؟

كيف تحولت تونس إلى منصة ترويجية للمعدات العسكرية التركية؟

في نهاية عام 2017، وقّع وزير الدفاع التونسي عبد الكريم الزبيدي، اتفاقية للتعاون العسكري مع نظيره التركي نور الدين جانيكلي، خلال استقبال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في قصر قرطاج بالعاصمة تونس.

Embed from Getty Images

ولم تكن هذه الاتفاقية سوى خطوة أولى نحو تعزيز التعاون العسكري بين البلدين، وذلك عبر منح الدولتين الحق في إجراء دورات تدريبية مُشتركة، وتعزيز التعاون العسكري عن طريق تحول تركيا إلى مصدر رئيسي للدفعات والمعدات العسكرية التي تستخدمها القوات التونسية.

لكن هذا التعاون العسكري بين الجانبين، انتقل لمرحلة نوعية عندما منحت تركيا الحكومة التونسية، خط تمويل بنحو 200 مليون دولار ما يعادل (500 مليون دينار) يخصص لقطاعي الدفاع والأمن وذلك بشراء معدات عسكرية تركية بنحو هذه القيمة المالية، وقالت وزارة التنمية والاستثمار والتعاون الدولي التونسية في بيان لها عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، إن هذا التمويل «سيسمح بتعزيز قدرات المؤسستين العسكرية والأمنية في مواجهة المخاطر الأمنية والإرهابية».

في العام الجاري؛ توج هذا التعاون العسكري من خلال تحول تونس لمنصة ترويجية للمعدات العسكرية وذلك عبر تركيز وحدتين صناعيتين الأولى لإنتاج الصدريات المضادة للرصاص والثانية لصناعة المعدات، واللتين تتبعان شركة «نورول» التركية المختصة في الصناعات العسكرية.

وفقًا لوزير الدفاع التونسي، عبد الكريم الزبيدي، بعد لقائه مع أرغوز كارميكيلي، رئيس مجلس إدارة مجموعة «نورول» التركية، فإنه يشعر بالارتياح لمبدأ تركيز الوحدتين، مشيرًا إلى أن تونس تمثل منصة لترويج مثل هذه المنتجات العسكرية في بلدان غرب أفريقيا التي تربطها بتونس علاقات تعاون.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الزيارات، قد سبقتها منح تركيا تونس عربات ومعدات لإدارة الأمن التونسية؛ وذلك في مارس (آذار) 2013، بجانب تدريب وتأهيل مئات من عناصر الشرطة التونسية سواء من أجل مكافحة الإرهاب أو لتطوير مهامهم، ويمكن القول، أن هذه العقود العسكرية الكبيرة، قد منحت تركيا صلاحية واسعة من أجل توسعة نفوذها العسكري والتجاري داخل تونس؛ إذ ستمنح هذه العقود والاتفاقيات الثنائية نفوذًا واسعًا داخل المؤسسة الأمنية التونسية عبر استقبال وفود عسكرية تونسية لتدريبهم على استعمال تلك الوحدات العسكرية، أو انتقال خبراء أتراك في تونس.

وتكتسب هذه الاتفاقيات العسكرية أهمية مُضاعفة كذلك لتركيا؛ فهي تُعزز من الدفع بتونس لدخول المحور العسكري الذي تصطف فيه إسطنبول مع حلفائها بناء على التقاطعات في التحالفات السياسية لقضايا الشرق الأوسط، وبحسب تصريح أدلى به المحلل السياسي، الجمعي القاسمي، إلى «أصوات مغاربية»؛ فإن المهم في الأمر، أن المسألة تجاوزت العلاقات التجارية لتشمل التصنيع العسكري، الأمر الذي يفسّر تمويل تركيا لخط شراءات تونسية معدات عسكرية وأمنية، ويضيف: «إن اقتناء تونس لمعدات تركية بتمويل تركي، مؤشر على ارتهان عسكري مستقبلي بأنقرة».

تعاظم النفوذ العسكري التركي تزامن مع ارتفاع حجم التبادل التجاري بين تركيا وتونس الذي بلغ عام 2016 نحو 1.124 مليار دولار، منها 910 ملايين دولار صادرات تركيا إلى تونس، مقابل واردات بقيمة 214 مليون دولار، فيما رفعت تركيا من عدد المؤسسات الاستثمارية العاملة في تونس لتصل لنحو قرابة 75 مؤسسة تركية بتونس بقيمة استثمارات تقدر بـ 2.3 مليار دينار، وتُشغل 1600 يد عاملة تونسية.

خطة أردوغان: إعادة إحياء سيرة أجداده العثمانيين في تونس

في القرن التاسع عشر، وسط بلوغ الدولة العثمانية أوج قوتها، وتوسع حدود إمبراطوريتها؛ وجد السلطان محمود الثاني، ضرورة إعادة هيكلة جيش الإمبراطورية عبر ضم عناصر جديدة، بعد ارتفاع المخاطر التي تواجهها الإمبراطورية وعاصمتها إسطنبول.

Embed from Getty Images

كان العساكر التونسيون أولى المجموعات التي تم تزويد الجيش العثماني بها، في مرحلة أولية من أجل إعادة الهيكلة الإدارية له؛ إذ تم إرسالهم إلى إسطنبول لاستكمال برنامج عسكري تأهيلي مكثف ومنحهم ألبسة خاصة؛ ليكونوا ضمن عتاد جيش الإمبراطورية.

وكانت إسطنبول قد تحولت لواجهة لآلاف التونسيين بعد الفتح العثماني لتونس سنة 1574، وأصبحت أيضًا القبعة التونسية (الطربوش) القبعة الرسمية القومية في إسطنبول ودول أخرى لمدة 100 عام، وذلك في دلالة على الحضور الطاغي لتونس، واعتبارها ولاية مهمة للدولة العثمانية آنذاك.

