يعتبر “الدلاي لاما” منصبًا روحانيًّا قد تم إنشاؤه لأسباب روحانية إلى حد ما، ولطالما كان للمكائد السياسية دور في تعاقب المتقلدين لهذا المنصب.

ولكن الاحتلال الصيني لمنطقة التبت اتخذ بعدًا جديدًا لهذه القضية الشائكة هذا الأسبوع، عندما أعلن عدد من المسئولين الصينيين – المعروفين رسميًّا بإلحادهم- بنبرة ساخطة أن عدم إتمام طقوس إعادة التجسد للدلاي لاما عقب وفاته يعد بمثابة الخيانة.

وحقيقة الأمر أن الصين بلا شك ترغب في اختيار “الدلاي لاما” التالي، فيما أصر الناطق باسم الحكومة المُعادي لإقليم التبت “زو ويكون” مجددًا أن هذا الاختيار يقع ضمن حقوقهم. وفي الوقت ذاته، يخشى “الدلاي لاما” من أن يلقى أي طفل يقع عليه اختيار أهل التبت المصير ذاته الذي لاقاه البانشن لاما الذي خطفته الصين خلال عام 1995، ولم يظهر منذ ذلك الحين.

وفي خضم هذه الأحداث المتصاعدة، نغفل عن أن الاضطرابات المحيطة بقيادة سلالة “جيلوكبا” المسيطرة بإقليم التبت ليس بأمر جديد، فمنذ نشأة منصب “الدلاي لاما” وقد واجه الكثير من المكائد والخلافات السياسية، والتي وصلت في بعض الأحيان إلى القتل، خاصة وأن كلا الطرفين يحملان في جعبتهما جملةً من الأيدولوجيات السائدة ضمن عملهما لفرض سيطرتهما.

أولًا، المرحلة الحالية تمثل الحلقة الأخيرة من تاريخ طويل ودموي.

لم يكن شعب التبت هو من أنشأ منصب “الدلاي لاما” عام 1578، ولكن أنشأه حكام المغول لتعزيز مكانة حلفائهم من سلالة “جيلوكبا” من بين السلالات المتناحرة الأخرى؛ فالاسم “دلاي” من أصل منغولي، فيما تعني الكلمة التبتية “جياتسو” المحيط. يُذكر أن اسم “الدلاي لاما” الحالي هو “تينزين جياتسو”.

ولطالما تدخل المغول والصينيون في شئون التبت سواء كان مرحبًا بهم أم لم يكن مرحبًا بهم. وبالطبع، تزامن ظهور منصب “الدلاي لاما” مع تصاعد قوة سلالة الكينج في الصين، إلا أن هذه العلاقة انحرفت عن مسارها خلال القرن الثامن عشر مع تأسيس ثكنة عسكرية صينية في منطقة لاسا.

وخلال هذه الفترة، تعرض واحد على الأقل من متقلدي منصب “الدلاي لاما” للقتل، ولاقى ثلاثة آخرين المصير ذاته في سن يافعة، ولكنهم لم يُقتلوا على يد الصينيين، بل يُرجح الباحثون أن النخب التبتية من قتلهم حتى يتمكن الأوصياء على الحكم من فرض حكم حقيقي، وهو الأمر الذي حدث بالفعل خلال الجزء الأكبر من هذا القرن.

وقد شهدت هذه الفترة على الأرجح أسخف صورٍ لتدخل السياسة في الأمور الروحانية. وبنهاية القرن الثامن عشر، انغمس شعب المانشو تمامًا في شئون التبت السياسية وعرضوا أن يجري اختيار “اللاما” من خلال سحب الأسماء من داخل قبعة، وذلك عملًا منهم على الحد من سيطرة النخب بمنطقة التبت.

وجاء الحل في صورة قدر ذهبي، إذ كانت توضع الأسماء “حرفيًّا” في قدرٍ على أن يتم الاختيار العشوائي من بينها باتباع أسلوب التنجيم.

وكان استخدام هذا القدر يخضع لمدى السيطرة التي تفرضها الصين خلال أي فترة زمنية، فكانت تُستخدم أحيانًا وأحيانًا أخرى لا، وفي أحيان أخرى، كان الحدث يُنظم ولكن مع تحديد المرشح الفعلي لهذا المنصب مسبقًا، إلا أن سيطرة الصين وقوتها شهدت لحظات من المد والجزر خلال القرن التاسع عشر، فتمتعت التبت بشيء من الاستقلالية خلال أغلب لحظات القرن. وبعد رحيل القوات البريطانية الإمبريالية، هددت الصين حياة الدلاي لاما الثالث عشر (والذي هرب إلى الهند)، ولم تعترف بتنصيبه في منصب الدلاي الاما.

ولم تحظَ التبت على استقلال حقيقي إلا بانقضاء سلالة “الكينج” خلال عام 1911، وذلك بعد جلاء القوات العسكرية الصينية من أراضيها لأول مرة منذ 200 عام.

وبعد مقتل “الدلاي لاما” الثالث عشر عام 1933، بالطبع وضع نظام “تشيانج كاي شيك” طرقًا جديدة لإعادة تجسد “اللاما” والتي تقضي بسيطرة الصين على العملية برمتها (حتى إنها تتضمن طقس القدر الذهبي)، إلا أنه سرعان ما تم إلغاء هذه القوانين الجديد باختيار الدلاي لاما الحالي عام 1935. وبذلك فإن الأزمة الحالية المحيطة بهذا المنصب ليست بجديدة، بل إنها الأمر السائد على مر التاريخ، فقد تم إنشاء منصب “الدلاي لاما” لأسباب سياسية إلى حد ما، ودائمًا ما يتأثر اختيار الشخص الذي يتقلد هذا المنصب بالأوضاع السياسية.

فما علاقة ذلك بالصراع القائم؟

في حقيقة الأمر، يعزز الطرفان مواقفهما  بما يكفي من المبررات الأيديولوجية، ويظهر ذلك في إدعاء الصين بأنها تسعى للحفاظ على تكامل العقيدة البوذية المتبعة بمنطقة التبت، في حين أنها تمنع الكثير من ممارساتها وتدمر أديرتها في أنحاء البلاد.

أما الموقف الفلسفي “للدلاي لاما” نفسه، فهو الأقل شهرة، على الرغم من الإشارة إليه بكل وضوح في بيان رسمي حول إمكانية عدم التجسد والذي صدر عام 2011 (فلماذا اختار النظام الصيني هذا التوقيت للتعليق على عدم شهرة هذا الموقف؟).

وعلى العكس من تصريح “زو” بأن الدلاي لاما لم يكن يتسم بالجدية، فالبيان يتكون من 4100 كلمة يركز على الحيوات الماضية وسلسلة التولكو (اللاما وغيرهم من المتنورين)، وكذلك الطرق المتبعة لتحديد الدلاي لاما على مر السنوات.

ووفقًا لهذا البيان، فسلسلة التولكو ليست كباقي البشر.

فقد كتب الدلاي لاما “البشر العاديون يدورون في دائرة الوجود بلا توقف تمامًا كالعجلة الدائرة، أما التولكو، فهم تجسيدٌ لأرواح بوذا السامية، والذين يظهرون كذلك في صورة جسدية حتى يتمكن البشر العاديون من الوصول إليهم والحصول على مساعدتهم”.

ونظرًا لأن التولكو ليسوا كباقي البشر، فيمكنهم اختيار طريقة إعادة تجسدهم (وهذا هو السبب وراء اختيار أطفال لطقوس إعادة التجسد مع بداية ظهور سلسلة التولكو خلال القرن الثالث عشر)، وحتى يمكنهم إتمام طقوس إعادة التجسد وهم على قيد الحياة. وكما أشار “الدلاي لاما” في بيانه فإن “البوذاسف الأعظم الذي يمكنه أن يتجسد في المئات بل والآلاف من الأجساد في آن واحد، يمكنه بالطبع أن ينبعث قبل الموت”. وبذلك، فإن التلوكو يمكنه “إعادة التجسد” حتى قبل الموت، وهذا ما أراد الدلاي لاما فعله. فخلال عام 2011، قال إنه حين يقترب من سن التسعين (هو الآن في التاسعة والسبعين)، قد يتشاور مع قادة التبت وشعبها للتوصل إلى قرار ما إذا ستستمر مؤسسة “الدلاي لاما” أم لا، ومن ثم يمكن للتولكو الحالي المعروف باسم “تنزين جياتسو” أن يعيد تجسده بأي طريقة أخرى أو ينبعث وهو على قيد الحياة، لكن لن يكون هناك أي “دلاي لاما” فيما بعد.

وبالطبع، قد تتفاجأ بكل هذه الإيمانيات، إذا تتصور “الدلاي لاما” بوصفه بالرجل المحب الذي يوزع نصائح مناسبة للعصر الحديث، ولكن هذا الوصف لا يختلف كثيرًا عنه كما يبدو من تصريحاته بين البوذيين، والتي تزخر بالكثير من مفاهيم العقيدة البوذية التبتية.

يعي “الدلاي لاما” جيدًا أن تلك الأفكار الدينية المعقدة لا يمكن فصلها عن الأوضاع السياسية. فقد كتب عام 2011: “من غير اللائق أن يتدخل الصينيون الشيوعيون في نظام إعادة التجسد وخاصة إعادة التجسد “للدلاي لاما” و”البينشن لاما”، في حين أنهم يجهرون برفضهم لفكرة الحيوات الماضية والمُقبلة وكذلك مفهوم إعادة تجسد التولكو على وجه الخصوص. وهذا التدخل السافر يتعارض مع مبادئهم السياسية، ومن ثم فإنه يكشف ازدواجية معاييرهم”.

لا شك أن إصرار النظام الصيني الشيوعي على تفسير معين لمفهوم إعادة التجسد لأمر سخيف للغاية، لكن لطالما كان للسياسة دور في هذا الأمر. وما بين القدور الذهبية وانبعاث التولكو، من الصعب تحديد أيهما أكثر خرقًا للعادة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد