في ديسمبر 2006 دفعت بريطانيا 84 مليون دولار كآخر دفعة من قرض قيمته 4.34 بليون دولار من الولايات المتحدة يعود لعام 1945، حمَى هذا القرض بريطانيا من الإفلاس بعد الحرب العالمية الثانية التي خصصت لها ما يقرب من جميع مواردها، فلم تكن ألمانيا وحدها المفلسة بعد الحرب. للوضع في الاعتبار، فإن 4.34 بليون دولار في ذلك الوقت يعادل الآن 140 بليون دولار وكان المبلغ يعادل ضعف حجم الاقتصاد البريطاني وقتئذ.

تعرف بريطانيا تماما النتيجة لو لم تقدم لها الولايات المتحدة هذا القرض الذي لم ينقذها فقط من الفوضى بل البلدان في جميع العالم، اليوم نرى عددًا من الدول على وشك الإفلاس، وهو شأن ليس خاصًّا بالدولة وحدها، فالعملية الاقتصادية كلعبة الدومينو كما رأيناها مع الأزمة العالمية الأخيرة 2008.

اليوم، لدى عشر دول على الأقل تصنيفات ائتمانية سيئة، ويحمل الاستثمار فيها مخاطر وتواجه خطر التخلف عن سداد ديونها، وتلجأ للاقتراض من صندوق النقد الدولي وهي تغطي الكرة الأرضية، بدءًا من اليونان وأوكرانيا في أوروبا، إلى باكستان في آسيا، إلى الإكوادور وفنزويلا وبليز في الأمريكتين، وقبرص وكوبا ومصر والأرجنتين.

ماذا يحدث عندما تفلس الدولة؟

وقتها ستكون وحدك على المقهى، لا زبائن ولن يستطيع النادل إحضار القهوة لأن ماكينة الصرافة فارغة ولن تستطيع دفع الثمن، ستتوقف الوزارات والهيئات المفصلية للدولة، ستتوقف شركات الطاقة ومحطات الغاز والشرطة ومحلات البقالة، وسينفد الطعام ويتوقف عمال البريد عن تسليم الخطابات، ويتوقف صرف المعاشات، وستغلق البنوك أبوابها ويهرب المسؤولون من البلاد ومعهم حيوات الكثير.

تفلس الدولة وتعجز عن تسديد الأموال لدفع أثمان ما تستورده من بضائع وسلع وخدمات، وسداد ديونها سواء كانت على شكل سندات أو قروض مباشرة، خاصة إذا استدانت بغير عملتها الوطنية فيستحيل على البنك المركزي طباعة العملة وتسديد الديون، فالدول التي أفلست من قبل مثل روسيا والأرجنتين وغيرهما إنما أفلست لأن ديونها كانت بالدولار أي عملة أجنبية لا تستطيع طباعتها، وهو الأمر الذي يعرض دول اليورو والولايات الأمريكية كلها للإفلاس.

العجز عن سداد الديون أمر تعرضت له معظم بلدان العالم مرة واحدة على الأقل، من بينها أكبر اقتصادات العالم مثل الولايات المتحدة التي أفلست خمس مرات منذ تأسيسها، وألمانيا تخطت ثماني مرات بسبب الحرب، وبريطانيا مرت بأربع أزمات، وإسبانيا التي أفلست ثماني مرات على التوالي على مدى 200 عام بسبب الإنفاق العسكري لحماية تجارتها مع أميركا.

تحولت الأرجنتين من دولة مفلسة لساحة حرب أهلية

حاول الرئيس الأرجنتيني كارلوس منعم، تفعيل بعض نصائح صندق النقد الدولي حول السوق الرأسمالي غير المقيد، وظن أنها خطة ناجحة على المدى البعيد دون وضع ضوابط، لكن ما حدث أن عانى عامة الشعب وجمع الأثرياء ما استطاعوا وفروا من البلاد، وخرج منها 40 بليون دولار في ليلة واحدة، ليقضي المواطنون لياليَ من الذعر ينامون أمام أجهزة الصراف الآلي وهي لا تجيب.

جمدت الحكومة جميع الحسابات المصرفية لعام واحد وسمحت للأشخاص بسحب 250 دولارًا فقط في الأسبوع، ما لم يتحمله الشعب، ففي ديسمبر 2001 أصبحت المواجهات بين الشرطة والمواطنين مشهدًا مألوفا، والحرائق تقطع الطرق الرئيسية في بوينس أيريس، وأعلن الرئيس حالة الطوارئ ما أدى لمزيد من الصراعات فهرب الرئيس وقتئذ، وكان فرناندا دي لاروا.

على جانب البطالة، ارتفع المؤشر فوق 25% وقدر نحو  40ألفًا بلا مأوى، ومحدثو بطالة نجوا بالعمل في نظافة الشوارع وجمع الورق المقوى وبيعه لإعادة تدويره، ولتكتمل الحالة واجهت المنتجات الأرجنتينية رفض البلدان خشية أنها قد تصل تالفة أو رديئة التصنيع، كما توقف إنتاج قطاع التليفزيون وألغيتْ البرامج التعليمية.

توافد على الأرجنتين خمسة رؤساء خلال عام واحد، حتى أتى كيرشنر عام 2003 معلنا للمقرضين الدوليين للبلاد أن الأرجنتين غير قادرة على دفع دينها الخارجي الواصل 145 بليون دولار أمريكي، وتبني الحكومة إجراءات تقشفية حادة، وقرر مصادرة جميع الودائع الدولارية في البنوك وتحويلها لودائع بالعملة المحلية، وتعويم العملة مما أدى لانهيار قيمتها أمام الدولار، مما صعب الحالة على المواطنين من جهة. وحسن نظام التحصيل الضريبي وشجع التصنيع والتصدير وتوقفت الاستثمارات الأجنبية وعاد الاستقرار بالتدريج سياسيا بانتخاب الرئيس نستور كريشنر، واقتصاديا بسداد أقساط الديون بدءًا من 2005، وتمكنت الأرجنتين بالفعل من سداد جزء كبير من ديونها لصندوق النقد الدولي بحلول عام 2008، وإن كانت لا تزال تواجه بعض الصعوبات في الاقتراض الخارجي إلى الآن.

 

لم تستطع روسيا استعادة ثقة مواطنيها

أعلنت الحكومة الروسية عجزها عن سداد الديون الخارجية المتراكمة جراء إصدارات سندات حكومية قصيرة الأجل أغسطس 1998، ما شكل بداية أزمة مالية واقتصادية شاملة في البلاد. جاء ذلك إثر انهيار أسواق المال الآسيوية كأحد أبرز العوامل الخارجية، أما داخليًّا فقد تراكمت لدى الحكومة الروسية آنذاك ديون خارجية ضخمة وانهارت أسعار النفط والخامات الأخرى منذ انهيار الاتحاد السوفييتي 1991  وتحول روسيا من الشيوعية للرأسمالية، والتي يبدو أنها لم تكن منضبطة تمامًا.

انخفض سعر صرف الروبل أمام العملات الأجنبية  3 مرات وشل النظام المصرفي وأفلست البنوك والشركات، وظلت سوق المال في حكم الميتة، واشتد الفزع بين المواطنين، خصوصًا بعدما أعلن البنك المركزي عن تأميم المصرف الزراعي ثاني أكبر بنك تجاري في روسيا، وعلى الصعيد الاستهلاكي اختفت البضائع من رفوف المتاجر وأغلق الكثير منها أبوابه، ولم يعد الروسي يملك ثمن نصف كيلو جرام من اللحم ولترين من اللبن.

لجأت روسيا لصندوق النقد الدولي، وحصلت على 11.2 بليون دولار منه ومثلهم من حلفائها، واستغلت انخفاض سعر الروبل وعززت تداول البضائع المحلية في السوق الداخلية، كما اتجهت رؤوس الأموال للعمل على تنمية الصناعات، واستطاع اقتصادها التعافي لكن دخل ومستوى حياة المواطن لم يتعافَ وفقد ثقته في النظام المالي الوطني، رغم مرور أكثر من عقد على الأزمة يخشى كابوس الانهيار ولا يثق بالبنوك المحلية.

أيسلندا، الحكمة والشجاعة يصلحان أحيانًا

في عام 2008 كانت أيسلندا أكثر الدول تضررًا من الانهيار الاقتصادي العالمي، وأول قطعة دومينو تسقط. تنبع مشاكل أيسلندا من الديون الكبيرة التي أخذتها بنوكها الرئيسة قيمتها 62 مليار دولار في صورة ديون بالعملة الأجنبية. جمدت البنوك نشاطها الائتماني ولم تعد قادرة على الوفاء بالمدفوعات قصيرة المدى. وبعد فترة عصيبة استغرقت أيامًا قليلة، أممت الدولة معظم البنوك وأوقفت التداول في كافة الأسهم وأعلنت الحكومة أنها لم تتول مسؤولية أصول البنوك والتزاماتها. ولكن أصبح للدولة السلطة كي تفرض على البنوك ما يجب عليها القيام به.

غفرت الدولة لمواطنيها ديون الرهن العقاري، وبدأت الدولة تمامًا من نقطة الصفر. في غضون أسابيع بعد انهيار البنوك، ارتفع معدل البطالة إلى 10 في المئة، وتراجعت أسعار المنازل، انخفضت العملة وارتفع التضخم، ورغم هذا اتبعت الدولة تعليمات مختلفة تماما عن المتبع في عالم المال الغربي خلال 30 عامًا؛ فقدمت الدعم للفقراء ولم تتخذ تدابير التقشف تحت مبرر أن المواطنين في الديمقراطيات المستنيرة لا تقبل هذه السياسات لمدى طويل.

بدلا من السماح للفسدة، المتحكمين في البنوك لسنوات؛ الإفلات بأخطائهم، وجهت أيسلندا تهمَ ارتكابِ جرائم مالية لكل من ساعد على هذا الانهيار، فألقت بالمخالفين في السجن ووضعت يدها على البنوك المخالفة وأممتها، وتنازلت عن القروض والديون العقارية المرتفعة ورفضت تدخل صندوق البنك الدولي لحل الأزمة.

بدأ الأيسلنديون بلملمة ما تبقى في سبيل الانتعاش، وتحملوا الديون والعمل بثلاث وظائف لإعالة أنفسهم وأسرهم بعد 2008 مع الارتفاع المفاجئ في الضرائب كنتيجة حتمية لإفلاس البنوك، حتى أصبح الوضع أصعب من أن يحتمل، انخفضت معدلات البطالة حتى 5% من السكان يبحثون عن معايير عالية جدا من المعيشة، جعلهم الوضع يعملون حتى 70 أسبوعًا دون إنفاق للادخار، وأضافت الحكومة وظائف بقطاعي السياحة والزراعة. ووفقا لهيئة السياحة الأيسلندية، فقد ارتفع عدد الزوار الأجانب في 2012 بنسبة 15.9 % وتمثل السياحة الآن 5.9% من إجمالي الناتج المحلي، وعلى الرغم من أنها لا زالت في طريقها للانتعاش، إلا أن تصنيفها الآن يأتي كدولة مستقرة اقتصاديًّا وسياسيًّا.


عرض التعليقات
تحميل المزيد