«كيف سنتعامل مع ما فعلته أبوظبي؟»، منذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، توقيع اتفاقيات السلام أو «إبراهام»، بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، انضمام البحرين مؤخرًا، ومن المتوقع انضمام عدد من الدول الخليجية إلى هذه الاتفاقيات، وهذا السؤال يثار في كل مناسبة داخل المؤسسة السياسية الإيرانية، التي وصف جميع مسئوليها بلا استثناء التطبيع الإماراتي الإسرائيلي بأنه «خيانة».

بداية من الزعيم الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، إلى أصغر مسؤول في إيران، كان التنديد والتهديد الصريح للإمارات العربية المتحدة هو سيد الموقف، وأصبحت القيادة الإيرانية لا تفكر إلا في تغيير إستراتيجيتها للتعامل مع الأمر الواقع الجديد الذي فرضته أبوظبي على المنطقة.

ما معنى الخطوة الإماراتية بعيون إيرانية؟

على الفور، وبعد إعلان الإمارات العربية المتحدة توقيعها اتفاق سلام مع إسرائيل، اصدرت الخارجية الإيرانية بيانًا شديد اللهجة، تصف فيه الخطوة التي أقدمت عليها أبوظبي بأنها حماقة إستراتيجية، لكن البيان الأكثر حدة كان من نصيب الحرس الثوري الإيراني، الذي يهدد بشكل صريح ومباشر دولة الإمارات العربية المتحدة «بمستقبل خطير لقيادة الإمارات، جراء هذه الاتفاقية».

ردود الأفعال الغاضبة القادمة من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا تثير الدهشة، فإسرائيل هي العدو اللدود، وبالرغم من العلاقة الغامضة بين طهران وأبوظبي، إلا أن الأخيرة جعلت نفسها في صفوف أعداء طهران، بهذه الاتفاقية، فقد حذر الرئيس الإيراني حسن روحاني الإمارات بشكل عدواني، قائلًا: «إذا أدى الاتفاق إلى توسيع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة فإن الأمور ستتغير، والتعامل مع الإمارات سيتغير».

على أثر تلك التصريحات استدعت الخارجية الإماراتية، القائم بالأعمال الإيراني، احتجاجًا على ما وصفته بـ«تصريحات عدوانية». اللافت في أغلب التصريحات والتعليقات الإيرانية على أمر الاتفاق بين إسرائيل والإمارات المتحدة العربية، هو الخوف من إعطاء إسرائيل «موطئ قدم» في المنطقة، مما يهدد الأمن الإستراتيجي للجمهورية الإسلامية في إيران، بالرغم من نفي أبوظبي، أن التطبيع مع إسرائيل موجه ضد إيران.

لكن السيد فريدون مجلسي، الدبلوماسي الإيراني السابق، ومحلل الشئون الدولية، يري نفى الإمارات مجرد هراء، فيقول في حديثه لـ«ساسة بوست»، «منذ عقود تنظر الإمارات إلى إيران على أنها التهديد الأول والمباشر لها، لذلك جلبت إسرائيل إلى المنطقة لحمايتها، لكنها لا تعلم أن الأمر سيتحول إلى نقمة كبيرة، ستدفع ثمنها المنطقة بأسرها».

إيران تغير إستراتيجيتها 

كانت المؤسسة العسكرية الإيرانية، شديدة الحزم في انتقاد الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي، فقد صرح رئيس الأركان المسلحة الجنرال محمد باقري، قائلًا: «إن السياسة الإيرانية تجاه الإمارات ستتغير بشكل جذري، وان القوات المسلحة الإيرانية ستنظر إلى هذا البلد بحسابات مختلفة»، كما أكد باقري على أن أي خرق للأمن القومي الإيراني، ستحمل طهران الإمارات المسئولية الكاملة.

بشكل عام يمكن فهم المخاوف الإيرانية بشان الاتفاقية الإماراتية الإسرائيلية، خاصة بعد أن تناولت عدد من التقارير، أن الاتفاق لا يقتصر فقط على العلاقات الدبلوماسية والثقافية والتجارية، والسياحية بين البلدين، بل سيمتد الأمر إلى اتفاق أمني وعسكري، خاصة بعد أن أظهرت الإمارات العربية المتحدة رغبتها في الحصول على نظام الدفاع الصاروخي «القبة الحديدية»، الإسرائيلي، ونية الولايات المتحدة بيع طائرات F-35 للإمارات، التي ستصبح ثاني دولة بعد إسرائيل في الشرق الأوسط تحصل على أحدث الطائرات المقاتلة في العالم.

يقول مصدر صحافي، مقرب من المؤسسة العسكرية الإيرانية، لـ«ساسة بوست»، مفضلًا عدم الكشف عن هويته، «هناك العديد من الاجتماعات والنقاشات تدور داخل المؤسسة العسكرية في إيران، لبحث تغيير الإستراتيجية في التعامل مع الوضع الراهن، خاصة وأن القادة العسكريين الإيرانيين مقتنعون بأن التعاون الاستخباراتي بين الإمارات وإسرائيل في المستقبل سيكون هدفه إيران في المقام الأول».

فى هذا السياق، فإن اخبار زيارة رئيس المخابرات الإسرائيلية «الموساد»، إلى الإمارات العربية المتحدة يوم 18 اغسطس (آب)، كان بمثابة إشارة قوية إلى نية التوسع في المجال الأمني الاستخباراتي بين البلدين.

يقول السيد فريدون مجلسي، لـ«ساسة بوست»: «كيف لا تقلق طهران، وقد جلبت الإمارات عدو إيران الأول إلى حدودها الإستراتيجية، دائمًا كان العداء الظاهري بين الدول الخليجية وإسرائيل، نعمة لإيران إلى حد ما، لكن الآن الأمر أصبح تهديدًا صريحًا لطهران، وكيفية التعامل معه سيكون لها أشكال عديدة».

هل تخطط الإمارات للتصعيد مع إيران؟

جاءت اتفاقية السلام بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل في وقت عصيب تمر به الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكما وصفه الرئيس الإيراني حسن روحاني سابقًا «إنه أصعب وقت منذ الثورة الإيرانية»، فالاقتصاد الإيراني على حافة الهاوية، بسبب العقوبات الاقتصادية وحملة الضغط الاقصي التي تقودها إدارة ترامب تجاه طهران.

يضاف إلى ما سبق، اغتيال الولايات المتحدة أكبر وأهم قائد عسكري في إيران، الجنرال قاسم سليماني، قائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، في يناير (كانون الثاني) الماضي، والمحاولات اليائسة لاحتواء تفشي فيروس كوفيد-19، الذي ما زال يعصف بالبلاد، فقد وصل عدد الوفيات إلى 20 الف شخصًا، وأصيب اكثر من 300 ألف بحسب الإحصاءات الرسمية.

توسط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في صفقات السلام بين إسرائيل والدول الخليجية، في محاولة لإثبات أي نجاح له في السياسية الخارجية قبيل الانتخابات الرئاسية الأمريكية في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، مما جعل المحللون داخل إيران يفسرون توقيت الاتفاقيات مع إسرائيل، على أنها جزء من حملة الضغط الموجهة ضد إيران، ومحاولة لزعزعة أمنها الإستراتيجي.

يقول الخبير الأمني، حميد رضا عزيزي، والمقيم بطهران لـ«ساسة بوست»، «العنصر الأمني في الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي واضحًا للغاية لطهران، قبل الاتفاق تعرضت البلاد لسلسلة من الهجمات والانفجارات في منشآت نووية وعسكرية، فمن غير المستبعد أن التعاون الأمني بين الإمارات وإسرائيل سيكون موجهًا لإحداث المزيد من الحوادث المشابهة داخل إيران».

لكن هناك من يري أن الأمور قد لا تصل إلى هذا الحد من المواجهة، على الأقل في المستقبل القريب، فالإمارات العربية المتحدة، لا تريد الانجرار إلى المزيد من الصراعات في المنطقة.

في حديثه لـ«ساسة بوست»، يقول الباحث السياسي الإيراني آرمين قنبري، «الإمارات لا تريد التصعيد مع إيران، فهي تدرك جيدًا حجم الأضرار التي ستطالها إذا حدثت أي مواجهة بين إسرائيل وإيران في المنطقة، فجلب إسرائيل إلى الحدود الإيرانية دليل على خشية الإمارات من التهديد الإيراني  ومحاولة احتوائه، وليس المواجهة».

ما هو سلاح إيران لمعاقبة الإمارات إن أرادت؟ 

فى فورة التعليقات الغاضبة في إيران، نشرت صحيفة كيهان الإيرانية المحافظة، أن الإمارات ستكون هدفًا لمحور المقاومة، في إشارة إلى تهديد الإمارات ببطاقة جماعة الحوثيين في اليمن والمدعومة من إيران.

جادل بعض الخبراء بأن من الممكن أن تزيد طهران من أنشطتها التي تستهدف الإمارات العربية المتحدة، باستخدام وكلائها في المنطقة، ففي عام 2018 تعرض مطار في دبي لهجمات من قبل الحوثيين، تعلم طهران جيدًا أن هذا التلويح يثير مخاوف كبيرة لدى المسؤولين الإماراتيين، فتعرض بلادهم لهجمات تخريبية، من شأنه أن يضر باقتصادها على الفور، وتعريض المصالح الاقتصادية والاستثمارات إلى الخطر.

يقول مجلسي: «لا أتوقع أن تفعل الإمارات شيئًا يثير غضب إيران، إلى هذا الحد، ولا أتوقع إقدام أي من الطرفين على مواجهة بعضهما البعض، فلا ننسى المصالح الاقتصادية والتجارية بينهما».

وكانت مصادر إيرانية قد تحدثت لـ«ساسة بوست»، عن اتصالات مكثفة بين القادة الإيرانيين، والحوثيين في اليمن، في الاونة الأخيرة، خاصة بعد اتفاق السلام الإماراتي الإسرائيلي، ومنذ أيام قليلة اكدت إيران على توفيرها تكنولوجيا الصواريخ والطائرات المسيرة للجماعة في اليمن، فقد صرح المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية، العميد أبو الفضل شكارجي قائلًا: «تم وضع التقنيات الدفاعية لإنتاج الصواريخ والمسيرات تحت تصرف اليمن». في هذا الصدد يقول المحلل الأمني السيد عزيزي: «لابد أن ترسل إيران برسائلها الخاصة، وعلى الإمارات أن تستوعب هذه الرسائل جيدًا».

تركيا قد تكون المستفيد.. رجال الأعمال الإيرانيون قلقون 

على مر السنين، وبالرغم من العلاقات المتوترة بين الإمارات العربية المتحدة وإيران، إلا أن البلدين كان يجمع بينهما علاقات تجارية جيدة، لم تتمتع بها إيران مع أي دولة عربية أخرى في المنطقة.

دولة الإمارات العربية المتحدة، وتحديدًا إمارة دبي، هي شريك تجاري رئيس للجمهورية الإيرانية الإسلامية، وكانت الوسيلة الأمثل لالتفاف طهران على العقوبات الاقتصادية في أغلب الاوقات، وتزدحم دبي برجال الأعمال الإيرانيين، ممن يملكون استثمارات هائلة هناك، وقد ساعدت استثماراتهم على تخطي دبي للأزمة الاقتصادية التي عصفت بها عام 2009.

لكن بعد الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي، والحديث عن نشاط الأعمال التجارية بين البلدين، يخشى الكثيرون داخل إيران من أن يتم استبدال الإيرانيين والإسرائيليين في الإمارات العربية المتحدة.

يتحدث رئيس غرفة التجارة الإيرانية الإماراتية المشتركة، السيد فرشيد فرزانكان، عن مخاوفه تلك لـ«ساسة بوست، فيقول: «لا أنكر الخوف الذي يسيطر على رجال الأعمال الإيرانيين في الإمارات، ولا أنكر مخاوفنا من أي تصعيد محتمل بين البلدين، ناهيك عن التساؤل حول وضع الاستثمارات الإيرانية في الإمارات، واختلاطها بالاستثمارات الإسرائيلية، كيف ستصبح الأمور وقتها؟».

على الجانب الآخر، يرى مجلسي أنه لا داعي من تلك المخاوف، فالعلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين كانت مستمرة حتى في أحلك الظروف، واكثرها توترا، «لا اعتقد أن طهران يمكنها التخلي عن المزايا الاقتصادية لها في الإمارات، والأخيرة لا تريد قطع كل احبال التواصل، فلا داعي للخوف». إلا أن السيد فرزانكان، قد تحدث عن نية بعض رجال الأعمال الإيرانيين في دبي، إلى الذهاب باستثماراتهم إلى تركيا، تحسبًا لأي مواجهات مستقبلية.

هل ستنتهى العلاقات الدبلوماسية بين الإمارات وإيران قبل أن تبدأ؟

دائمًا ما كانت العلاقات بين إيران والإمارات العربية المتحدة تتسم بالتوتر والغموض، فحتى قبل قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، كانت محمد رضا بهلوي ملك إيران، حليفًا لإسرائيل، في وقت كانت تعادي فيه الدول الخليجية الدولة الإسرائيلية.

وبعد قيام الثورة، وخوفًا من الأيديولوجية الشيعية والسياسية للجمهورية حديثة التأسيس، خشت الإمارات من الاقتراب من إيران، بل دعمت صدام حسين في حربه ضد الجمهورية الإسلامية في الثمانينات.

مع زيادة الطموحات الإقليمية لطهران، زاد الخوف الإماراتي من إيران، ففي عام 2010، قال سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة، يوسف العتيبة: «جيشنا منذ 40 عامًا، يستيقظ، يحلم، يتنفس، يأكل، ينام بالتهديد الإيراني، لا يوجد بلد في المنطقة تشكل تهديدًا للإمارات سوى إيران وحدها».

هذا كله يفسر سبب عداء الإمارات للاتفاق النووي الإيراني، الذي وقعته إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، والقوي الغربية مع إيران، ويفسر أيضًا دعم أبوظبي الشديد لخروج واشنطن من صفقة العمل الشاملة المشتركة، وتأييدها لحملة الضغط الأقصى التي تقودها إدارة ترامب ضد طهران.

لكن بالرغم من ذلك، كانت الإمارات تحافظ على حد أدنى من العلاقات الدبلوماسية بينها وبين الجمهورية الإسلامية، ففى عام 2019 عندما تعرضت أربع ناقلات نفط للتخريب بالقرب من ميناء الفجيرة الإماراتي، في ذروة تصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، رفضت أبوظبي اتهام إيران بشكل مباشر وعلني، بينما ألقت واشنطن باللوم على طهران مباشرة بعد الحادث.

دولي

منذ سنتين
«كابوسٌا مُروِّعٌا»: بالأرقام.. من يفوز لو قامت الحرب بين إيران وإسرائيل؟ 

بل بعدها بعدة اسابيع، أرسلت أبوظبي وفدين أمنيين إلى طهران، لمناقشة الامور الثنائية، وأمن المياه الخليجية، واحتفت إيران بتلك الزيارة، التي طمأنت أبوظبي، بخروجها من المسار التصادمي بين الولايات المتحدة وإيران.

فى الآونة الأخيرة، زاد تقرب الإمارات العربية المتحدة من إيران، بشكل أثار الكثير من الجدل والتساؤلات داخل طهران، فتساءل الكثيرون عن سبب هذا التقرب.

ففي مارس 2020 أرسلت الإمارات العربية المتحدة 7.5 طن من المساعدات الطبية لإيران للمساعدة في مكافحة فيروس كورونا، وقبيل الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي بأيام قليلة، كان هناك تواصل دبلوماسي رفيع المستوي يحدث لأول مرة منذ أن تم قطع العلاقات، بين وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد ونظيره الإيراني، جواد ظريف.

يرى الباحث السياسي الإيراني، آرمين قنبري، أن الإمارات العربية المتحدة، تريد الإبقاء على الحد الأدنى من العلاقات مع إيران، في محاولة لاحتواء التهديد الإيراني، وأن اتفاقها مع إسرائيل يمكن تفسيره بأنه يأس من الحماية الأمريكية.

يقول قنبري لـ«ساسة بوست»: «في العقود الماضية، كان حكام الإمارات مشغولين ببناء بلادهم واقتصادهم، وفضلوا دائمًا البقاء في الساحة الخلفية، لكن الان يريدون لعب دور إقليمي مهم، فأقحموا أنفسهم في دوامة الصراعات في المنطقة، ووجدوا أنفسهم أمام ما يطلقون عليه التهديد الإيراني، وعدم الثقة في الحماية الأمريكية، فكانت إسرائيل الملاذ؛ من ناحية توفر لهم الحماية ضد إيران، ومن ناحية أخرى، تمكنهم من لعب دور في المتغيرات السياسية في المنطقة».

فى النهاية، لا يمكن التوقع بنتائج الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي على طهران في الوقت الحالي، ولا يمكن التوقع بنتيجة المخاوف الإيرانية الحالية، لكن من الممكن أن نرى آثار التطبيع العربي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية في المستقبل القريب.

عرض التعليقات
تحميل المزيد