إننا نفكر أن أوروبا كانت موطن الأسلاف من ذوي البشرة البيضاء، لكن أدلة جديدة ومثيرة تتتابع في السنوات الأخيرة لتؤكد أن أسلافنا – في أوروبا أيضًا – كانوا من ذوي البشرة السمراء، بشكل أثار الاهتمام بما كان عليه سكان أوروبا، وكيف ومتى تحولت بشرتهم إلى اللون الأبيض؟

حلقات مجهولة في تاريخ القارة

في عام 2006 عثر العلماء على هيكلين عظميين للإنسان الأوروبي القديم في كهف بمنطقة جبلية، تقع في شمال غرب إسبانيا. واستطاع فريق من الباحثين دراسة الصفات الوراثية لهما، واستخلصوا وجود علاقة تربط الإنسان الأوروبي البدائي على نحو وثيق بالسكان الحاليين للدول الإسكندنافية مثل السويد وفنلندا، وأظهرت الاختبارات الجينية أن الإنسان الأوروبي القديم يمتع بعينين زرقاوين وشعر أسود وبشرة داكنة.

لم تكن هذه النتيجة متوقعة – كما يقول لالوزا فوكس المشرف على الدراسة – فلطالما ساد الاعتقاد بأن الإنسان الأوروبي البدائي تحول إلى البشرة الفاتحة بعد فترة وجيزة من مغادرته لأفريقيا والانتقال إلى القارة الأوروبية منذ نحو 45 ألف عام. لكن النتائج كشفت أنه تصور خاطئ «لأن ذلك الإنسان القديم كان يعيش في أوروبا قبل أكثر من 40 ألف عام، وكان ما يزال من ذوي البشرة الداكنة» كما يقول لالوزا.

شاهد الكشف العلمي لهيكل صياد عاش قبل 7 آلاف عام في غرب إسبانيا:

بعدها بسنوات فتحت دراسة جينية للبقايا البشرية للأوربيين الذين عاشوا قبل آلاف السنين في العصر الحجري القديم (قبل حوالي 45 ألف سنة إلى 7 آلاف سنة مضت)، نافذة فريدة لعصور ما قبل التاريخ في القارة، على حلقات ما تزال مجهولة حتى الآن، وكشفت أن هذه السنوات كانت أكثر تعقيدًا من الـ 7 آلاف عامًا الماضية، كما يوضح ديفيد رايخ عالم الوراثة في جامعة هارفارد، والمؤلف الرئيسي للدراسة التي نشرتها مجلة «ناتشر» عام 2016، ففي لحظات متعددة حلّ سكان محل آخرين، وكان الطقس يتغير جذريًّا فيفرض الهجرة مُغيرًا طبيعة السكان ووجه القارة.

ويمكن القول بأن البشر المعاصرون وصلوا إلى أوروبا منذ حوالي 45 ألف عام، ولم يُعرف الكثير عن التركيب الجيني للسكان قبل بدء الزراعة قبل حوالي 8500 عام. وشملت الدراسة أقدم البشر من الصيادين الذين عاشوا قبل فترة وجيزة من ثورة العصر الحجري الحديث، التي نقلت الزراعة إلى القارة. وجرى تحليل الصفات الجينية لـ51 من الأوروآسيويين الذي عاشوا قبل حوالي 45 ألف و7 آلاف عام مضت، وخلال ذلك الوقت، انخفضت نسبة الحمض النووي للنياندارتال من 3- 6% إلى حوالي 2%، وفقًا لعملية الانتقاء الطبيعي ضد المتغيرات النياندرتالية في البشر المعاصرين.

هؤلاء ليسوا أجداد الأوروبيين

رغم وصول البشر الأوائل إلى أوروبا قبل حوالي 45 ألف عام، فإن البصمة الوراثية لهم قد اختفت تمامًا لدى سكان القارة اليوم. وقرابة السكان الأوروبيين اليوم بالبشر الأوائل من ساكني القارة تعود إلى 37 ألف عام مضت فقط. وقد استطاع مؤلفو الدراسة التعرف إليها من خلال الثقافة الأوريانية.

وأوضح مانويل جونثاليث موراليس الباحث في جامعة كانتابريا، والمؤلف المشارك في الدراسة، أن الأمثلة الأولى للفن والموسيقى، مثل اللوحات الموجودة في كهف شوفيه في فرنسا أو المزامير العظمية، تنتمي لهذه الثقافة.

شاهد فن ما قبل التاريخ في كهف شوفيه:

كانت أوروبا تشهد في ذلك الوقت العصر الجليدي الأخير، إذ كانت الأنهار الجليدية تتحرك من شمال أوروبا فتبيد قرى بأكملها أو تدفعها للهجرة، ووفقًا للدراسة فقد بدأت قبل 33 ألف عام، مجموعة أخرى تحل تمامًا محل المجموعة السابقة، وكانت تنتمي إلى ثقافة الجرافيتيين، التي تتميز لوحاتها بالزهور الحجريّة المنحوتة، وفقط قبل حوالي 19 ألف عام ظهر أحفاد ثقافة الأورناكيا، وكشفت رفات بشرية لهم في كانتابريا بشمال إسبانيا ارتباط سكان المنطقة بهم مباشرة.

الأوربيون اليوم من ثلاثة أصول مختلفة

أحد التفسيرات المحتملة هو أن هؤلاء الناس هاجروا إلى ملاجئ دافئة في جنوب أوروبا، وخاصة شبه الجزيرة الأيبيرية خلال الفترة الجليدية الأخيرة، ثم انتشروا مرة أخرى في شمال أوروبا، وهكذا تغير وجه القارة. أما التغير الأخير، فيرصد العلماء حدوثه قبل 4 آلاف عام، بقدوم مهاجرين من الشرق الأوسط وانتشارهم على نطاق واسع ليحلّوا محل السكان الأصليين، وهي هجرة لم يعرف عنها العلماء من قبل، واستطاعوا رصدها من خلال رفات صياد عُثر عليه في منطقة فيلابرونا في إيطاليا.

وقد بقيت الصفات الوراثية لهذه المجموعة آلاف السنوات، وعُثر عليها أيضًا في رفات صياد كان يعيش في قرية برانيا بمنطقة ليون في إسبانيا قبل 7 آلاف عام، إذ تكشف الصفات الوراثية للرجل أن بشرته كانت داكنة وأن له عينين زرقاوين. وتشير دراسة الحمض النووي إلى أن أقرب الأوربيين الذين يمتلكون هذه الصفات؛ هم سكان الشمال في السويد وفنلندا.

ووفقًا لما يقوله جونثاليث فقد كان الأوروبيون من ذوي البشرة السمراء والعيون الزرقاء حتى وصول أجدادهم من الشرق الأوسط قبل 14 ألف عام، ويؤكد أن الدراسة قد «كشفت أن أوائل الأوروبيين الذين كانت بشرتهم بيضاء عاشوا قبل 13 ألف عام، وأنه مع وصول أول المزارعين من الشرق الأوسط أصبحت البشرة البيضاء أكثر شيوعًا. بمعنى آخر، كان الأوروبيون في معظم تاريخهم من السود».

أحد الاحتمالات التي يرجحها العلماء أن اللون الأبيض وصل أوروبا بسبب هجرات المزارعين من الشرق الأقصى – مصدر الصورة: taringa.net

ومن خلالاللغات مقارنة الحمض النووي لـ83 فردًا عُثر عليهم في مواقع أثرية من مختلف أنحاء أوروبا؛ أفاد الفريق الدولي للباحثين أن الأوروبيين اليوم هم مزيج من ثلاثة مجتمعات قديمة على الأقل من الصيادين والمزارعين الذين انتقلوا إلى أوروبا في هجرات مختلفة على مدى 8 آلاف سنة ماضية. وكشفت الدراسة أيضًا أن الهجرة الجماعية للرعاة من سهول شمال البحر الأسود قد نقلت  الهندية- الأوروبية إلى أوروبا قبل حوالي 4500 عام.

تاريخ وفلسفة

منذ 6 شهور
رغم الاضطهاد.. 5 شخصيات سوداء صنعت التاريخ في أوروبا

كيف وصل اللون الأبيض إلى أوروبا؟

ظهرت الجينات المسؤولة عن البشرة الفاتحة نتيجة عدة احتمالات يرجّحها العلماء. الأول هو وصول أول المزارعين من الشرق الأقصى إلى أوروبا، حاملين معهم الصفات الوراثية للبشرة الفاتحة. وبتزاوجهم مع جامعي الثمار – السكان الأصليين للقارة – اجتاحت إحدى جيناتهم أوروبا، بحيث بدأ الأوروبيون الجنوبيون في الحصول على بشرة فاتحة قبل حوالي 5800 سنة مضت.

أما الاحتمال الثاني فهو ما عثر عليه الفريق من بشرة فاتحة لدى جامعي الثمار في موقع موتالا الأثري في جنوب السويد ويبلغ عمره 7700 عام، وقد حمل سبعة أفراد جرى تحليل صفاتهم الوراثية جينات مسؤولة عن عيون زرقاء وبشرة فاتحة وشعر أشقر. وهو ما يمكن أن يعني أن جامعي الثمار في أقصى شمال القارة كانوا بالفعل فاتحي البشرة، وإن بقي سكان وسط وجنوب أوروبا من ذوي البشرة الداكنة.

أحد التفسيرات الأخرى، كما تقول نينا جابلونسكي عالمة الحفريات القديمة بجامعة بارك بولاية بنسلفانيا، هو حاجة الجسم تكوين ما يكفي من «فيتامين د»، فالأشخاص الذين يعيشون على خطوط العرض الشمالية لا يحصلون على ما يكفي من الأشعة فوق البنفسجية لتكوين الفيتامين.

لقد قارنت دراسة لفريق الباحثين نفسه الصفات الوراثية للسكان القدماء لأوروبا مع الصفات الوراثية لسكانها اليوم، ليكشف إيان ماثيسون المتخصص في علم الوراثة السكانية، وديفيد رايخ الباحث في مختبرات علم الوراثة السكانية بجامعة هارفارد؛ أن هناك خمسة جينات ارتبطت بالتغيرات في النظام الغذائي وتصبغ الجلد الذي خضع بقوة للانتقاء الطبيعي.

وأفاد العلماء بأن جامعي الثمار في أوروبا منذ 8 آلاف عام لم يكن بإمكانهم هضم السكريات في الحليب، كما لاحظوا تطورًا آخر مثيرًا للاهتمام؛ وهو أن المزارعون الأوائل الذين قدِموا من الشرق الأقصى إلى القارة منذ حوالي 7800 عام لم يستطيعوا هضم الحليب أيضًا، وقد افتقروا إلى جانب الرعاة القادمين من السهول منذ 4800 عام إلى نسخة من جين «LCT» الذي يسمح للبالغين بهضم هذه السكريات. وهذا يعني أن اللاكتوز لم ينتشر في أوروبا قبل حوالي 4300 سنة.

صورة لإنسان شيدر (Cheddar Man) وهو أول ذكر عُثر عليه في بريطانيا ويرجح أنه عاش قبل حوالي 10 آلاف عام – مصدر الصورة: الموندو

وقد كان الإنسان الأوروبي القديم يعيش على نظام غذائي يعتمد بشكل أساسي على البروتينات، وكان جسده مقاومًا لمادة اللاكتوز، ولم يكن قادرًا على هضم النشويات، ويعتقد الباحثون أن تلك السمات تطورت لدى الإنسان الأوروبي القديم بعد أن صارت الزراعة حرفته، وتغير بناء عليه النظام الغذائي الذي كان يعيش عليه.

وكما توضح نينا جابلونسكي، فبحكم عملية الانتقاء الطبيعي كان هناك حلّان جينيان للحصول على «فيتامين د»؛ أن يكون لدى السكان بشرة فاتحة تمتص الأشعة فوق البنفسجية بشكل أكثر كفاءة، أو أن يمكنهم امتصاص اللاكتوز ليمكن هضم السكريات والاستفادة من «فيتامين د» الموجود في الحليب، وهكذا تحول سكان أوروبا إلى اللون الأبيض قبل آلاف السنوات، وكما يشير جورج بيري عالم الوراثة الأنثروبولوجية بولاية بنسلفانيا فإن الدراسة دليل على ما يمكن أن تفعله الصفات الوراثية للفرد إلى جانب نظامه الغذائي، لتمنحه القدرة على التكيف مع بيئته.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد