منذ أن دخلت السوقَ المصرية، تحققُ تطبيقاتُ النقل القائمةُ على فكرة الاقتصاد التشاركي نجاحًا كبيرًا ومتسارعًا، حيث ينضم لتلك المنصات ما يقدر بألفي سائق شهريًا. كل هذا النجاح المتسارع تحقق رغم الكثير من المصاعب التي تواجهها هذه التطبيقات، مثل اعتمادها بشكل كامل على الاتصال بخدمة الإنترنت، ومقاومة أصحاب «التاكسي» التقليدي لها، والتي وصلت في بعض الأحيان لعمل كمائن وتسليم أصحاب السيارات التي تعمل لدى أوبر لأقسام الشرطة المصرية.

يفسر هذا الانتشار السريع لتطبيقات أوبر وكريم العلاقة المتوترة بين المواطن وسائقي التاكسي التقليدي، حيث يشيع عدم التزام السائقين بالتسعيرة التي حددتها الحكومة، ورفض السائقين للذهاب لبعض الوجهات بالمخالفة للقانون.

لا يختلف وضع أوبر وكريم عن مصر في الكثير من الدول العربية التي دخلتها، حيث شهد انتشارها الكبير في الأردن اعتراضات واسعة من أصحاب الخدمات المحلية للتاكسي، بينما في السعودية كانت بعض الاعتراضات خاصة بشرط الشركة بأن يكون أصحاب السيارات من السعوديين فقط، وذلك طبقًا لقرار الحكومة السعودية؛ ما أدى إلى اعتماد بعض الشركات المحلية لخدمات النقل التقليل من أعداد أساطيلها والتخلي عن بعض العمالة التي يشكل غالبيتها الهنود والباكستانيون الذين وجدوا أنفسهم مضطرين للعودة إلى أوطانهم بعد انقطاع أرزاقهم بسبب التطبيقات الجديدة التي يحظر عليهم التسجيل فيها.

الحكومة المصرية.. حضور مقلق

صدر الخبر الذي أثير قبل أيام، والذي يشير إلى قرار محكمة القضاء الإداري في مصر بإلزام السلطات المصرية بوقف تراخيص مزاولة شركتي أوبر وكريم، إضافة إلى كل التطبيقات الأخرى التي تعمل بالطريقة نفسها، وقالت المحكمة في تعليل قرارها إنه لا توجد ثمة قوانين تحكم عمل تلك الشركات الأجنبية في السوق المحلية المصرية، كما أن هذه الشركات تتسبب في إحداث أضرار حقيقية لأصحاب المهنة المصرح لهم في مصر، وهم ملاك التاكسي الأبيض.

وقالت الدعوى إن هذه الشركات تتقاضى مبالغ من الأموال دون أن تدفع ضرائب مثل أصحاب التاكسي. الدعوى أقامها 42 سائقًا من أصحاب التاكسي الأبيض في العاصمة المصرية ضد تلك الشركات، بداعي أنهم لا يدفعون الضريبة السنوية البالغة 800 جنيه مصري.

Embed from Getty Images

في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، قامت وزيرة الاستثمار والتعاون الدولي، سحر نصر، بافتتاح مركز أوبر للخدمة المتميزة باستثمارات بلغت 20 مليون دولار، بينما تبلغ استثمارات شركة كريم المنافسة لأوبر حوالي 500 مليون دولار بحسب تصريحات المدير التنفيذي للشركة، وقامت الوزيرة أيضًا بتقديم مشروع قانون ينظم النقل الجماعي باستخدام تكنولوجيا المعلومات لمجلس الوزراء المصري؛ ليتم الموافقة عليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 ثم إحالته لمجلس الدولة.

أكدت الدكتورة سحر نصر دعم الحكومة المصرية هذا القانون، والذي يسير مع رؤية الحكومة المصرية في جذب الاستثمارات الأجنبية، وهو الأمر الذي يضمنه هذا القانون، فيما أكدت حرص الحكومة المصرية كذلك على وجود شركات محلية تستطيع المنافسة في مجال النقل باستخدام تكنولوجيا المعلومات.

ربع مليون أسرة مصرية تعتمد على أوبر وكريم

أشارت آخر إحصاءات شركة أوبر الأمريكية في مصر إلى أن عدد السائقين المسجلين لديها بلغ 157 ألف سائق، يعتمد هؤلاء السائقون بشكل كلي أو جزئي على أوبر في جني الربح وإعاشة أسرهم. هؤلاء السائقون يخدمون قرابة 4 ملايين مستخدم داخل مصر أصبحوا يعتمدون على التطبيق في التنقل لقضاء أعمالهم أو الترفيه. على الجانب الآخر صرح رامي كاطو، الرئيس التنفيذي لكريم مصر، أن عدد «الكباتن» (قائدي السيارات) المسجلين الآن لدى الشركة في مصر بلغ 100 ألف سائق، وتهدف كريم إلى زيادة عدد الكباتن ليصل إلى 200 ألف كابتن بنهاية العام الحالي.

Embed from Getty Images

هذا الكم من الوظائف التي توفرها الشركتان، إضافة إلى الاستثمارات التي تضخها الشركتان في السوق المصري سوف يصنع الكثير من الجدل على مستوى الشارع المصري، وكذلك البرلمان الذي من المفترض أن يناقش مشروع القانون المنظم لعمل هذه التطبيقات في وقت قريب، وكان ممثلو الشركتين قد حضروا اجتماع لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب بداية العام الماضي، وذلك في دور الانعقاد الأول لمناقشة مشروع تقوم بإعداده الحكومة المصرية لتقنين أوضاع الشركتين، وكان أبرز ما اعترض عليه ممثلو الشركتين من بنود بمشروع القانون هو اشتراط وجود تراخيص مسبقة لعمل السائقين، ذلك أن 73% منهم لا يعملون بدوام كامل.

أوبر وكريم.. انتعاش كبير في سوق السيارات

تشترط شركات أوبر وكريم على العاملين لديها امتلاك سيارات حديثة نسبيًا، ففي مصر لا تقبل أي سيارة للعمل مع الشركة إذا كانت سنة الصنع قبل عام 2003، بينما في الأردن تشترط الشركات أن لا يزيد عمر السيارة عن خمس سنوات، وتشترط شركة أوبر على العاملين لديها نفس الاشتراطات الخاصة بها في السوق المصرية من حيث سنة صنع السيارة.

تسببت هذه الاشتراطات في رواج كبير شهده سوق السيارات المستعملة في مصر رغم الارتفاع الكبير في الأسعار الذي شهدته الشهور التالية لتعويم الجنيه المصري وارتفاع قيمة الدولار، وبحسب بعض التقارير، فإن سوق السيارات المستعملة قد شهد رواجًا وصل إلى الارتفاع بنسبة. 60% في منتصف عام 2016.

Embed from Getty Images

أرجع العاملون في المجال هذه الزيادة الكبيرة التي تتعارض مع الزيادة في الأسعار إلى الإقبال الكبير على تقديم طلبات العمل لدى شركتي أوبر وكريم، بالإضافة إلى الزيادة الكبيرة في سعر السيارات الجديدة، وكانت هذه الطفرة بمثابة قبلة الحياة لاقتصاد السيارات المستعملة في مصر عقب مرحلة من الركود الكبير الذي شهدته الشهور السابقة لهذا الرواج؛ والتي تسبب بها انخفاض قيمة الجنيه المصري أمام الدولار؛ الأمر الذي تسبب في زيادة الأسعار بنسبة 10 إلى 15% بحسب تصريحات نور الدين درويش، نائب رئيس شعبة السيارات بالاتحاد العام للغرف التجارية في مصر.

في نهاية العام الماضي، توقع خبراء وتجار سيارات انتعاشًا كبيرًا في سوق السيارات «الزيرو» خلال عام 2018؛ وذلك بعد إعلان شركات أوبر وكريم زيادة الاستثمارات التي ستضخها في السوق المصري، والتي ستعني زيادة أسطول تلك الشركات من السيارات الحديثة التي تنطبق عليها شروط الخدمة. صرح رأفت سروجة، عضو المجلس المصري للسيارات بأن الاستثمارات الجديدة التي تعلن عنها شركات نقل الركاب قد تؤدي إلى إنعاش حركة مبيعات السيارات في السوق؛ ذلك أن أي تحديث في خدمات نقل الركاب يرفع معها الطلب على السيارات الجديدة.

أوبر وكريم السعودية ضمن رؤية المملكة 2030

أثر انخفاض أسعار النفط في السنوات الأخيرة على اقتصاد المملكة العربية السعودية؛ فظهرت في المجتمع السعودي شرائح من المواطنين أصحاب الدخول المتوسطة والضعيفة، والذين ضاقت بهم الظروف عقب الإجراءات الاقتصادية التي اتخذتها حكومة المملكة في السنوات الأخيرة من تقليل الدعم وفرض ضرائب ورسوم على الخدمات المختلفة للمقيمين والمواطنين.

في عام 2016 بدأ التغيير الذي أحدثته شركات أوبر وكريم في الظهور، فقد أعطت هذه الشركات فرصًا جديدة لأعداد كبيرة من المواطنين لزيادة دخولهم، وذلك بطريقة مرنة تسمح لهم بالعمل في الوقت الذي يناسبهم وللمدة التي تفي باحتياجاتهم.

Embed from Getty Images

أدت سهولة الانضمام إلى هذه الشركات، إضافة إلى التسهيلات الكبيرة التي قامت بها معارض السيارات لراغبي امتلاك سيارات جديدة، إلى إقبال قياسي من الشباب السعودي على الانضمام إلى أوبر وكريم. لم يكن على أحد الشباب السعودي إن أراد أن ينضم إلى أوبر أو كريم إلا توفير مبلغ بسيط من المال يقدر بـ1500 دولار، أو ما يوازيهم من العملة المحلية دفعة أولى للحصول على سيارة جديدة والبدء في جني المال.

يأتي ذلك مع ظروف عمل سهلة للغاية لا تجبره على الحضور والانصراف في وقت معين، أو العمل فترات محددة، فقط سوف تعمل عندما تريد أن تربح بعض الأموال.

في يناير (كانون الثاني) 2017 قالت الحكومة السعودية إنها تأمل في أن يكون تطبيقا أوبر وكريم لخدمات سيارات الأجرة داعمًا مهمًا لنجاح خطتها لضم 1.3 مليون امرأة سعودية إلى سوق العمل، وذلك ضمن الخطة التنموية الاقتصادية 2030.

ورأت الحكومة السعودية أن تطبيقات مثل أوبر وكريم يمكن أن تكون الآلية المناسبة لاستخدام النساء السعوديات للذهاب إلى العمل؛ بسبب منعهن من قيادة السيارة، وذلك عوضًا عن السائقين أو الأقارب الرجال أو سيارات الأجرة التقليدية. لاحقًا سمحت الحكومة السعودية للنساء السعوديات بالقيادة، وهو الأمر الذي لن يغير من حقيقة اعتماد الحكومة السعودية على الشركتين ضمن خطتها التنموية 2030.

Embed from Getty Images

وتهدف المملكة العربية السعودية في خطتها التنموية 2030 إلى خلق 450 ألف فرصة عمل في القطاع الخاص بحلول عام 2020، في الوقت الذي أعلنت فيه أوبر وكريم أنهما ستوفران 200 ألف فرصة عمل للرجال السعوديين قبل انقضاء هذه المدة.

هذه التوقعات التي تصدرها الشركتان يبدو أنها تقع محل تصديق من الحكومة السعودية التي ضخت استثمارات بقيمة 3.5 مليارات دولار من صندوق الثروة السيادية السعودي في يونيو (حزيران) 2016 في شركة أوبر، وكان هذا هو الاستثمار الأكبر في تاريخ الشركة حتى ذلك الوقت. كما أعلنت شركة الاتصالات السعودية شراء نسبة 10% من أسهم شركة كريم مقابل 100 مليون دولار في ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد