خلدت بعض الشخصيات التاريخية ملامحها بأن صنعت أقنعة خاصة، ونقشت صورها على جدران المعابد، مما سهل كثيرًا على المؤرخين عملهم لتخيل شكل الشخصية، أو الشكل الذي أرادت الشخصية تخليده. فقد اتضح مؤخرًا أن كثيرًا من هذه الرسوم والأقنعة ليست جميعها حقيقية وتصور الشكل الواقعي، وذلك بتطوير تقنية «CGI»، وفن إعادة بناء الوجه ثلاثي الأبعاد، والمستخدمة في مجال الفن لتحويل غير الواقعي إلى واقعي، فهي تعمل بجوار الكاميرا التي تلتقط مشاهد حقيقية، ولكن CGI تنشئ مشاهد تبدو حقيقية من دون أصل حقيقي في الواقع.

تعد تقنية «CGI» جزءًا من علم الأنثربولوجيا الطبية الشرعية، وساعدت هذه التقنية المؤرخين والفنانين والهواة في التعرف إلى الشكل الحقيقي لأهم الشخصيات في تاريخ العالم، وكيف بدت الشخصيات التاريخية الشهيرة وهي حية، وكيف رآهم من معهم. ولكن عملية إعادة بناء الوجه ليست سهلة، وتزداد صعوبة كلما كان الشخص المراد رسم وجهه متوفى منذ قرون أكثر. فتعتمد التقنية الحديثة على الرفات الآدمية المتحللة والبقايا في حالتها السيئة من أجل أغراض البحث الجنائي.

كيف تكشف «CGI» الوجه الحقيقي للأجداد؟

في وقت سابق استطاع، علم أنثربولوجيا الطبي الشرعي إعادة 400 رجل من العصور الوسطى إلى الحياة مع نسائهم وأطفالهم، بتصوير أشكالهم الحقيقية وتخيلها، باستخدام تحليل الحمض النووي، وكانوا قد وجدوا في مقبرة إدنبره في اسكتلندا عام 2009، في وضع صعب، وفي قبور مشتركة، وربط الأثريون أوضاع دفنهم في جماعات بوباء الطاعون أو أمراض معدية أخرى.

كانت هذه هي الطريقة التقليدية، ولكن اليوم تتضافر جهود أبحاث الطب الشرعي في جامعات مثل جامعة دندي باسكتلندا، وجامعة ليستر البريطانية، وخاصية «CGI»، بعد التعرف على لون البشرة والشعر والعينين وحالة الأسنان، واستكمال التصوير مسترشدين بنتائج الاختبارات التي ينتجها أساتذة علم الوراثة.

تحتاج عملية إعادة بناء الوجه لاستخدام الجمجمة البشرية للشخص قاعدةً أساسية، واستنتاج الشكل الخارجي بوضع خارطة من النقاط المحتمل وجود أنسجة لينة بها، وكذلك عمق الأنسجة اللينة أو بروزها، ثم يجري تركيب الأنسجة التي فقدتها الجمجمة بالتحلل، لتظهر الصورة الأقرب على الشاشة، إلى أن يظهر الوجه كاملًا وبارزًا.

إن الهياكل العظمية هي أساس كل شيء في العمل بهذه الخاصية، من أجل الوصول للشكل النهائي، فتنحني الملامح وتبرز على أساس شكل الجمجمة الخارجي، وتبني الخاصية ملمحًا تلو الآخر، وصولًا إلى حدود الفم وشكل العين، وطبيعة البشرة، وكل ما يحتاج العناية عند تفصيله ورسمه حتى الوصول للمسودة التقريبية للوجه بعد ملء كل تفاصيله مع إضافة اللون والملمس والإضاءة، بالاعتماد على الحساسيات الواقعية، حتى لو كانت الرسمة متخيلة وغير أصلية إلا أنها يجب أن تتطابق مع طبيعة المناخ وتأثيرها على البشرة وتأثير السن على سلامتها وشكلها، لرسم شكل افتراضي لأصل المومياء.

«إخناتون كان أشبه بالفضائيين!».. هل كان الفراعنة بنفس جمال تماثيلهم حقًا؟

توت عنخ آمون.. لغز يتكشف

حكم توت عنخ آمون مصر في عصر الدولة الحديثة، وكان فرعونًا من الأسرة الثامنة عشر، أصبح فرعونًا وهو يبلغ تسع سنوات فقط، واستمر حكمه حوالي 10 سنوات قبل موته في عام 1324 قبل الميلاد. أصبح توت عنخ آمون أشهر فرعون في تاريخ مصر القديم، منذ اكتشاف هوارد كارتر مقبرته في عام 1922، والذي كان كشفًا تاريخيًا عن الملك في قناع الموت الذهبي المخصص له، ومع التعرف إلى الكثير بعد هذا الكشف، إلا أن سر موت الملك كان غامضًا.

على اليمين الصورة التي توصل لها العلماء لملامح توت عنخ آمون، وعلى اليسار قناعه الذهبي. المصدر thechive

وفي 2014 صُدم هواة التاريخ ومحبو الملك، بأول كشف عن صورة الملك الحقيقية، وكيف كان يراه معاصروه، فلوقت طويل ارتبطت ملامح الملك بصفات مثل الجمال والوسامة، لتأتي النتائج وتخالف ذلك، بقدر لا نعلم حدوده، خاصة أن معايير الجمال والوسامة تختلف من زمن لآخر، وقد ظهر مؤخرًا فيلم وثائقي جديد لهيئة الإذاعة البريطانية الـ «BBC» بعنوان «توت عنخ آمون: الحقيقة الكاشفة» وصل إلى إجماع على سبب وفاته.

وجاء بالفيلم مراحل بناء العلماء صورة له بخاصية «CGI» أخيرًا بعد عمل 2000 أشعة مقطعية على الجمجمة، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يجري فيها مثل ذلك العمل. وكشفوا أن توت عنخ آمون كان محاربًا عظيمًا، وقُتل بضربة على رأسه، وقد عانى في حياته من أمراض كثيرة نتيجة لحقيقة أن والديه هما أخ وأخته. ووصل العلماء أيضًا بهذا الكشف للتأكد من أنه أصيب بكسر في قدمه اليسرى، وتسبب في سوء صحته.

فيديو لمراحل كشف ملامح وجه الملك توت عنخ آمون

وجوه أخرى كشفتها لنا تقنية «CGI»

استخدمت التقنية في الكشف عن الشكل الحقيقي للكثير من الشخصيات التاريخية من ثقافات وحضارات مختلفة، وقد نجحت في الخروج بنتائج لم تكن ممكنة من قبل، وهذه بعض هذه الأمثلة.

الملكة نفرتيتي

هي زوجة إخناتون، وقامت معه بثورة دينية، من أجل عبادة إله واحد فقط وهو قرص الشمس، وكانت فترة حكمها هي وزوجها لمصر، هي الفترة الأغنى في تاريخ مصر، ويُقال أنها حكمت مصر منفردة بعد وفاة زوجها.

وكان هناك جدل حول إعادة بناء وجه نفرتيتي بالاعتماد على موميائها التي جرى اكتشافها عام 1898، فقد اعتقد بعض النقاد والأثريين بأنها كانت بيضاء، ولكن بعد العمل نحو 500 ساعة على مومياء عمرها 3400 عام، ثبت أنها كانت امرأة فائقة الجمال، وأن بشرتها بنية وقريبة جدًا لبشرة توت عنخ آمون وكليوباترا، والتي كانت صورتها مخالفة لما جرى الاعتقاد به لقرون.

الشكل الأصلي لملامح وجه الملكة نفرتيتي بناء على خاصية الـ «CGI»، مصدر الصورة buzzfuse

كليوباترا

هي ابنة بطليموس الثاني عشر، وخلفته ملكةً لمصر سنة 51 قبل الميلاد وتقاسمت العرش مع أخيها بطليموس الثالث عشر

وحتى احتلال الرومانيين لمصر عام 30 قبل الميلاد، وأصبحت بذلك آخر ملوك الأسرة المقدونية، التي حكمت مصر منذ وفاة الإسكندر الأكبر عام 323 قبل الميلاد.

اهتم الخبراء برؤية الشكل الذي بدت عليه كليوباترا كونها واحدةً من أشهر النساء في العالم، وقد قيّم المؤرخون كليوباترا على أنها أجمل نساء العالم، على الرغم من أن الرسوم المصرية القديمة في المعابد لم تظهر تفاصيلها كباقي الملوك. وهذا كان السبب في صدمة ثانية للمؤرخين، ففي حين أنه لا يمكننا القول بأن الصورة الحقيقية لكليوباترا ليست جميلة، وليست بجمال الملكة نفرتيتي، إلا أنها جاءت على خلاف  ما اعتقد فيه الكثيريون لزمن طويل.

فيديو يوضح مراحل الوصول للشكل الأصلي للملكة كليوباترا.

روبرت بروس

حكم روبرت اسكتلندا منذ عام 1306 وحتى وفاته عام 1329. كان روبرت محاربًا، وقاد بلاده في حروب الاستقلال ضد بريطانيا، ويعد بطلًا قوميًا للاسكتلنديين.

