في الثلاثاء الحادي عشر من نوفمبر الماضي، وقف باراك أوباما رئيس الولايات المتحدة الأمريكية (زعيمة العالم الجديد) في قمة آسيا والمحيط الهادي ليقول بصراحة مطلقة: “تتمثل رسالتنا في أننا نريد أن نرى الصين ناجحة، لكن مع نموها نريد منها أن تكون شريكًا في دعم النظام العالمي لا تقويضه.”!

هذا التصريح الأمريكي بأعلى مستوى “المستوي الرئاسي” وضح حجم الخطر الصيني على النظام العالمي الذي تتزعمه واشنطن والتي ترى الصين تقوضه، وسبقه تصريح روبرت وورك “نائب وزير الدفاع الأمريكي” لأعضاء مجلس العلاقات الخارجية بشأن تحركات الصين وروسيا لتغيير النظام العالمي، وقال نصًا: “الدولتان تريدان تغيير بعض نواحي النظام العالمي الذي قام بعد الحرب العالمية الثانية، ولابد أن تعرفا أنه بإمكان الولايات المتحدة الرد على التحديات الموجهة لحليفاتها بطرق عسكرية.”!

لكن الحقيقة مختلفة وهي أن روسيا لا تبدو بذلك الخطر البالغ الذي يظهر للولايات المتحدة من الصين، فما الذي تفعله الصين بالذات لتسبب كل ذلك القلق في دوائر الحكم الأمريكية؟

جــ 1: ” وَسِّع نفوذك الإقليمي”

{بتعداد السكان الصيني الكبير ومساحة أراضيها الضخمة، مع موقعها الجيوسياسي يتضح لنا أنه لا توجد منطقة في جنوب ووسط وشمال آسيا بلا وجود أو استثمار صيني بينما يشكل الاقتصاد الصيني المحرك الرئيسي للنمو الآسيوي}.

كان هذا أول ما قاله البروفيسور “باول جودوين”، أستاذ العلاقات الدولية السابق بكلية الحرب الوطنية بواشنطن، في دراسته المعنونة بـ”الصين كمهيمن إقليمي”، والتي حاول فيها توضيح نفوذ الصين الجغرافي، والسياسي، والاقتصادي والعسكري.

تقدم جمهورية الصين الشعبية دليلًا مبسطًا لكيفية توسيع النفوذ الإقليمي لأي دولة في ثلاث خطوات:

أ – القوة البحرية

تسير الولايات المتحدة بحريًا على إستراتيجية ألفريد ثاير ماهان ضابط البحرية الأمريكي الذي وضعها في كتابه غير المعروف “تأثير القوات البحرية في التاريخ” والذي نشر في العام 1890، وقد لخصها الصحفي الشهير (آيان جونسون) في جملة واحدة في مقاله المعنون بـ”التحدي الصيني” لـ(الأمم العظيمة تحتاج لقوات بحرية قوية لها قواعد في كل أنحاء العالم تستقبل هذه القوة وتنشر سيطرتها). لذلك، تمتلك الولايات المتحدة ستة أساطيل بحرية تسيطر تقريبًا على أغلب المناطق الحيوية في محيطات الكوكب، الأسطول الأكبر فيهم هو الأسطول السابع مسؤول العمليات البحرية والتأمين في شرق وجنوب شرق آسيا، ومقره في مدينة يوكوسوكا اليابانية.

تحاول الصين ضرب نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية في بحر الصين الجنوبي، أحد أهم مناطق الملاحة العالمية، والسيطرة عليه بشكل شبه كامل، مثلًا فقانون البحار في معاهدة الأمم المتحدة لعام 1982 ينص على حق الدولة – أي دولة – في 12 ميلًا بحريًا كمياه إقليمية ثم بعد ذلك 200 ميل بحري كمنطقة اقتصادية، الفارق شاسع هنا، المياه الإقليمية لأي دولة أي تعدٍّ عليها أو إبحار فيها بدون إذن هو بمثابة خرق لسيادتها ويحق لها أن ترد عليه بما تراه من إجراءات عسكرية مهما كانت عنيفة، أما المنطقة الاقتصادية فهي حق استغلال القاع البحري فقط مع حق الملاحة لأي دولة بلا إذن.

يضمن الأسطول السابع سريان هذا القانون تأمينًا لمصالح الولايات المتحدة بالطبع، ما تحاول الصين فعله هو مد النفوذ البحري وتحويل المنطقة الاقتصادية لمياه إقليمية صينية، بالتالي تقليص مساحة نفوذ الولايات المتحدة على بحر الصين الجنوبي، وفرض السيطرة على أحد أهم تروس آلة النقل البحري الدولي.

