4,807

«أعمال كريستفور نولان هي تجربة حسية كاملة؛ فأفلامه لا تشاهدها فقط، إنما تختبرها بجميع حواسك» قالها المونتير والروائي بيري هورتن، في مقال له، عن الموسيقى التصويرية المستخدمة في أفلام المخرج البريطاني كريستوفر نولان.

 

المقومات الفنية والتقنية التي تجعل أفلام نولان مميزة، ولها طابع خاص؛ هي كثيرة ومتعددة، ويعلمها على الأرجح كل محبي نولان، حتى هؤلاء الذين لا يمتلكون خبرة كافية بالسينما، فضلًا عن معجبيه العاملين في نفس المجال، أو من المشاهدين الذين «يستشعرون» تلك المقومات في حضرة نولان، دون أن يقرؤوا التتر، ودون أن يعلموا تلك المسميات الفنية التي تجعلهم يقولون: «هل هذا فيلم لنولان؟» أو «هل هذا الفيلم لنفس مخرج فيلم Inception/ استهلال؟» لما يتمتع به هذا الفيلم من شهرة وجماهيرية في المجتمع العربي.

 

لهؤلاء الذين سحرهم نولان من خلال فيلم أو فيلمين، إليكم العوامل التي تجعلكم تدركون أنه فيلمٌ لنولان؛ دون أن تقرؤوا التتر.

في عقل نولان.. الزمن لم يعد خطًّا مستقيمًا!

 

«كيف يمكن لي أن أشفى، وأنا لا أشعر بالوقت». جملة على لسان بطل فيلم «Momento/ تذكار»

نولان كان صريحًا مع الجمهور منذ أن بدأ في صناعة الأفلام عام 1998؛ إذ أوضح أن القصة التي سيقدمها لهم ليست بالضرورة خيالية، ولكن طريقة السرد والمعالجة الدرامية للزمن ستكون فريدةً من نوعها.

فيلم «Following» هو أول فيلم طويل لنولان، والذي لم يحظ بشهرة أو قاعدة جماهيرية عالمية.

كان سرد فيلم «Following» يدور في ثلاثة أزمنة مختلفة، الأمر الذي أعطى للفيلم طابعًا خاصًا، مع أن قصته تكاد تكون مكررة بالحرف في مئات الأفلام، وهي الزوج الذي ينتقم لمقتل زوجته.

وعلى الرغم من عدم انتشار هذا الفيلم عالميًّا، وعدم تحقيقه للنجاح الذي سيصل إليه نولان فيما بعد؛ إلا أنه بفيلمه الثاني Momento»/ تذكار» تمسك بطريقة السرد المميزة، والمعالجة غير العادية للزمن، في حين أن مخرجًا آخر في موقفه كان سيلجأ إلى نهج جديد؛ سعيًا وراء النجاح الجماهيري.

ولكن نولان له وجهة نظر أخرى في الأمر، ولذلك استخدم قصة قصيرة من تأليف أخيه جونثان نولان، وكتب لها سيناريو لفيلم طويل، بمعالجة زمنية فريدة من نوعها، ليجد المشاهد نفسه يشاهد الفيلم بالعكس، أي من نهاية الفيلم لبدايته، ليجعل نولان من «Momento/ تذكار» قطعةً فنيةً فريدة، فرضت أسلوبه المميز على الجمهور في كل مكان؛ ليبدأ مشواره الفني عالميًّا بهذا الفيلم، والذي احتاج الكثير من التفسير لفهم خطوطه الزمنية.

في لقاء تليفزيوني له، حاول نولان توضيح طبيعة الخط الزمني لفيلم «Momento/ تذكار»، حين قام المذيع برسم خطين متوازيين من الزمن على «سبورة».

هناك خط يمثل الأحداث عرضه بتقنية الأبيض والأسود بالفيلم، والخط الثاني يمثل الأحداث في المشاهد الملونة، ولكن نولان مسح الخطين ورسم شبه دائرة غير مكتملة، لتكون تلك الدائرة هي تصور نولان المرئي عن الزمن؛ فالزمن لدى نولان لا يسير في خط مستقيم، وهذا اعتراف بتوقيع يده.

كان «Momento» تدريبًا جيدًا لنولان على التلاعب بالزمن المحدود بالكرة الأرضية، ليتطور بعد ذلك إلى مراحل أوسع في إدراك الزمن، كما حدث في فيلم «إنترستلر»، إذ اقتحم نولان الفضاء الخارجي وعبر بنا من ثقب أسود دودي؛ ليأخذ المشاهد في رحلة زمنية؛ تجعله يمر بمواقف قد تبدو صعبة التخيل، إذ تصبح الابنة عجوزًا، بينما يظل الأب شابًا، وتترك صديقك وراءك مدة ساعتين، لتعود وتجد شعره أشيب، وبالطبع المشهد الشهير لـماثيو ماكونهي حين غاب عن المحطة الفضائية ساعات قليلة، ليعود ويجد رسائل من أبنائه الصغار، وقد تزوجوا وأنجبوا وأصبحت ابنته ميرفي في نفس عمره بالضبط.

في فيلمه الجديد دونكيرك، وعد نولان جمهوره؛ أن الفيلم ستكون له طبيعة خاصة في السرد أيضًا، سواء المعالجة الدرامية للزمن، أو سرد القصة بأكثر من منظور، ففيلم دونكيرك الذي تدور أحداثه في الحرب العالمية الثانية، سيقدم ثلاث وجهات نظر مختلفة لقصة الفيلم؛ واحدة من الأرض، والثانية من السماء، والثالثة من البحر. كما صرح نولان لجريدة «الإندبندنت».

الأمر الذي يذكرنا بفيلمه الأول على الإطلاق، ومشروع تخرجه «دودلبوج»، والذي ناقش في ثلاث دقائق فقط، كيف يمكن أن يتغير شكل الفكرة إذا نظرت لها من وجهة نظر مختلفة.

اقرأ أيضًا: نولان وسياسات الزمن: Interstella

وداعًا للمساحة الآمنة.. استعد للصفعة الأخيرة وللأسئلة

«عندما نحلم؛ يكون كل شيء حقيقيًّا جدًّا من وجهة نظرنا، ولا نشعر بغرابة الأمر إلا بعد أن نستيقظ». جملة مقتبسة من فيلم «Inception/ استهلال»

 

إذا كنت تشاهد فيلمًا وبدأت تتملل في جلستك، وتسأل أسئلة غريبة مثل «هل ما أعيشه الآن حقيقة أم حلم؟ وما الحد الفاصل بينهما؟»، «هل أنا أعيش واقعي أم حلم شخص آخر وأقوم أنا بدور المساعد فقط؟!»، و«هل أنا حقيقي والحياة حقيقية من الأساس؟»؛ فتأكد أنك بنسبة كبيرة؛ ستجد اسم نولان يذيل تتر هذا الفيلم.

وهذا ليس بسبب احتكار نولان لمناقشة تلك الأفكار الخاصة بالوعي والأبعاد المختلفة له، ولكن هذا سببه أن نولان هو أكثر صانع أفلام استطاع أن يقدم هذه النظريات الجديدة للجمهور دون أن يشعرهم أنها مستحيلة الحدوث، بل وفي بعض الأحيان يقنعهم بمنطقيتها.

 

وهذا لأن نولان لا يلقى النظريات العلمية أمام المشاهد دون أن يوضحها له، بل إنه – حرفيًّا- يشرحها له بالورقة والقلم، سواء في بعض المشاهد على لسان الأبطال، أو بنفسه في لقاءاته التلفزيونية التي يشرح من خلالها وجهة نظره شرحًا سلسًا.

وعلى الرغم من تلك المحاولات من جانب نولان في التوضيح، إلا أن هناك سوء فهم يحدث دائمًا بين نولان وجمهوره، إذ تنتهي معظم الأفلام التي يقدمها بمفاجأة تجعلك تريد أن تشاهد الفيلم مرة أخرى، لتشاهده وتشعر بأنك تشاهد فيلمًا آخر، ولكنك لا تجد الإجابة عن سؤالك في النهاية، فدائمًا ما يكون هناك سؤال مُعلق لا يجيبه نولان في نهاية أفلامه، وهذا ليس بدافع إثارة غضب الجمهور، ولكن كما أوضح نولان بنفسه في حواره الذي شرح فيه فيلم «تذكار» قائلًا: «عادة ما تقدم الأفلام أجوبة للأسئلة التي تدور في ذهن المشاهد، إنما أفلامي تقدم أسئلةً يجب أن يجيب عنها المشاهد بنفسه من خلال مراقبة واقعه».

 

نولان – حسب تصريحاته- لا يريد لأفلامه أن تشعر المتفرج بالأمان، أو تقابله في منطقة الراحة الخاصة به، بل بالعكس، هو يريد أن يأخذ المشاهد من يده ويجعله يتساءل، ويرى الحياة من منظور جديد؛ الأمر الذي أكده مرة أخرى بعد عرض فيلم استهلال؛ إذ أكد للجمهور في حوار صحافي له؛ أنه لن يشرح نهاية الفيلم أبدًا؛ لأنه يريد من المشاهد أن «يطارد واقعه» ليفهمه، ويدرك الشكل الحقيقي له.

فلا تشعر بالخجل إذا لم تفهم فيلمًا لنولان، أو لأن هناك أسئلة لم يجاوب عنها عقلك بعد، ولكن استمر في البحث، فهذا ما يريده نولان منك.

اقرأ ايضًا: مترجم: كيف تفهم أفلام كريستوفر نولان من لقطته المفضلة

ابحث عن المرأة.. مقتولة كانت أم ميتة

«زوجات ميتات.. زوجات ميتات في كل مكان». جملة مقتبسة من مقال نقدي عن نولان

 

إذا كانت هناك زوجة مقتولة، أو ميتة، ويساهم موتها في تحريك الأحداث الرئيسية في الفيلم، فاعلم أنك على الأرجح بين يدي نولان.

الأمر واضح بشكل يثير الريبة والتساؤلات لدى العديد من النقاد في الولايات المتحدة وخارجها، في فيلم «استهلال» كانت الزوجة الُمنتحرة/ المقتولة هي العنصر المُخرب للأحداث في عالم الحلم بالفيلم، وفي فيلم «تذكار» كانت الزوجة المقتولة هي المحرك الأساسي والسبب الرئيسي في أفعال البطل، وفيلم «Insomnia» تدور الأحداث كلها حول التحقيق في قضية قتل فتاة مراهقة، وحتى في فيلم «إنترستلر» كانت زوجة البطل ميتة.

كريستوفر نولان

وقبل أن تبني استنتاجًا عن موقف ما يتبعه نولان تجاة النساء بشكل عام، فيجب أن تعلم أنه متزوج من «إيما توماس» المنتج المنفذ لأعماله، إذ تشاركه عمله وحياته وأربعة أطفال.

شاهد بطلك المفضل.. وكأنك تراه للمرة الأولى

 

«أنا لا أصدق أن نولان اختار ليدجر لدور الجوكر، يا له من أمر مقزز». جملة لأحد محبي هيث ليدجر في المنتدى الخاص بمعجبيه

وقد وصف هذا المشاهد الأمر «بالمقزز»؛ نظرًا لأن أحد الأفلام التي شارك فيها ليدجر قبل فيلم «فارس الظلام» هو فيلم «جبل بروكباك»، والذي قام فيه بدور مثلي الجنس؛ مما جعل محبيه يتوقعون «أنه سيُقبل باتمان في أي لحظة» كما أوضحوا في رفضهم لاختيار نولان أنه اختيار غير موفق.

بالطبع كان رد نولان وليدجر من خلال عرض الفيلم أقوى من أن نشرحه هنا، ولكن الأمر الذي يجب أن نعترف به، أنه كان من الصعب على أي مشاهد متابع لليدجر تخيله في دور معقد وشرير كهذا؛ لما قدمه من أفلام كوميدية وخفيفة ورومانسية؛ حتى أن الإعلام أطلق عليه في ذاك الوقت لقب «الشاب الذي يسكن في البيت المجاور» وهي دلالة على كونه يمثل كل شباب جيله.


تلك التجربة خاضها نولان مع روبين ويليامز؛ عندما قدمه في دور قاتل ومختل نفسي بفيلم «Insomnia»؛ الأمر الذي كان مفاجأة أخرى لجمهور وليامز، الذي اشتهر بأدوار محببة للنفس وكوميدية مثل مغامرات بابا الشغالة.

كريستوفر نولان

والسؤال: هل نولان لمس جانبًا مظلمًا في كل من روبين ويليامز وهيث ليدجر؟ جانب لم يستطع المشاهد العادي أن يراه حتى كشف عنه نولان؟

الأمر الذي كان صعبًا أن نتجاهله، حتى أن بعض المشاهدين طرحه على هيئة سؤال بشكل صريح على موقع كورا: «هل موت ليدجر خطأ كريستوفر نولان؟».

خاصةً وأن الاثنين –وليامز وليدجر- رحلا عن العالم بطريقة مأساوية.

وأيًّا كانت إجابة هذا السؤال فيجب أن نعترف بأن نولان عادة ما يقدم أبطال أفلامه بشكل مختلف تمامًا، حتى وإن نظرت للأمر من منظور فكاهي، فيمكن لك أن تتذكر المزحة التي انتشرت وقت إصدار دعايات فيلم رجل من حديد/ سوبر مان، حين تحدثت مواقع التواصل الاجتماعي عن الشكل الجديد لرداء سوبرمان؛ إذ لم يعد يرتدي «الملابس الداخلية» الحمراء فوق الرداء الأزرق.

في تلك النسخة من أفلام سوبرمان كان نولان صاحب القصة والمنتج المنفذ، بينما أخرج الفيلم زاك سنايدر.

اقرأ أيضًا: كيف تغيرت شخصية «باتمان» على مدار 50 عامًا؟

الحب مفتاح لنجاة البشر

«ربما يجب علينا أن نثق بجاذبية الحب.. حتى وإن لم نفهمها بعد». جملة مقتبسة من فيلم إنترستلر

قد يظن البعض أن أفلام كريستوفر نولان بعيدة عن الرومانسية، وتهتم بالخيال العلمي والنظريات الفيزيائية فقط، ولكن إذا شاهدنا أفلامه من خلال منظور آخر؛ سنجد أن الحب يتجسد وراء دوافع أبطاله، خاصةً فيلم إنترستلر، والذي يمكن تصنيفه بكونه فيلمًا رومانسيًّا مليئًا بالمشاعر، فحب البطل لابنته كان مفتاح لغز الفيلم، ولم يخفِ نولان هذه الحقيقة بل ذكرها في نهاية الفيلم واضحة على لسان بطل الفيلم حينما قال: «الحب هو المفتاح».

وذكره بوضوح مرة أخرى أثناء أحداث الفيلم حين تحدثت د. براند عن حبها للشخص الذي تختار أن تذهب للكوكب الموجود عليه، على الرغم من عدم وجود أي أدلة تأكد أنه حي على هذا الكوكب، مبررة اختيارها بأن جاذبية الحب هي طاقة غامرة تجذبنا ليس على كوكب الأرض فقط؛ بل من خلال الكون بأكمله، وربما تكون هذه الجاذبية أمرًا أقوى من فهمنا له حتى الآن، وربما تكون طاقة الحب هذه هي مفتاح النجاة الحقيقي لنا نحن البشر.

وظهرت تلك الجاذبية للحب في العديد من أفلام نولان، فالرجل الذي يسعى للانتقام لزوجته التي قتلت في فيلم ميمنتو، والزوج الذي لم يستطع أن يخرج زوجته من قلبه وخياله حتى بعد موتها في فيلم استهلال، والأب الذي عبر الأكوان والأزمنة المختلفة ليعود إلى ابنته التي وعدها بكل الحب في قلبه أنه سيعود إليها في فيلم إنترستلر، والأخ الذي ضحى بحياته كاملة من أجل أخيه في فيلم «برستيج»، كل تلك العلاقات الخرافية القوية المعقدة في أفلام نولان هي مبنية على الحب من وجهة نظره الشخصية.

مايكل كين.. إنه يحب هذا الرجل

إذا ظهر مايكل كين في أحد الأفلام الجديدة القادمة، فاحتمالية وجود اسم نولان على التتر تتزايد.

قام نولان بكتابة وإخراج 11 فيلمًا سينمائيًّا، شارك مايكل كين في أكثر من خمسة أفلام من تلك القائمة، إذ بدأ العمل معه في فيلم بداية باتمان، واستمر في الظهور بأفلامه منذ هذا الوقت، إذ تجد مايكل كين بدور مؤثر، وحلقة وصل، ومُخلص يلجأ البطل إليه دائمًا، ومن الصعب أن ننسى القصيدة الشهيرة التي قالها بصوته في فيلم إنترستلر، والتي كانت التيمة الدائمة للفيلم؛ لتذكر الأبطال أن عليهم محاربة الظلام وعدم الاستسلام له.