أولى المواجهات التي تم الدفع فيها بالعناصر التونسية ضمن معارك الجيش العثماني، هي حرب القرم؛ إذ تمركز نحو 12 ألف شخص من القوات التونسية بقيادة رشيد باشا في الخطوط الخلفية لقوات الجيش العثماني؛ لينضم بعد ذلك الكثير من العساكر التوانسة للجيش العثماني، لتصدر بعد ذلك قرارات ترقية للكثير من الرُتب العسكرية التونسية إلى الجيش العثماني، والذي وصل بعضهم لرتبة «باشا»، مثل الضابط «ديلافر» الذي نشأ في تونس، وعمل قائدًا للأُسطول البحري في إسطنبول لسنين طويلة.

فيما حظي الكثير من المفكرين والمثقفين بمكانة خاصة لدى الدولة العثمانية؛ خصوصًا بعد انتقالهم للعيش في إسطنبول مثل محمد بيرم الخامس، المُفكر الإصلاحي، وخير الدين باشا التونسي، أحد الساسة التاريخيين في عهد الدولة العثمانية، الذي استوطن إسطنبول على مدار عشرات السنين.

لم تلبث تونس أن تحولت إلى ولاية ذات خصوصية وموقع استراتيجي للدولة العثمانية وحُكامها؛ فجنودها صاروا أحد العناصر الرئيسية في الجيش العثماني، ومُفكروها باتوا يستوطنون إسطنبول، وتحولوا لمنظّري ومؤرخي هذه الحقبة الزمنية من تاريخ الدولة العثمانية، ونالوا الحظوة والنفوذ جراء قربهم من السلاطين.

ويمكن القول، أن هذه المشاهد السابقة لا تغيب عن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وهو يقترب من تونس، ويؤسس لعلاقة يرغب في أن ترتقي لدرجة التحالف؛ فتونس وبسبب أهميتها العسكرية والجغرافية تعد لاعبًا رئيسيًا في العديد من قضايا الشرق الأوسط.

وتكتسب هذه الخلفية التاريخية أهمية أكبر في تفسير هذا التقارب؛ في ضوء تباهي أردوغان الدائم بتاريخ الدولة العثمانية، وحرصه الدائم على الدفاع عن السلطان العثماني، عبد الحميد الثاني، من الانتقادات الموجهة لتاريخ ولايته، والتي تشير إلى أن الجمهورية التركية تمثل امتدادًا للإمبراطورية العثمانية.

ويدعم هذا الاتجاه ابتعاد أردوغان خلال العام الأخير عن الأوروبيين على خلفية التباعد في الكثير من القضايا الإقليمية، والخلافات مع حلف الناتو، في ظل رفض الأخير دعمه في كثير من القضايا، مثل محاولة الانقلاب الفاشلة عليه؛ لذلك يسعى أردوغان للتقرب من دول مثل روسيا ودول أخرى في المنطقة العربية من بينها تونس في محاولة لدعم حضورها المغاربي والعربي

كيف تستثمر تركيا نفوذها داخل تونس لمد نفوذها في ليبيا؟

تسعى تركيا ضمن استراتيجية جديدة لها في منطقة الشرق الأوسط إلى تعزيز حضورها المغاربي والعربي خصوصًا في منطقة شمال أفريقيا؛ التي أخذت قدرًا كبيرًا من الاهتمام والتنافس بين العديد من القوى الإقليمية.

Embed from Getty Images

وتحظى تونس بأهمية كبيرة لدى تركيا، إذ تعد الرهان المُفضل لها لتحقيق هذا النفوذ في هذه المنطقة؛ لاعتبارات تاريخية وللتقارب السياسي في المواقف بين البلدين خلال المرحلة الحالية. تبرز هذه الأهمية من واقع نفوذ تونس داخل الملف الليبي، والذي تسعى من خلاله تركيا لاستخدام تونس بوابة خلفية لها لمد نفوذها داخل ليبيا؛ يظهر ذلك من واقع الدعم التركي الرسمي الكامل للمبادرات التونسية لتسوية الأزمة الليبية، وما ذكره أردوغان عن تطابق مواقف تركيا وتونس.

وقد لعبت تونس دورًا فاعلًا في إعادة فتح السفارة التركية في طرابلس بعد ثلاث سنوات من الإغلاق؛ إذ كانت تونس الوسيط في هذا الأمر عبر السفير التركي أحمد آيدان، الذي كان يقيم في تونس، وساهمت اتصالاته الدائمة مع المسؤولين التونسيين في إعادة فتح السفارة في ليبيا، في ظل تمتع تونس بنفوذ واسع واتصالات مع جميع الفاعلين.

وحسب بحث منشور في مركز المستقبل للأبحاث والدراسات السياسية الذي يقع في أبوظبي، فإن «تكثيف تركيا لتحركاتها تجاه دول الجوار الليبي، خاصة الجزائر وتونس اللتين تقومان بجهود مكثفة لدفع الحل السياسي في ليبيا، حيث تتطابق وجهتا نظرهما بشأن حل الأزمة الليبية مع وجهة النظر التركية، خاصة فيما يتعلق بضرورة إشراك الإسلاميين في الحكم، هو ما سيمكن أنقرة من خلق جبهة إقليمية في مواجهة الجبهة التي تقودها مصر الرافضة لإشراك تيارات الإسلام السياسي في الحكم، خاصة في ظل المساعي التونسية لعقد قمة رئاسية ثلاثية تضم مصر وتونس والجزائر لبحث حل الأزمة الليبية».

المصادر

تحميل المزيد