يدلل آيان على وجود إستراتيجية صينية شبه واضحة لتوسيع النفوذ البحري بحادثة كادت أن تتحول اشتباكًا بين البحرية الصينية والأمريكية في ديسمبر 2013، حيث أبحرت حاملة الطائرات الصينية (لياونينغ) جنوبًا باتجاه المياه المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، بعد قليل ستخرج سفينة اعتراض أمريكية وراء حاملة الطائرات، المسافة كانت بعيدة بين القطعتين مع فارق الحجم والقوة الهائلين لصالح الحاملة، لكن الصين تعاملت مع الأمر على أنه تهديد مباشر، وأرسلت فرقاطة قطعت طريق السفينة الحربية الأمريكية وأجبرتها على التراجع. بعدها فرضت الصين حظرًا جويًا على مناطق تقع تحت سيطرة اليابان مثل جزر سينكاكو لتبرهن عمليًا على قوتها المتنامية وعلى نيتها المباشرة لضرب نفوذ الأمريكيين في بحر الصين الجنوبي ومناطق المحيط الهادئ الآسيوية.

ب – شراء آسيا

{أربعون مليارًا من الدولارات لصنع شبكة نقل متكاملة، ستة عشر مليارًا استثمارات مباشرة، ستة مليارات دولار لدولة واحدة فقط}.

هذه الأرقام الهائلة توضح لك حجم الأموال التي سوف تضخها الصين لخدمة استثماراتها بشكل مباشر ولركل روسيا من مناطق نفوذها في آسيا وممارسة هيمنة اقتصادية شاملة في القارة، هيمنة تُسوِّقها الصين على أنها هيمنة شريك وصديق متضامن مع كل دولة آسيوية مهما قل حجمها وثقلها وأنها ليست صورة المستعمر القديمة، تسوقها بنجاح تام!

The Caucasus and Central Asia Political Map 2000

موقع (الدبلوماسي) أورد تقريرًا وضح فيه مدى توسع وضخامة الإستراتيجية الصينية الجديدة في آسيا، في البدء فازت الصين في النزاع الذي كان قائمًا على تجديد شبكة أنابيب الغاز الطبيعي في آسيا الوسطي والممتدة حتى الصين وروسيا مع توسيعها، الشبكة من المقرر أن توفر للصين 40% على الأقل من احتياجاتها من الغاز المستورد، أي أن الصين تصدر للصين، هذه النسبة أكلت من الغاز المصدر لروسيا من نفس المنطقة، النتيجة أن الدب الروسي يعاني من تراجع واردات الغاز له بنسبة 60% منذ أول ظهور لشبكة الأنابيب في 2009، النصيب الأعظم من تحول صادر الغاز الطبيعي للصين بدلًا من روسيا تتحمله “تركمانستان”.

الأربعون مليار دولار سيتم توجيهها لصنع شبكة نقل هائلة تربط الصين بـ”آسيا الوسطى/ أوروبا/ الشرق الأوسط”، وهو ما عرفه الرئيس الصيني شي جين بينغ على أنه خروج من عنق الزجاجة لآسيا كلها، من هذه الأربعين المخصصة لصندوق طريق الحرير الصيني الجديد هناك ستة عشر مليارًا كدعم مباشر لبنية آسيا الوسطى التحتية في استثمارات تفوق بمئات المرات ما تضخه روسيا في نفس المناطق.

أما القاضية لروسيا فكانت في طاجيكستان، الدولة الواعدة بمواردها الطبيعية وذات الثقل الاقتصادي بالغ الأهمية لروسيا، نائب وزير المالية جمال الدين نورالييف صرح للفاينانشيال تايمز أن الصين ستستثمر ما يقارب الستة مليارات دولار في بنية طاجيكستان التحتية، في خلال عام 2017، وهو ما يعادل ال 70% من إنتاج طاجيكستان المحلي بالكامل في 2013، وما يعادل 40 ضعف (كل) الاستثمار الأجنبي في الدولة سنويًا.

ولمعرفة حجم الضربة الصينية لروسيا تحديدًا في المنطقة الواعدة، فالمبلغ الذي وعدت به روسيا طاجيكستان كان سبعة ملايين دولار تقريبًا، وهو رقم لا يذكر بجانب مليارات الصين.

جـ – مؤسسات مالية موازية

في عالم الاقتصاد تهيمن الولايات المتحدة عالميًا عن طريق مؤسسات مالية تستخدمها في ضخ الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة في الدول المختلفة وتثبيت سعر الصرف بالنسبة لعملتها، أهم مؤسستين هما “البنك الدولي للإنشاء والتعمير” و”صندوق النقد الدولي”، وفي آسيا تترك مهمة السيطرة لليابان التي تحتفظ بإدارة بنك التنمية الآسيوي (ADB)، حسنًا، الصين تتحرك لتغير ذلك!

في أكتوبر الماضي كللت تحركات الصين بالنجاح، واستطاعت حشد عشرين دولة أخرى مستقرة على رأسها الهند وماليزيا وتايلاند وسنغافورة، للتوقيع على مذكرة تفاهم لإنشاء بنك الاستثمار الآسيوي (AIIB) برأس مال يبلغ 100 مليار دولار تقدم الصين نصفها بمفردها، على أن يكون البنك مسئولًا عن تطوير البنى التحتية في دول آسيا كلها.

New-Asian-Bank

بعدها، أعلن الرئيس الصيني كما أعلاه عن صندوق طريق الحرير باستثمارات مبدئية قدرها 40 مليار دولار، ومهمة الصندوق الظاهرية هي الإنفاق على البنى التحتية لكل الدول التي ستقع على طول الحزام الآسيوي الجديد للنقل أو طريق الحرير والذي سيمتد في مرحلته الأولى من هورجوس – المدينة الثلجية على الحدود الصينية – لإيران.

الساسة في واشنطن لا يؤمنون أن هذه المشاريع هدفها الإستراتيجي بنية تحتية آسيوية متطورة، بل يعتبرونها حصانَ طروادة صينيًا لقلب النظام العالمي، وإنهاء الهيمنة الأمريكية الأوروبية اليابانية على المؤسسات المالية العالمية، لذلك كانت الولايات المتحدة تضغط على الدول الآسيوية الكبرى لعدم المشاركة في بنك الاستثمار الجديد، ونجحت بالفعل مع (أندونسيا/ كوريا الجنوبية/ أستراليا)، بينما فشلت مع حلفاء مقربين لها كتايلاند وسنغافورة. ثم بدأت منذ عامين في إعادة تشغيل بعض القواعد العسكرية القديمة في فيتنام والفلبين وتايلاند، وهو ما قالت عنه الولايات المتحدة أنه أمر روتيني لحماية وتعزيز التجارة الحرة، بينما رد محللون بأنه وسيلة لمواجهة النفوذ الصيني المتنامي في المنطقة.

زيارة شي لأندونسيا وتصريحات بمضاعفة التجارة الثنائية بين الصين وجنوب شرق آسيا لتصل إلى تريليون دولار في عام 2020، عقود غاز ونفط وتجارة وبنى تحتية صينية في آسيا الوسطي بـ30 مليارًا من الدولارات، صندوق نقد، بنك استثمار، وحشد لقوى صاعدة خلفها، كلها رسائل تبعثها بكين لواشنطن في سرعة ودقة، أنها ستواصل تقليص النفوذ الأمريكي في أكبر وأغنى قارة حتى تنهيه لصالحها تمامًا.

جــ 2: عقيدة الأطراف

لديفيد بن جوريون – أحد مؤسسي الكيان الصهيوني الأوائل – مصطلحًا صاغه مع المؤسسين يدعى “عقيدة الأطراف”، المصطلح ببساطة هو تجسيد مطلق للـProactive Thinking أو التفكير الاستباقي، عندما تكون هناك دولة محاصرة بنفوذ وهيمنة (دولة/ دول) أخرى، فإن على هذه الدولة أن تتجاوز هذه الدول حولها، وأن تبسط أذرعها في الدول المحيطة بالحلقة المحاصرة، النتيجة هي “حاصر حصارك”.

هذا المبدأ تطبقه إسرائيل بنجاح؛ فتقيم علاقات مع الهند وتتوغل في أفريقيا لتحاصر الدول العربية، وهو أساس هيمنة الولايات المتحدة الخارجية. الصين، التي فهمت اللعبة تمامًا؛ بدأت في تطبيق نفس المبدأ وتغيير قواعد اللعبة لصالحها كليًا.

يمكن فهم ما تفعله الصين في أفريقيا في إطار مبسط، الصين هي ثاني أكبر مستهلك للنفط والطاقة عمومًا في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، الإنتاج المحلي النفطي لا يغطي الاستهلاك، أغنى منطقة في العالم بالنفط (الشرق الأوسط) إنتاجها في أغلبه يذهب لأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، لذلك، البديل الأمثل للصين هو {أفريقيا}.

العلاقات (الصينية: الأفريقية) تمتد في جذورها الحديثة لسبعينات القرن الماضي، لكن طفرتها الحقيقية كانت في آخر 10 سنوات تقريبًا، يمكن فهم ذلك عند معرفة السلسلة الآتية: (السودان يمد الصين ب 7 % من احتياجاتها الكلية من النفط/ أكبر شركة مسيطرة على حقول النفط في السودان هي شركة النيل الكبرى للبترول/ أكبر مساهم منفرد في شركة النيل هي الشركة الوطنية الصينية للبترول).

في 2004 أقرضت الصين أنجولا مليار دولار للبنى التحتية مقابل 100 ألف برميل نفط يوميًا، على أن تذهب نسبة 70 % من الفوائد للشركات الصينية العاملة هناك، بعدها في 2005 ابتاعت شركة بتروتشاينا 30 ألف برميل نفط يوميًا لمدة عام باتفاقية تقدر بـ800 مليون دولارفي نيجيريا، ثم في 2006 استثمرت شركة China National Offshore Oil مبلغًا يقدر بـ2.27 مليار دولار في حقول النفط في نيجيريا أيضًا مع مضاعفته في نفس العام. استثمارات في الجابون ومحاولة إحياء صناعة النفط هناك، ودعم دولي بلا حدود لزمبابوي وصداقة متينة مع جنوب أفريقيا في مقابل خامي الحديد والبلاتين. قطعًا مع ازدهار تجارة السلاح حيث تعد أفريقيا من أهم أسواق الأسلحة الصينية في العالم، ومصانع الخرطوم الصينية للأسلحة تشهد على ذلك!

في 2009 تجاوزت الصين الولايات المتحدة للمرة الأولى تاريخيًا لتصبح الشريك التجاري الأضخم لأفريقيا بأكثر من 100 مليار دولار تجارة متبادلة. مع قوة ناعمة تتمثل في إذاعات في كينيا وزمبابوي، شبكة محمول في تونس، مشروعات مدارس مستمرة، وآلاف الأطباء الصينين الذين يعملون في القارة.

لا تكتفي الصين بذلك، بل تجاوزت القارة السمراء وذهبت لعقر دار الولايات المتحدة، باتفاقات تجارية في المكسيك تتجاوز المليار دولار، وكان مقررًا أن تتولى الصين بناء قطار فائق السرعة بين نيو مكسيكو ووسط المكسيك، قبل أن توقف الحكومة المكسيكية المشروع المقدرة استثماراته ب 3.75 مليار دولار في قرار مفاجئ عزته الحكومة لتخفيض الميزانية العامة، بينما في الأفق لا يغيب الضغط الأمريكي عن المشهد.

أما على صعيد أمريكا اللاتينية، فمجموعة بريكس “التي تشكل البرازيل عمودًا رئيسيًا فيها بجانب كل من (الهند/ روسيا/ جنوب أفريقيا) والصين بالطبع” قررت إطلاق بنك تنمية موازٍ عالمي بعد منع الكونجرس لمرور حزمة إصلاحات للحصص التصويتية في البنك الدولي، برأس مال 50 مليار دولار تقسم بين دول البريكس الخمس بالتساوي، ثم ترتفع لتكون 100 مليار دولار فيما بعد.

bric bank world bank imf new bank china russia bank international debt crisis bailout loans

الصين، التي تمد أذرعها في كل مكان ببطء وثقة، مسلحة بنفوذ عسكري يتمثل في امتلاكها لأحد أكبر جيوش الكوكب وتوازن ردع نووي، ونفوذ اقتصادي يتمثل في احتياطي نقدي يتجاوز التريليوني دولار، مع خطوات عملية لتدويل عملتها اليوان، طبيعة جيو سياسية فريدة، وهيمنة سياسية في طريقها لتكون شاملة على آسيا، ووصلت لصناعة لوبي صيني قوي وموحد في قلب الولايات المتحدة، مع فهم عميق لطبيعة الصراع، وإستراتيجية طويلة المدى ومرنة بسيناريوهات عديدة، هذه الصين تبدو في طريقها لزعزعة النظام العالمي وتغييره بلا شك.

 

المصادر

تحميل المزيد