من المفارقات التي رصدها زئيفي باريل محلل شؤون الشرق الأوسط في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أن أكثر المستفيدين من موسم الحج بعد الحكومة السعودية هي الشركات الصينية التي توفر معظم الهدايا وألعاب الأطفال والأجهزة الكهربائية الرائجة في البقاع المقدسة

ويطالب السعوديون البائعين كل عام بشراء بعض المنتجات المُصَنَّعة في البلدان العربية؛ لضمان حصول الدول الشقيقة على حصةٍ من الأموال التي ينفقها مواطنوها في موسم الحج.

وبالرغم من أن هذا الطرح التكافليّ حاضرٌ في الأذهان، إلا أن المقترح لم يجد طريقه إلى التطبيق العملي حتى الآن؛ ربما لعدم وجود بديل رخيص وموثوق لما يقدمه المنتجون الصينيون للحجاج المسلمين. 

كيف سيصبح شكل العالم حين تصبح الصين القوة الأولى؟

الدولة اللادينية التي يعتمد عليها المسلمون لأداء فريضة الحج

لا تزيد نسبة من يؤمنون بعقيدة دينية في الصين عن 10%، من المليار و320 مليون صيني، وفقا للأرقام الحكومية الرسمية. ولا غروَ أن تكون قصة الخلق في الميثولوجيا الصينية تختلف عن قصة الخلق في الديانات السماوية. 

تقول الأسطورة المنشورة على صفحات مجلة «الصين اليوم»: «إن الدنيا كانت عبارة عن بيضة كبيرة مظلمة من الداخل وفي قلبها «بان قو (خالق كل شيء في اعتقاد الصينيين)»، الذي فصل السماء عن الأرض ووقف بينهما رافعًا السماء برأسه وواضعًا الأرض تحت قدميه.

                                                               قصة الخلق في الميثولوجيا الصينية

بعد موت «بان قو» تحولت عيناه إلى الشمس والقمر، وصارت أطرافه هي الجبال، أما دمه فأصبح البحار والأنهار والبحيرات، وتحولت أوتاره وشرايينه إلى الطرق، أما لحمه فأصبح الحقول، وصار شعر رأسه النجوم، وتحول جلده وشعر جسمه إلى زهور وعشب وشجر، وعظمه إلى معادن وأحجار، أما نفَسُه فتحوّل إلى ريح وسحب متقلبة، وصارت عروقه مطرًا وندى يرويان المخلوقات، بحسب أسطورة الخلق الصينية.

وأبو البشر عند الصينيين ليس آدم، وإنما «فو شي»، وأمهم ليست حواء، وإنما «نوي وا»، التي خَلقت في ستة أيام أنواع الحيوانات المستأنسة: الطيور، والكلاب، والغنم، والخنازير، والمواشي، والخيل. وفي اليوم السابع استخدمت الطين لتشكيل هيئة الإنسان. وكانت «نوي وا» مسؤولة عن حماية البشر، بينما كان فو شي مسؤولًا عن الزراعة والقنص.

وبرغم هذه الاختلافات الدينية الجذرية، فإن معظم المنتجات التي يشتريها المسلمون خلال موسم الحج، مثل: سجادة الصلاة والمسبحة، لا تُصنَع محليًا داخل السعودية، بل بعيدًا في تلك الدولة التي لا يؤمن نحو 1.2 مليار شخص من أهلها بأي دين، سماويًا كان أو أرضيًا. 

وتتفاخر صحيفة «الشعب اليومية» في الصين، بأن قطار المشاعر المقدسة، صنعته الشركة الصينية لإنشاء السكك الحديدية، ويعد أكبر مشروع من حيث طاقة النقل، والأكثر تعقيدًا من حيث أساليب التشغيل، والأقصر مدة من حيث التنفيذ، والأعلى من حيث درجة الحرارة الخارجية عند التنفيذ والتشغيل؛ ليستحق بالفعل لقب «معجزة هندسية» في تاريخ بناء السكك الحديدية العالمية.

وقبل أيام قلائل، أنهت «الشركة الصينية المحدودة لإنشاء السكك الحديدية (سي آر سي سي)» تقديم خدماتها من أجل تشغيل قطار المشاعر في مكة لموسم الحج، خلال سبعة أيام عملت الشركة خلالها 156 ساعة عبر 2.4 مليون رحلة.

ومن اللافت أن الصين استطاعت بذكائها التجاري أن تلبي احتياجات ملايين المسلمين، حتى أن شعار «صنع في الصين» يكاد أن يكون حاضرًا في كل محرابٍ صلاة، وملموسًا في كل شعيرةٍ إسلامية.

ومهما كان الاختلاف العقائدي شاسعًا، سيستمر الصينيون في مغازلة هذه الشريحة الاستهلاكية المغرية في موسم الحج الحاشد، وهم يدركون أن المسلمين لن يتوقفوا عن زيارة هذا المركز الروحي والتجاري؛ لأنهم ببساطة لا يستطيعون أداء فريضة بالحج في أي مكان آخر.

أحلام مؤجلة.. مدينة صناعية ومعارض إسلامية في الأراضي المقدسة

وإن تعجب فعجبٌ ما ذكره الرحالة الإيطالي ثيفانو في زيارته للقاهرة عام 1663، من أنها تصنع السجاد بتوسع، وأن منتجاتها منه تمتاز بالجمال؛ ولذلك تصدره إلى القسطنطينية والممالك الأخرى. وليس ما سبق هو العجيب، بل العجيب أن مصر أصبحت اليوم تستورد سجاجيد صلاة بما يعادل 150 مليون دولار سنويًا.

وإذا كان هذا هو حال مصر، البلد التي كانت مشهورة عالميًا بالقطن طويل التيلة، وصناعة الغزل والنسيج؛ فلا غروَ أن تكون نسبة كبيرة من البضائع التي تغرق أسواق الحجاج في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة من منتجات الدول الآسيوية، وتحديدًا من الصين. 

وإذا كان حجم إنفاق الحجاج والمعتمرين على شراء الهدايا التذكارية سنويًا يقدر بنحو 3.6 مليارات ريال، 80% منها مستوردة من عدة دول على رأسها الصين، فلماذا لا تحتضن قبلة الدنيا مدينة صناعية جديدة، بدلًا عن الموقع الحالي الذي عرف بضيق مساحته، ووجوده داخل النطاق السكني، ولا يلبي طموحات الصناعة في مكة المكرمة، حسبما يقترح رئيس «الغرفة التجارية» بمكة المكرمة، طلال مرزا.

ويمكن أن تكون البداية بقرار من وزير التجارة لإنشاء «معارض إسلامية تجارية في مكة المكرمة، وهو حلم تأجل لسنوات طويلة، لم تستفد مكة المكرمة خلالها من احتضانها لموسم الحج والعمرة في إنشاء معارض دولية، تنشط الحراك التجاري وتحول أم القرى لورشة تجارية وتحقق عائدات للمملكة».

إغراء موسم الحج.. كعكة اقتصادية تتزايد حجمًا باستمرار

يتضخم حجم كعكة الحج باستمرار، إذ يُتَوَقَّع أن خزائن المملكة استقبلت حوالي 50 مليار دولار هذا الموسم، الذي استمر قرابة أسبوع فقط، في ظل استضافة المملكة 30 مليون حاج سنويًا، وفق «رؤية 2030».

ومثلما تستفيد الحكومة السعودية، تستفيد مئات الشركات المحلية ومتعددة الجنسيات في مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة، من زيادة الطلب على كل السلع بدءًا من الهدايا التذكارية مرورًا بشفرات الحلاقة، وحتى أدوية الصداع. 

ولا أكثر دلالة على ذلك من أن شركة «سامسونج» تنقل حشدًا كبيرًا من موظفيها إلى مكة والمدينة خلال موسم الحج، وتروج لمنتجاتها في نقاط البيع بأربع لغات، لمخاطبة الجمع المتنوع من الحجيج.

وقد أصبح الحج مُغريًا اقتصاديًا لدرجة أن بعض الشركات العربية تستخدمه نقطة انطلاق للتوسع العالمي، حسبما يرصد تقرير نشرته «هارفارد بزنس ريفيو» في عام 2013؛ وهو ما يشير إلى أن الأرباح الاقتصادية غير المباشرة من موسم الحج قد تفوق قدرة المراقبين على الحصر. 

ولأن هذا الموسم القصير يجذب مجموعة كبيرة من الزوار الذين يتوجهون إلى السعودية لأول مرة؛ تجد فيه الشركات فرصة لاختبار علاماتها التجارية على مجموعة جديدة من المستهلكين الدوليين كل عام. 

تبدأ الخطوة الأولى بالترويج للعلامة التجارية في أوساط الحجاج، من خلال أنشطة التسويق والمبيعات المكثفة في مكة والمدينة، تمهيدًا لتدشين موطئ قدم للبيع بالتجزئة في بلدانهم الأصلية. 

فشركة عطور «العربية للعود»، على سبيل المثال، تمتلك 52 متجرًا في مكة والمدينة، تمثل مبيعاتها حوالي 11٪ من مبيعات الشركة على مستوى العالم خلال موسم الحج. 

وبفضل هذه القاعدة الواسعة من المستهلكين، استطاعت الشركة افتتاح 550 متجرًا في 28 دولة لخدمة الحجاج المسلمين بعد عودتهم إلى أوطانهم. وهو النهج الذي تحذو حذوه العديد من الشركات الكبرى.  

لماذا تحرص الصين على توثيق علاقاتها مع السعودية؟

يمكن القول إن السبب الرئيس وراء اهتمام الصين بتطوير علاقاتها مع دول الشرق الأوسط، هو تأمين موارد الطاقة؛ لأن الصين تدرك أنها يجب أن تستمر في استيراد منتجات الطاقة لتزويد مصانعها بالوقود؛ إذا كانت ترغب في أن تظل مركز التصنيع في العالم. 

لكن منتجات الطاقة – على الرغم من أهميتها – ليست الحافز الوحيد لاهتمام الصين بالمنطقة؛ فمن مصلحة بكين أن يكون الشرق الأوسط مستقرًا من أجل تأمين منتجاتها التي تُشحَن إلى المنطقة وتمر عبرها.

السبب الآخر هو رغبتها في تخفيف أي غضب يمكن أن يثار في العالم الإسلامي ضد حملة القمع التي تمارسها ضد الأقليات المسلمة، وحماية جبهتها الداخلية من أي إضرار بالنمو الاقتصادي أو الأمن الداخلي، وأيضًا لحماية مبادرة الحزام والطريق، التي تمر بعض مراحلها بالشرق الأوسط. 

علاوة على ذلك يبدو أن الصين كقوة كبرى تتطلع إلى القيام بدور أكبر على الساحة الجيوسياسية الدولية من خلال القيام بدور صانع السلام في المنطقة. تتضافرت كل هذه العوامل لتدفع الصين إلى التواصل مع العديد من دول الشرق الأوسط، وليس مستغربًا أن تكون واحدة من أوائل الدول التي قصدتها، هي المملكة العربية السعودية.

وتفوقت السعودية على أنجولا كأكبر مصدر للنفط إلى الصين في عام 2005، وبحلول عام 2008 بلغت قيمة التجارة الثنائية بين الصين والسعودية 52.5 مليار دولار (وفق أسعار صرف 2018)، وأضحت المملكة أكبر شريك تجاري للصين في الشرق الأوسط.

وبحلول الربع الأول من عام 2010، بلغت صادرات النفط السعودي إلى الصين أكثر من مليون برميل، متجاوزة صادراتها إلى الولايات المتحدة. حتى بعدما تفوقت روسيا على السعودية، لتصبح أكبر مصدر للنفط إلى الصين في عام 2016، حيث شحنت 1.05 مليون برميل يوميًا مقارنة بـ1.02 برميل شحنتها السعودية، لا تزال العلاقات الصينية السعودية تزدهر.

وتسعى السعودية لتأمين مكانتها كمورد رئيس للنفط إلى الصين، لذلك استثمرت شركة «أرامكو» مليار دولار في عام 2004 لبناء منشأة للبتروكيماويات في مقاطعة فوجيان جنوب شرق الصين.

مترجم: هل صناعة التكنولوجيا في الصين في طريقها نحو الانهيار؟

المصادر

تحميل المزيد