فيديو يوضح مراحل الوصول للشكل الأصلي لحاكم اسكتلندا.

الملك هنري الرابع

هو سلسيل الملك لويس التاسع، وحكم هنري فرنسا منذ عام 1572 وحتى 1610، وتورط في حروب الدين التي شنتها فرنسا، وقاد القوات البروتستانتية ضد الجيش الملكي فيما بعد.

فيديو يوضح مراحل الوصول للشكل الأصلي للملك هنري الرابع.

من أين أتى المصريون؟ مصر قبل ظهور الفراعنة

كيف أمكن استغلال «CGI» في السينما؟

إن الـ «CGI» ليس مصطلحًا جديدًا في السينما، فهو شائع الاستخدام في هوليوود لإنتاج صور ثلاثية الأبعاد وتأثيرات متخصصة في أفلام الحركة الحية، والأفلام المتحركة والبرامج التليفزيونية. ويستخدم المصممون هذه الخاصية بإدخال رسومهم الأساسية على الكمبيوتر، ثم استخدام الخاصية الجديدة لتجعل الرسوم نابضة بالحياة، وجعل الخدع والجرافيك يبدوان حقيقيان.

وقدم فيلم «Westworld »الصورة المرسومة على الكمبيوتر لأول مرة كمشهد من بين أحداثه في عام 1973 ، وتبعه فيلم «Star Wars» في عام 1977 واستخدم خاصية الـ «CGI». في ذلك الوقت، كانت هذه الخاصية طريقة معقدة لإنتاج مشاهد غير مثالية، وذلك حتى عام 1993، والتي عرض فيها فيلم «Jurassic Park»، وكان الاستخدام الأفضل لخاصية «CGI» حتى ذلك الوقت، وبطريقة أوسع وأكثر حرفية، حيث قام الفيلم على مشاهد بين الديناصورات الحية والممثلين الحقيقيين، ونجح الفيلم، وحقق شعبية جماهيرية كبيرة.

فيديو يوضح كيف اندمجت رسوم الديناصورات مع البشر والخلفية الطبيعية في فيلم Jurassic Park

وبعد مرحلة الأفلام الحية الممزوجة ببعض الرسوم، عرفت أفلام الرسوم المتحركة خاصية الـ «CGI» في عام 1995، وكان «Toy story»أول فيلم رسوم متحركة يجري إنتاجه بالكامل بواسطة الكمبيوتر، وأعادت الخاصية الجديدة الألعاب في الفيلم إلى الحياة وجعلت البشر في الفيلم يبدون كبشر حقيقيين. واليوم أصبح استخدام الـ «CGI» داخل الأفلام أكثر شيوعًا، وساعدت في إنتاج أفلام ناجحة عالميًا مثل «Avatar» و «Lord of the  Rings» و «Finding Nemo»، واستخدمتها أيضًا مسلسلات تلفزيونية معروفة مثل «The Walking Dead» و «Doctor Who».

«المصريون أحفاد الفراعنة ومصر قلب العروبة».. الأبحاث الجينية لها رأي آخر

وبالطريقة نفسها التي تعمل بها الخاصية على تحويل المومياء المحنطة إلى صورة تخيلية، فإن المراحل الأولى من عمل الـ «CGI» يجري فيها استخدام المصادر المرجعية لبناء مخططات أولية للخلفيات والشخصيات المراد تجسيمها، بالخطوط والألوان وطبيعة الحركة، ورسم البيئة التي ستظهر فيها الشخصيات، ثم إحلال الرسوم في هيأتها الجديدة، ثلاثية الأبعاد، في المشهد، لبناء مخطط لكيفية إخراج المشهد النهائي، وضبط زوايا الكاميرا لتأخذ أبعادًا مماثلة لتلك المرسومة، لتبدو المجسمات طبيعية وسط البيئة العامة للمشهد. ولكن الأمر ليس سهلًا تمامًا كما يبدو، فبالنسبة لشخصية خيالية مثل سولي من إنتاج شركة «مونسترز» كشفت هيريستين واجنر المشرفة على العمل، أن أكبر عقبة تكنولوجية واجهتها خلال السنوات الأربع من العمل على سولي كانت التفاعل وحركة قميص سولي مع شعر جسده واحتمالية احتكاكهما، خاصة وأن لسولي 5.4 مليون شعره، في حاجة لتحريكها بشكل واقعي تمامًا ومدمج بحرفية على خلفية مشهد حقيقي.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!