«القضية المركزية في أية ثورة هي قضية السلطة.» * فلاديمير لينين

لكن ماذا إذا لم تستطع الثورة أن تصل إلى السلطة وتفرض تصوُّراتها وتحقِّق أهدافها؟ بالطبع تقوم الثورات المضادة كحالة دائمة وكرد فعل على أية ثورة، لكنَّ الثورات المُضادة تستطيع أن تقضي على الثورة ببعض تكتيكات إذا لم تصل الثورة للسلطة أو لم تبلور لها كيانًا واحدًا يجمعها ويكون له ثقل. فما هي هذه الخطوات؟ في هذا التقرير بعض من خطوات الثورات المضادة للقضاء على الثورة؛ مع نماذج لها.

في البداية هذه الأجهزة ستساعدكَ في ثورتك المضادة

«تمتلك الثورة المضادة بشكل عام من القدرات المؤسساتية أضعاف ما تمتلكه الثورة، ولذلك يكون لها غالبًا اليد العليا في هذا الصراع في حال لم تتمكن الثورة من الاستيلاء على هذه المؤسسات أو تحييدها أو تدميرها، أو إن لم تتمكن من إنشاء مؤسسات موازية قوية.» *محمد بامية، أستاذ علم الاجتماع بجامعة بيتسبرغ

  • الجيش والأجهزة الأمنية

يُعتبر الجيش أكثر المؤسسات رجعيةً في أيّة دولة. يقوم الجيش على نظام “الطاعة” و “تنفيذ الأوامر” وبطبيعة الحال لا يحبّ أيّ من رجالات النظام القديم أن يسيطر على السلطة نظامٌ جديد قد يهدد مصالحهم بشكلٍ مُباشر. ويكون من الواجب عليه إطاعة “أوامره” وتنفيذها. الجانب الآخر من هذه النقطة أنَّه في الدول صاحبة التجارب الديكتاتورية – والتي عادةً ما تقوم فيها الثورات – يُعيِّن الديكتاتور (أو النظام الحاكم الديكتاتوري) فيها رجالات الجيش بناءً على هواه، باعتباره القوة الوحيدة التي يستطيع أن يعتمد عليها دومًا. حدث هذا مع العديد من الديكتاتوريين؛ بدايةً من أحمد سوكارنو في إندونيسيا وحتى الرئيس المخلوع مُحمَّد حسني مبارك في مصر.

 

كذلك الأجهزة الأمنية – الشرطة وأجهزتها المتعددة – هي المنوط بها حماية الأنظمة القديمة. وتكون الأجهزة الأمنية في جميع الثورات هي الأجهزة التي تشتبك مع الثوار وتقوم بتصفيتهم لصالح النظام القديم. في مصر على سبيل المثال قامت الثورة على النظام وكان أول ما فعلت هو الهجوم على الأقسام الشرطية (رمز القهر كما يقول باحثون). ودخلت معها الشرطة في مواجهات مستمرة باعتبارها أكبر المعبرين عن النظام القديم. هذه الشرطة هي المنوط بها تحقيق الأمن في الشارع!

  • القضاء

يمكن للقضاء أن يساعد الثورة المضادة كثيرًا. في الدول ذات التجارب الديكتاتورية غالبًا ما يتمّ اختراق القضاء لصالح النظام الحاكم. القضاء يستطيع أن يعطيكَ أحكامًا خاصَّة لمعارضيك وللنشطاء السياسيين والثوار، في بعض الدول أيضًا لا يتمّ تقنين القضاء العسكري فيتم محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري كثيرًا (كما يحدث في مصر حاليًا) في فترات نجاح الثورات، ومحاولات بقايا النظام القديم الوصول للحكم.

يمكنك كذلك قراءة: بعد أزمة تصريحات وزير العدل: القصة الكاملة لـ«أسطورة» استقلال القضاء في مصر

  • طبقة رجال الأعمال والمُنتفعين من النظام القديم

تنحى أغلب الأنظمة السيئة إلى تكوين ما يمكن تسميته بـ “طَبَقَة” جديدة من رجال الأعمال وأصحاب المحسوبية والمنتفعين من النَّظام القائم، ما يعني أنَّ سقوط هذا النظام سيكون مسألة حياة أو موت بالنسبة لهذه الطبقة وهؤلاء المنتفعين. وهو ما حدث أثناء الثورة المصرية (يناير 2011) فقد قامت القنوات الإعلامية الخاصة بمحاولات لإثناء الثوار عن تكملة الثورة ومحاولة إقناعهم بالرجوع عن الميدان. بعض رجال الأعمال الماكين لهذا القنوات بكى على الهواء تعاطفًا مع الرئيس المخلوع.

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=tqYJ5UbuuIc” width=”800″ height=”450″ ]

وهذه هي الخطوات الأبرز

1- توقَّف عن انتقاد الثورة وحاول أن تحتضنها

«قامت قيادة الجيش في كل من تونس ومصر بالالتفاف على الثورة، عبر الإيحاء بأنها من سيحقِّق مطالب هذه الطبقات، لكنها عملت من خلال سيطرتها على صيرورة المرحلة الانتقالية، على إعادة إنتاج النظام ذاته، بعد إبعاد رموز “العهد القديم” وتوسيع القاعدة السياسية للسلطة» *المفكر الفلسطيني سلامه كيله

علينا أن نتذكَّر أن الرئيس الحالي لتونس هو باجي قائد السبسي وهو أحد أبرز رجالات النظام القديم في تونس. وكذلك في مصر؛ فرئيسها الحالي هو جنرال من قيادات المجلس العسكري الذي تمّ تعيينه في عهد مُبارك. وكلاهما جاء عبر انتخابات ديموقراطية!

السيسي والجنرالات من حوله


تقوم إحدى تكتيكات الثورة المضادة على احتواء الثورة من خلال عدة زوايا. فمن ناحية سيبدأ الإعلام الموالي للنظام القديم في تغيير نبرته التي كان يتهم من خلالها الثورة باعتبارها “مخططًا تآمريًا” لإسقاط النظام وإشاعة الفوضى وغيرها من التُّهم. سيبدأ الإعلام في تمجيد الثورة والثوار، ودور الشباب في عملية التغيير. وسيبدأ الإعلام في استضافة كوادر ثورية للحديث عن الثورة. هذه الآلية تعتمد على تغيير الصورة الذهنية للإعلام في ذهن المشاهد العادي. وحين تتمتع هذه الأجهزة الإعلامية بالمصداقية في خيال القارئ تبدأ عمليَّة الإنهاء على الثورة من خلال عملية الثورة المضادة. وحين يتمّ الترويج لعمليات الثورة المضادة يتمّ الترويج لها باعتبارها حراكًا “ثوريًا” يكمل الحراك الثوري الأوَّل.

ومن ناحية أخرى ستبدأ النبرة الرسمية للدولة في اتخاذ منحىً مصادقًا للثورة ومؤيدًا لها. القوات المسلحة دائمًا هي المؤسسة التي تصدِّر نفسها باعتبارها الشخصية الوحيدة القادرة على أن تقود المرحلة الانتقالية. باعتبار توازن القُوى وباعتبارها طرفًا “محايدًا” يخدم الوطن وفقط. في أغلب الحالات يقوم الجيش بقيادة المرحلة الانتقالية ليعيد النِّظام القديم عبر تغيير بعض السياسات والوجوه.

2- عليك أن تعطي السلطة لأحد قطاعات الثورة ثُمّ تُفشله بطريقتك الخاصة

هذه إحدى الخطوات التي قد تنجح كثيرًا في الإنهاء على الثورة تمامًا. حتَّى بالديموقراطية. تقول الاستراتيجية يجب أن تُفسح المجال أكثر لأحد فصائل الثورة. ليصعد إلى قمة السلطة، ستواجهه العديد من المشكلات الاقتصادية وقضايا الفساد الكبيرة المترسبة من النظام السابق، سيتعهد للناخبين بأهداف سيحققها إن انتخبوه، سينتخبه الناس ولكنَّه سيفشل، وتستطيع أجهزة الدولة أن تُفشله أكثر بالطبع، حينها سندعو لانتخابات ديموقراطية جديدة وسيعود النظام القديم مرة أخرى، وكأنَّ الثورة لم تحدث. هذه المرَّة سيعود النظام من خلال الانتخابات.

شهدت أوكرانيا حدثًا مثل هذا إبان الثورة البرتقالية (نوفمبر 2004 وحتى يناير 2005). قامت الثورة بسبب ما قيل أنه تزوير في الانتخابات الرئاسية لصالح فيكتور يانكوفيتش، وقضايا ترهيب للناخبين والفساد وسوء استخدام للسلطة. تمَّت مراجعة الانتخابات قانونيًّا وحُسمت للنظام الجديد (فيكتور يوشينكو) ممثلًا عن الثورة باعتباره أحد قادتها. تعهَّد يوشينكو بتحقيق 10 أهداف خلال فترته الرئاسية.

“يانكوفيتش”

بعد خمس سنوات من فوره فشل يوشينكو في تحقيق وعوده، فزادت معدلات الفقر إلى 37% وتزايدت معدلات البطالة إلى 15% وزاد العجز في الميزانية واستشرى الفساد. أقيمت الانتخابات مرةً أخرى فعاد فيكتور يانكوفيتش، ممثل النظام القديم إلى السلطة من جديد، هذه المرة دون إجراءات أمنية، وبانتخابات ديموقراطية نزيهة تمامًا.

«إنَّ تقاليد الأجيال الغابرة تجثم كالكابوس على نفس الأحياء. » *كارل ماركس

3-تحدَّث عن الحريَّة وادعُ لها؛ ثُمَّ انقلب عليها أنت!

يستطيع النظام القديم بعد احتوائه للخطاب الثوري أن يبدأ في الحديث عن الحريَّة كقيمة ذهبيَّة ومُطلقة لا يمكن المساس بها بأيّ شكل. يمكن للفصيل الذي ينتمي للثورة حين يأتي أن يحاول تقليص مساحات كبيرة من السلطة التي تمتلكها الأجهزة المؤيدة للنظام القديم، وهنا سيصبح الحديث عن “الحريَّة” واجبًا. يشترك في هذا المناوئون للثورة والمؤيدون لها. الحديث عن قانونية الإجراءات دائمًا، ومحاولات أيّ نظام الحدّ من هذه “الحرية” ستأتي عليه بالوبال.

في مصر، حين قام الرئيس المعزول محمد مرسي بمحاولات لتقليص سلطات القضاء، بتعديل دستوري يضع في يده سلطات أكبر، وقام بعزل النائب العام الذي خدم نظام مبارك كثيرًا. قامت مظاهرات من قبل فصائل ثورية باعتبار ما قام به الرئيس السابق كان موقفًا غير دستوري وغير قانوني. الجدير بالذكر أنّ المجلس العسكري الحاكم، حاول تقليص سلطات الرئيس قبل ذلك عبر إعلان دستوري ولكنه باء بالفشل. بعد تكريس الـ”حريَّة” كقيمة مطلقة ومتعالية عن الواقع، استطاعت الثورة المضادة الانقلاب على الرئيس الوحيد المنتخب باعتباره قام بتكبيل الحريَّات وغيرها، مع أنّ المراقبين يذكرون أنَّه في عهده لم يتمّ إغلاق منبر إعلامي واحد، وهو ما حدث بعد انتصار الثورة المضادة وفوز الجنرال السيسي بمنصب الرئيس بعد انقلابه على مرسي.

للاطلاع أكثر على هذا التحليل كاملًا، يمكنك قراءة: الصراع على مصر: مباركية بدون مبارك.

4- لا تنسَ الإعلام

 

يُمكن القول أنَّ الإعلام يُمثِّل سلاحًا قويًا بنفس قُوَّة الدبابة أو السلاح. يستطيع الإعلام أن يحشد التأييد الشعبي للثورة المضادة باعتبارها “استكمالًا للثورة الحقيقية” بسهولة بعد عدة تكتيكات ووضع استراتيجيات إعلامية معيَّنة. عبر برامج مدروسة دراسة جيدة ومدروس تأثيرها. يمكننا تتبُّع الحالة المصرية على سبيل المثال. فالإعلاميون الذين حاولوا تثبيت مُبارك في حُكمه عبر عدائهم للثورة، أو على الأقلّ عبر ترويج خطاب أبوي عاطفي يخاطب الثوار وأهلهم في البيوت بأنّ مبارك هو أبو المصريين ويجب ألا يحدث معه شيء يقلل من قيمته. ثمَّ تحوَّل هذا الخطاب الإعلامي إلى خطاب مؤيِّد للثورة فورَ سقوط مُبارك. ما بعد مُبارك تمّ فضح هؤلاء الإعلاميين، توقَّف البعض منهم عن برامجه ثُمَّ عاد ببرامج جديدة على قنوات جديدة (غالبًا ما يملكها رجال أعمال محسوبون على النظام القديم).

[c5ab_video c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.youtube.com/watch?v=P82j0S_dGNU” width=”800″ height=”450″ ]

بدأت الأبواق الإعلامية في اتخاذ موقف معارض من أول رئيس منتخب بعد الثورة، بدأوا الحديث عن الحرية والقانون ودولة الديموقراطية. وحين بدأ الحراك الجماهيري على الرئيس محمد مرسي في 30 يونيو وما قبلها، كان الإعلاميون جميعًا تقريبًا يؤيدون 30 يونيو ثمَّ تحرُّك الجيش في 3 يوليو كذلك. الكثير من التخمينات والتحليلات تتحدَّث أنَّ الدولة المصرية هي التي جنَّدت – بالاتفاق مع رجال الأعمال – هذه القنوات الإعلامية والإعلاميين.

«ما لا يجب أن يُنسى؛ أنَّ هؤلاء الإعلاميون الذين تحدثوا عن الحريات والقمع في عهد الرئيس المعزول محمند مرسي، أيدوا بأغلبية ساحقة الجنرال عبد الفتاح السيسي حين وصل للسلطة عبر انقلاب عسكري ثمّ انتخابات “ديموقراطية”. ولم يتحدثوا كثيرًا عن القمع غير المسبوق في عهد السيسي. »

5- لا بدَّ من قائدٍ مُلهم!

تحبّ الجماهير دومًا الحديث عن قائد مُلهم، زعيم، مُخلِّص. يحمل عنها أعباءها ومشكلاتها. أحد تقنيات الثورات المضادة أن يبزغ نجم أحد رموز النظام القديم من الدرجة الثانية أو الثالثة، ويتمّ تلميعه إعلاميًا وتكريسه كبطل يستطيع القيام بمهام غير طبيعيَّة. يمكن مثلًا الحديث عن الجنرال عبد الفتاح السيسي. كيف استطاع أن يخترق صفّ رموز النظام السابق ويتمّ تكريسه كرئيس جديد، وقائد، وزعيم “لم يأتِ مثله” إلى غير هذه من المبالغات التي بلغت حدًا غير معقول.

يبدأ هذا القائد المُلهم، بالقضاء تدريجيًا على مكتسبات الثورة ببساطة وسهولة وتكتيكات حذرة وغير علنية، أو حتى علنيَّة، ولكنَّهُ في نفس الوقت سيظلّ يردد كلامًا عن الحرية والديموقراطية وعَظَمَة الشعب الذي يقوده هو. وكيف أنَّهُ قام بثورة مجيدة ورائعة. وهذا بالطبع هو أحد مرتكزات خطاب الرئيس الحالي الجنرال عبد الفتاح السيسي.

6-الفوضى!؛ سلاحك الذي لن ينتهي

«الصراع الأساسي في أية ثورة يكون صراعًا ما بين الجديد والقديم.»

بطبيعة الحال تمرّ البلاد بعد أية ثورات بحالات من الفوضى وانعدام الأمن بشكلٍ أو بآخر. يظلّ الاختبار الأمني أحد أبرز الاختبارات التي تواجهها الثورات. فالأجهزة الأمنية التي كانت تُرهب الثوار وتُعادي الثورة يجب الآن أن تحمي النظام الجديد، ولكن هل ستفعل؟ لكلّ ثورة حالتها الخاصة لا شكّ. العديد من الثورات قام بتكوين ميليشاته الخاصة لفرض الأمن ومحاربة أعداء الثورة بما فيهم الدولة، ما ينتج الكثير من الدماء بطبيعة الحال. الغالب الأعم في الثورات هو مرورها بفترات انتقالية ومخاض طويل نحو الحرية وتحقيق أهدافها. وفي هذه الفترة تظلّ الثورة والثورة المضادة في صراع لا يحسمه سوى عامل القوة والزمن.

إذا استطاعت الثورة المضادة الوصول للحكم، يمكنها الحديث عن الفوضى باسم الحرية في مقابل الأمن باسم الاستقرار. يبدأ الناس في التخوُّف من كل التحركات التي تطالب بإصلاحات باعتبارها تكرِّس لحالات الفوضى وزعزعة الأمن. بمرور الوقت من الممكن أن تقوم السلطة الجديدة (الثورة المضادة) بعمليات عُنف تجاه الثورة وممثليها باسم الأمن، واستتبابه ومحاربة الفوضى. يتذكر الديكتاتوريون دومًا أنَّ الأمن هو المطلب الاوَّل بالنسبة للإنسان العادي. ويلعبون على هذا الوتر دومًا.

هل أدركت الآن كيف تنتصر الثورات المضادة على الثورات الحقيقية؟ وهل تدرك مدى قوَّة الصراع بين الطرفين؟

اقرأ أيضًا: الثورات الملونة، وجهٌ آخر للثورة

دليل الديكتاتور المبتدئ : كيف تصبح ديكتاتورا في 10 خطوات؟؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد