لقد مر أكثر من 100 يوم على حصار كشمير، وما يزال الإقليم ممتلئًا بالمتاجر المغلقة، والفصول الدراسية الفارغة، يسير الناس لقضاء مصالحهم وحوائجهم الملحة والخوف من الاعتقالات التعسفية أو إطلاق النار، يحاصرهم من كل جانب.

هؤلاء الذين يعيشون للمرة الأولى في مثل تلك القيود الصارمة، يخضعون منذ الخامس من أغسطس (آب) الماضي لإجراءات هندية مشددة، تحت حجة دمج الإقليم وشعبه بالكامل في «التيار الرئيسي للعملية الديمقراطية الهندية» كما تقول الهند، ولتحقيق ذلك ألغت الهند الاستقلال الدستوري لجامو وكشمير، وقسمت الولاية إلى إقليمين مركزيين، ثم قطعت جميع الاتصالات وفرضت حظر التجول، ونشرت الآلاف من قواتها؛ فجعلت الإقليم واحدًا من أكثر المناطق عسكرة في العالم.

حصار كشمير.. عجلة الحياة تتوقف تمامًا

يتجول المواطن عبيد الله إندرابي في حيه الصغير في إقليم كشمير، فيرى ويسمع الكثير من الآلام التي لا تكاد تترك أحدًا يعرفه إلا إصابته، منذ أعلنت الهند إلغاء ما يشبه الاستقلال الذاتي للولاية، وفرضت عليها حصارًا كاملًا.

Embed from Getty Images

ضحايا من كشمير

يقول عبيد الله إن الوضع بعد 100 يوم من الحصار كما هو منذ اليوم الأول، إذ يستمر حظر التجول، وتفرض القيود والإغلاق على سكان الإقليم، أما الأكثر ألمًا على نفس هذا الشاب، فهو اعتقال الآلاف من أبناء الإقليم، بمن فيهم المئات من القُصَّر، ممن هم في سن التاسعة فقط.

يعرف عبيد الله أشخاصًا استشهدوا، ومئات أصيبوا بسبب استخدام مسدسات «الكريات الحديدية»، والرصاص الحي، ويتابع القول لـ«ساسة بوست»: «المواطنون الكشميريون يمرون بأسوأ مرحلة، فكشمير الآن سجن مفتوح يضم 900 ألف جندي هندي، ينتشر هؤلاء في كل مكان تحل وتذهب إليه».

يحزن عبيد الله كثيرًا حين يصطدم بخبر يفيد بأن جاره لم يعلم بوفاة أحد أقاربه من الدرجة الأولى إلا بعد أيام، وآخر فقد حياته لأنه لم يُتمكن من الاتصال بالإسعاف، وثالثًا لم يستطع مواصلة دراسته بسبب الإغلاق، فأسوأ الإجراءات هي قطع الاتصالات وفرض حظر التجول الذي حال دون استمرار الحياة كما يجب. ويضيف عبيد الله وهو متألم: «تخيل أننا لا نعرف ماذا يحدث حتى في منطقتنا القريبة»، ويكذب عبيد الله إعلان الحكومة الهندية إعادة الاتصالات بعد قطعها قطعًا كاملًا، فيقول: «ما تزال شبكة الإنترنت مقطوعة، وكذلك خدمة الهاتف المحمول، وكل ما تم فقط هو استعادة عمل الهاتف الثابت، الوسيلة الأقل استخدامًا في كشمير».

ويأسف الشاب الكشميري على انهيار اقتصاد كشمير تمامًا، إذ قُضي على النشاط التجاري والسياحي في البلاد، ويضيف: «إزالة المادة 370 من الدستور الهندي دون استشارة شخص واحد من كشمير، هو عمل أضر بكشمير، كانت المادة 370 تعني إلى حد كبير استقلال ولاية جامو وكشمير، إذ لا يمكن لأي شخص من الهند الوصول عن طريق البر لكشمير، ولا يمكن الحصول على أي وظيفة حكومية لهندي في كشمير».

وختم عبيد الله حديثه بالقول: «نحن ببساطة نحارب من أجل التحرر من الاحتلال العسكري الهندي غير المشروع، نريد تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وحق في تقرير المصير».

بعد إلغاء الحكم الذاتي عن كشمير.. هل تتخلى السعودية والإمارات عن باكستان؟

حصار كشمير.. الإقليم سجنٌ كبير

في الشطر الخاضع لسيطرة باكستان من إقليم كشمير، لا يهدأ السكان البتة لما يحدث لأقاربهم في الشطر الآخر الخاضع للهند، فمنذ أعلنت الهند إجراءاتها، وهم يتظاهرون تنديدًا بما يحدث. وآخر تلك التظاهرات كانت في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إذ وصل المتظاهرون إلى خط السيطرة العسكري للغاية الذي يقسم المنطقة بين باكستان والهند.

Embed from Getty Images

حظر تجول صارم في كشمير

وفيما أوقفت الشرطة الباكستانية المتظاهرين على بعد ثمانية كيلومترات من الحدود، ما يزال الشاب راسخ الكشميري يراقب بدقة ما يحدث في الجزء الثاني من الإقليم، وهو يخصص جل وقته بوصفه ناشطًا  سياسيًّا، لتسليط الضوء على أوضاع السكان هناك، ويجتهد في نشر كل الأخبار التي تصل إليه.

يقول راسخ إنهم يحاولون جاهدين متابعة أخبار الإقليم في ظل استمرار قطع الاتصالات مع أهلها منذ 5 أغسطس الفائت، يصل إلى راسخ معلومات تؤكد أن «السكان يتعرضون إلى إجراءات تعسفية لا تمت للإنسانية بصلة، إذ يُسحل المواطنين ويضربون بالكريات القاذفة. كذلك لا يسلم هؤلاء من هدم العقارات على رؤوس الكشميريين، وتدمير حصادهم الزراعي، وهم محاصرون من قبل الجنود الهنود في كل مكان في لشوارع والطرقات»، معقبًا خلال حديثه لـ«ساسة بوست»: «إن الأمور في كشمير أشبه بحالة الاختناق التنفسي».

ويؤكد راسخ أن الحملات العسكرية الهندية الآن في كشمير ليست وليدة الساعة، إذ دأبت الهند منذ 1947، على ارتكاب عمليات قتل واغتصاب وهدم للبيوت، وهي مستمرة حتى الآن. ويتابع القول: «سكان كشمير يريدون العمل على قرارات الأمم المتحدة التي تتيح لهم حرية القرار والاستفتاء، وتقرير حق المصير، كانت هناك فصائل في كشمير، بعضهم يريد اللحاق بباكستان، وبعضهم يريد البقاء مع الهند، وبعضهم يريد الاستقلال الذاتي عن كلا البلدين، الآن وبعد 5 أغسطس 2019، الكل يريد ألا يبقى مع الهند».

ويبين راسخ أن الهند تحاول تغيير التركيبة السكانية؛ حتى تدعي لاحقًا أن هناك أكثرية هندوسية في كشمير، وبالتالي تتمكن من إجراء الاستفتاء، وأن الخطوة التي اتخذتها الهند في الخامس من أغسطس الفائت، ما هي إلا  خطوة من أجل هذا الهدف، فقد ألغت من دستورها المادة رقم 370، ما يعني أن أي هندي من أرجاء الهند يمكنه شراء العقارات في كشمير، ويمكنه الزواج من كشميرية، ويمكنه السكن في كشمير، وبالتالي التأثير في التركيبة السكانية، وتغليب الهندوسية بين المسلمين في كشمير.

ما الذي يحدث في كشمير؟

بعد أكثر من 100 يوم من فرض الهند لإجراءاتها المتشددة على إقليم كشمير، لم يعد سكان الإقليم قادرين على العلم بوفاة أقاربهم وأحبائهم، كما لم يعد بإمكانهم الالتحاق بركب المعزين بسبب القيود المفروضة على الاتصالات، وعدم عمل وسائل النقل العام على الطرقات.

Embed from Getty Images

المتظاهرون يقفون فوق صورة لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في أثناء احتجاج ضد الهند

كذلك يحدث أن تضع الأم مولودها دون أن يعلم الأب البعيد في مكان العمل بولادة زوجته، والأكثر صعوبة يتجلى حين يحتاج أحدهم للرعاية الصحية الطارئة، إذ تقدر الإحصائيات أن مئات الأشخاص قد تركوا في حالة طوارئ بدون سيارات إسعاف، وأن العديد منهم ربما قد توفوا نتيجةً لمشكلات الاتصال الأخرى. فمجرد عجز ذوي المرضى عن الاتصال بالأطباء وقضائهم وقتًا كبيرًا يتجولون حول المستشفى بحثًا عن الأطباء الكشميريين جعل المرضى في خطر كبير، فعلى سبيل المثال يذكر الأطباء في مستشفى «سري مهراجا هاري سينغ» في سريناجار، أكبر مدن الإقليم، أن هناك انخفاضًا بنسبة 50 % في عدد العمليات الجراحية  بسبب القيود الهندية، وكذلك نقص الأدوية.

ويذكر تقرير موقع «ميدل إيست آي» البريطاني، أن: «عشرات الآلاف من القوات الإضافية التي أرسلت في الأيام الأولى من شهر أغسطس الماضي، لم تزل منتشرة في الشوارع وأمام منازل المواطنين. بينما تحلق الطائرات المسيرة في السماء لتراقب وترصد، مستخدمة برامج صممها الإسرائيليون، تزود من خلالها القوات المسلحة بتفاصيل ما يجري على الأرض من احتجاجات، وتساعدهم على التعرف إلى هويات الفاعلين»، ويضيف التقرير: «طالت الاعتقالات آلاف المواطنين والأطفال الذين تنقل آباؤهم وأمهاتهم من سجن لآخر بحثًا عنهم، وأحيانًا على بعد آلاف الكيلومترات».

فيما يؤكد تقرير المنظمة الدولية لمراقبة حقوق الإنسان «هيومن رايتس ووتش»، أن الهند تستمر في اعتقال الزعماء الكشميريين وأي شخص يُعتقد أنه من المحتمل أن يحتج ضدها، وكذلك تستمر في ممارسة التعذيب، ويفرض الوجود العسكري الضخم تقييدًا قسريًّّا على حركة السكان، وهي أمور فرضت مشكلات في الحصول على الخدمات العامة بشكل عام.

فبحسب تقرير المنظمة فإن: «العديد من الأطفال تعرضوا للاحتجاز أو الضرب، أو منعوا من الوصول الآمن إلى المدارس»، وفيما يتعلق بالحريات يؤكد التقرير أن السلطات الهندية اعتمدت على وسائل الإعلام الموالية للحكومة وأنصار وسائل الإعلام الاجتماعية، للدفاع عن القمع وإدانة نشطاء الحقوق؛ «إذ يمكن لأي انتقاد للحكومة أن يثير توبيخًا سريعًا، بما في ذلك مزاعم الفتنة، التي يمكن أن تخنق المعارضة السلمية،  وكثيرًا ما تساوي الحكومة بين دعم حقوق الكشميري ودعم باكستان، التي تعارض الهند ملكيتها مع المملكة السابقة» حسب التقرير.

«واشنطن بوست»: إلغاء هذه المادة من دستور الهند وراء العنف في كشمير.. تعرف إليها

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد