تتعدد الوسائل التي تستخدم لإيصال رسائل معينة للآخرين، كان هناك من اختار الاتصال المزعج بالسياسيين والمشاهير من الإعلاميين والفنانين لتحقيق غايات متعددة. انتحلوا شخصيات متعددة وحبكوا حكايات وهمية لإيقاع واحد تلو الآخر في فخ لهم، وفيما تربع الروس على عرش هذه الظاهرة لم يخلُ العالم العربي منهم، خاصة لدى المعارضين السوريين الذين انتقموا من النظام وأتباعه عبر تلك الاتصالات.

«نيكي هايلي» في فخٍّ كبير

قبل أن تهدأ موجة النقد التي طالت مندوبة واشنطن في الأمم المتحدة، نيكي هايلي، لتهديدها من يصوّتون ضدّ القرار الأمريكي القاضي بالاعتراف بالقدس عاصمةً لدولة الاحتلال الإسرائيلي بتدوين أسمائها للولايات المتحدة، باغتتها موجة سخرية كبيرة إثر وقوعها ضحية لمخادعين روسيين مشهورين في الاتصالات المزعجة.

وقعت «هايلي» في فخّ كبير عندما استدرجها الروسيان اللذان انتحلا شخصية رئيس الوزراء البولندي، فتجاوبت معهما بكل ثقة، وفي التسجيل الصوتي الذي نشرته قناة «آر تي» بالروسية، يسأل المخادع هايلي عن الوضع في دولة وهمية غير موجودة على خارطة العالم، فيقول: «شيء آخر يهمني هو بينومو، الدولة التي ليست بعيدة من فيتنام، جنوب الصين، هل تعرفين بينومو؟» فتردّ بالإيجاب، ثم يقول المخادع: «كانوا يريدون الاستقلال، وروسيا تدخَّلت هناك»، فتجيب هايلي «بالطبع».

وبذلك تمكن  الروسيان «فلاديمير كوزنيتسوف» و«أليكسي ستولياروف»، المعروفان باسمي (فوفان ولكسوس) من ضم هايلي إلى قائمة المقالب الهاتفية للاتصالات المزعجة (prank call)، إذ اعتادا على استهداف الشخصيات المشهورة من السياسيين عبر الخدع، خاصة أولئك الذين لهم موقف معارض من الروس، فهما ماهران في تقليد أصوات المسئولين على المستوى الدولي، وهو الأمر الذي يمكن اعتباره شيئًا من ظاهرة في السنوات الأخيرة في روسيا.

قائمةٌ من ضحايا الاتصالات المزعجة

لم تكن مندوبة واشنطن لدى الأمم المتحدة، نيكي هايلي، هي الوحيدة التي تمكن منها المخادعان الروسيان، إذ لديهما قائمة من الضحايا فيها العديد من الأسماء البارزة، من السياسيين البارزين والمشاهير مثل السيناتور جون ماكين، والمغني «إلتون جون» والرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» ورئيس الوزراء الكرواتي والأمين العام لحلف شمال الأطلسي «يينس ستولتنبرغ»، وغيرهم.

ففي 19 من يوليو (تموز) الماضي، وقع وزير الطاقة الأمريكي «ريك بيري» ضحية للمخادعين الروس، حين أوهماه أن المتصل به هو رئيس الوزراء الأوكراني، فولوديمير جروسمان، ليستدرجاه في الحديث عن العديد من القضايا خلال 22 دقيقة هي مدة الاتصال كمناقشة صادرات الفحم الأمريكية، والهجمات الإلكترونية على شبكة الكهرباء الأمريكية، وفرض عقوبات على روسيا ومساعدة أوكرانيا على تطوير النفط والغاز، ودبت الشكوك لدى بيري حين أخبره المتصل المزيف بأن الرئيس الأوكراني «بيترو بوروشينكو» قد اخترع وقودًا حيويًا جديدًا يصنع من الكحول وروث الخنازير، ويذكر تقرير صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية أن: «وزير الطاقة – الذي يبدو أنه كان يعتمد على مترجم خلال المحادثة – رحب بالفكرة باعتبارها مثيرة للاهتمام، وقال للمتصل إنه سوف يزور العاصمة الأوكرانية كييف في أغسطس (آب)»، وأضاف «بيري» خلال الاتصال: «إنني أتطلع إلى زيارة الرئيس والحصول على معلومات أكثر تعمقًا… إذا كانت هذه هي النتيجة فإن الرجل سيكون ثريًا جدًا وناجحًا».

كذلك يعد واحدًا من أشهر اتصالات المخادعين الروس هو الاتصال بالمغني البريطاني المثلي الجنس، إلتون جون (68 عامًا)، وانتحال شخصية الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين». وذلك بعد وقت من انتقاد المغني لموقف بوتين من حقوق المثليين، وقال جون في المكالمة للمترجم الذي أوهمه أن يترجم لبوتين: «أبلغه أنني ممتن للغاية لاتصاله بي. إنه شرف كبير أن أتحدث إلى إحدى أكثر الشخصيات المؤثرة في العالم أجمع. إنه أمر رائع، أبلغه أنه غمر يومي سعادة. إنها لحظة رائعة في حياتي».

ومع انتهاء المكالمة نشر المغني البريطاني صورة لبوتين على إنستجرام، وشكره على الاتصال، لكن سرعان ما نفى الكرملين رسميًا الاتصال، وحين أدرك جون أن الاتصال خدعة كتب على حسابه في إنستجرام: «الدعابات مضحكة، لكن المثلية الجنسية لم تكن أبدًا مدعاة للسخرية، أحب روسيا وعرضي بالتحدث إلى الرئيس بوتين بشأن المثليين جنسيًا لا يزال قائمًا، سأظل دومًا أدافع عن الذين يتم التقليل من شأنهم أو التمييز ضدهم».

المعارضون السوريون يبدعون أيضًا

مع بداية الثورة السورية ابتدع المواطن السوري، حسين جبري (أبو زهير) فكرة الاتصال بمؤيدي النظام السوري من مشاهير الإعلام والسياسة وشتمهم على مواقفهم، ورغم أن الرجل لم يستمر أكثر من عامين إلا أنه سرعان ما ورث وسيلته في المقاومة الناشطة السورية المعارضة، ميسون بيرقدار.

الناشطة السورية المعارضة، ميسون بيرقدار (المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي).

تارة تظهر «بيرقدار» كمذيعة، وأخرى كمسؤولة في الحكومة السورية، وثالثة مسئولة أو مواطنة من دولة عربية فهي تتقن لهجات عدة، تحدد «بيرقدار» شخصيتها حسب طبيعة الفخ والشخصية التي فرضتها الظروف السورية، تكاد لم تترك أحدًا من المسؤولين والمشاهير المؤيدين للنظام السوري، إلا قامت بالاتصال هاتفيًا به وإيهامه بأنها شخصية ما تعنيه قبل أن تكشف عن حقيقتها، وتكيل له النقد اللاذع على مواقفه.

ورغم أن بيرقدار تعيش في ألمانيا منذ سنوات، لكنها أبت إلا المشاركة في الثورة السورية، فمن غرف «البالتوك»، قررت الصدام المباشر مع النظام وإزعاج رموزه وأبواقه، لقد حملت على شبكة الإنترنت الآلاف من الاتصالات المسجلة دون خوف من التهديدات المتواصلة لها، والتي من أشهرها طلب سفير النظام السابق في الأردن «بهجت سليمان» إحضارها حية أو ميتة مقابل مبلغ 5 مليون ليرة سورية في عام 2012.

وقد سجلت «بيرقدار» في الفترة الأخيرة اتصالًا هاتفيًا مهمًا كشفت فيه عن وجود رئيس النظام السوري، بشار الأسد بمستشفى الشامي بالعاصمة السورية دمشق، بعدما تسربت أخبار عن إصابته بجلطة أثرت على عينه وجزء من جسمه، وذلك حين انتحلت صفة مسؤولة بمكتب الأسد بالقصر الجمهوري، تريد من إدارة المستشفى التكتم على وجود الرئيس هناك وعدم إخبار أي شخص، فوعدوها بذلك، وهو ما اعتبر إقرارًا بوجود بشار، كذلك، يعد واحدًا من أهم اتصالات «بيرقدار» اتصالها بنائب مدير شرطة دبي، ضاحي خلفان ثلاث مرات، وشتمه على مواقفه المتعددة من قطر وقناة الجزيرة.

كذلك ذاقت «بيرقدار» من ويلات النظام، حيث اغتيل شقيقها «مازن بيرقدار» في منزله عام 2014 انتقامًا منها، إذ لم يكن معارضًا بل كان يضع علم النظام على صدره لدى نزوله من المنزل تحاشيًا لانتقام النظام منه على خلفية صلة القرابة بينهما، وقد سبق وأن استدعته مخابرات النظام في العام 2011 وأجبرته على التبرؤ منها بعد أن أسمعوه سيلًا من الكلام البذيء بحقها، تقول «بيرقدار»: «لست نادمة على شيء فعلته، لأني لم أقصد التشهير يومًا بشخص موال للنظام لمجرد شخصه، وإنما كان هدفي التشهير بتأييده لنظام قتل شعبه، ليسوا أحرارًا في قتل الشعب السوري، لو كان خلافنا معهم سياسيًا دون دماء، لكنت عذرت موقفهم، لكن هنا الموضوع مختلف، هنا هم قول واحد مع قتلنا، مع دمار بيوتنا»، وتضيف لـ«عربي 21»: «إن لم أقدم عبر كل هذه الاتصالات شيئًا إلا فضح هؤلاء على رؤوس الأشهاد فهذا يكفي، فضحت مواقف أغلب الشخصيات المؤيدة، وقلت للعالم كله خلافنا مع هؤلاء هو خلاف مع الأخلاق والروح الإقصائية التي تسيطر عليهم».

الرسائل السياسة لـ«الاتصالات المزعجة»

أضحى جهد هؤلاء الأشخاص ذا صدى سياسي، بعد تمكنهم من خداع المسؤولين والمشاهير رفيعي المستوى، لا سيما الذين يؤيدون أجندة لا تتماشى مع حكوماتهما، أو مواقف شعوبهم. يقول الصحافي السوري، إياد الجعفري: «هذا النوع من الأنشطة الإعلامية–السياسية، يكون له تأثير حينما يكون الحراك الثوري سياسيًا ويغلب عليه أدوار الداخل، ويكون هناك إمكانية لتغيير آراء الناس فيه»، ويضيف: «كان للجهد السوري تأثير في أول سنة ونصف من الحراك الثوري السوري، أما بعد أن غلبت العسكرة في الحراك الثوري، بات هذا الحراك خاضعًا لتأثيرات الخارج بصورة شبه مطلقة، وثبتت مواقف الناس بصورة عامة، من الثورة، بين مؤيد ومعارض ورمادي».

وفيما يتعلق بالمخادعين الروسيين يوضح «الجعفري» خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «أعتقد أن هذا النوع من النشاطات وإن كان يمثل استفزازًا للأمريكيين، فتأثيره طفيف على الرأي العام الأمريكي وعلى العلاقة الرسمية بين الروس والأمريكيين»، ويتابع القول: «أعتقد أن قيمته أكبر على الرأي العام الروسي تحديدًا، الذي يحاول بوتين وأنصاره استهدافَه بكثافة قبل الانتخابات المرتقبة الربيع القادم، ومن أساليب تحشيد الرأي العام الروسي، تسجيل النقاط على الأمريكيين، والترويج لنجاحات بوتين ونخبته في مواجهة الأمريكيين، على كافة الصعد، بما فيها صعيد استفزاز المسؤولين الأمريكيين والتقليل من هيبتهم».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد