تُظهر الإحصائيات ارتفاعًا ملحوظًا في أعداد المدنيين المُحالين للمحاكم العسكرية في مصر، وذلك بالتوازي مع توسع صلاحيات هذه المحاكم، واختصاصاتها كذلك باستصدار مراسم رئاسية تمنحها سلطة فوق القانون، وتختصم من نفوذ القضاء العادي.

وبينما اقتصر أدوار المحاكم العسكرية خلال عهد الرئيس السابق محمد حسني مُبارك على القضايا السياسية، على أساس كونها محاكم سياسية، توسعت أدوارها في عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، الذي يتعامل معها كذراع رادع حيال كُل مخالف، دون اعتبارها كونها وسيلةً لتحقيق العدالة.

قوانين منحت مشروعية للقضاء العسكري في المجال العام.. مراسيم رئاسية في غياب البرلمان

وسعت القوانين والمراسم الرئاسية التي صدرت على مدار السنوات الأخيرة، من اختصاصات القضاء العسكري، والمحاكم العسكرية التي تنتشر بكافة أنحاء مصر، لتتحول من كونها مخولة بمحاكمة الأفراد التابعين للمؤسسة العسكرية، لمحاكمة الأفراد المدنيين بذريعة «التنمية الاقتصادية»، و«حفظ الأمن العام»، و«الظروف الطارئة التي تعيشها البلاد».

المحاكم العسكرية

التوسيع الأكبر لاختصاص القضاء العسكري كان في حزيران/ يونيو 2016، عندما منح الرئيس السيسي الجيش سلطة مراقبة الأملاك العامة حتى مسافة كيلومترَين (1.2 ميل) من الطرقات العامة والسريعة، وهو المرسوم الذي منح المشروعية للمحاكم العسكرية مقاضاة المخالفين من المدنيين.

وفي 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2014، أصدر السيسي القانون 136 لعام 2014 الذي فوّض إلى الجيش سلطة حماية المنشآت العامة والحكومية لمدّة عامَين، والذي منح المحاكم العسكرية اختصاص النظر في الجرائم المرتكَبة في الأملاك العامة، بما في ذلك الأبراج والمحطات الكهربائية، وخطوط أنابيب الغاز، والطرقات، والجسور، وسواها من المنشآت العامة غير المحدّدة.

«من المسئول عن تعيين القضاة العسكريين؟» تجيب عن هذا السؤال المادة 54 من قانون القضاء العسكري، والتي نصت على: «يصدر بتعيين القضاة العسكريين قرار من وزير الحربية بناءً على اقتراح مدير القضاء العسكري».

خلال عهد الرئيس السابق محمد حسني مبارك، انحصرت محاكمات المدنيين أمام المحاكم العسكرية في القضايا التي تطال الإسلاميين في مصر، للنظر في بعض «قضايا الإرهاب» والجماعات الجهادية المسلحة، كوسيلة من السلطات الحاكمة آنذاك للنأي بمؤسسات القضاء الاعتيادية عن هذه المحاكمات التي يُغلب فيها الجانب السياسي، على الجانب القانوني، كالقضية المعروفة إعلاميًا بـ «ميليشيات الأزهر»، وذلك في مسعى من نظام مُبارك للحفاظ على مؤسسات القضاء الاعتيادي بالاستقلال النسبي، وهو أحد الأسباب التي يسوقها الباحثون كأهم أسباب تماسك نظام مبارك على مدار 30 عامًا.

التوسع الاقتصادي للمؤسسة العسكرية يوسع من صلاحيات القضاء العسكري

في أغسطس/ آب 2014، لم يكن يُدرك المواطن الذي يُسابق الطابور الذي تتراص فيه السيارات، لتموين السيارة بالوقود، أن تنتهي هذه المُقامرة لحجز أسبقية الحصول على وقود لسيارته به إلى ساحات المحاكم العسكرية، كون هذه المحطة هي إحدى محطات الوقود التابعة لوزارة الدفاع.

المحاكم العسكرية

حسب تصريح لرئيس هيئة القضاء العسكري، اللواء مدحت رمضان (فجميع المؤسسات التابعة للقوات المسلحة يسري عليها القانون العسكري، ضاربًا مثالًا بمحطة بنزين «وطنية»، مشيرًا إلى أنها قد تكون سببًا لمحاكمة أحد المدنيين عسكريًّا، في حالة تعديه على أحد الضباط أو المجندين العاملين بها، أو تعديه عليها كمنشأة، لأن المجند أو الضابط الذي يخدم في بنزينة وطنية أو أي مشروع تابع للقوات المسلحة، لا يقل أبدًا عن المجند أو الضابط الذي يحمل سلاحًا أو يحارب فوق الدبابة).

يوضح تقرير صادر من مجموعة «لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين»، في مارس 2015، رصدها تعرُّض 3000 حالة، منها 300 طالب و22 فتاة للمحاكمات العسكرية على خلفية قضايا، وذلك خلاف للقضايا التي لم تستطع الجهات ذات الاهتمام الوصول إليها، وذلك عن الفترة من 27-10-2014، وحتى صدور التقرير.

حسب بحث صادر من مركز كارنيجي للأبحاث والدراسات السياسية، فتوسع المجالات التي تدخلها المؤسسة العسكرية في مجالات الاقتصاد، أدى إلى أن تقع الأملاك والمؤسسات العامة ضمن اختصاص القضاء العسكري، موضحًا أن تشكّل الطموحات الاقتصادية للجيش أحد الدوافع وراء الضغط من أجل منح المحاكم العسكرية اختصاصًا أكبر لمحاكمة المدنيين.

ويوضح البحث أنه في ظل غياب القدرة على الوصول إلى المحاكم المدنية، وفي ظل الحرمان من الحق الأساسي في محاكمات عادلة، وانعدام استقلالية القضاة، يصبح القانون خاضعًا لأهواء السياسة العسكرية.

تتجسد هذه العلاقة بين تمدد إمبراطورية المؤسسة العسكرية الاقتصادية، وتوسع صلاحيات المحاكم العسكرية في نص المادة 204 من الدستور المصري، والتي تمّ تمريرها في استفتاء يناير 2014، حيث أدى توسع هذه الكيانات «الاقتصادية» التابعة لوزارة الدفاع، أو مقدّمي الخدمات فيها إلى مضاعفة حالات محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، بزعم الاعتداء على المنشآت العسكرية أو من في حكمها».

قضية شركة الترسانة البحرية نموذجًا: حين فصل القضاء العسكري في قضية نزاع عمال مدنيين مع شركة تتبع وزارة الدفاع.. والشهود «ضباط استخبارات»

في مايو/ أيار 2016، نظم عشرات العمال في شركة الترسانة البحرية مظاهرةً احتجاجيةً ضد تدني الأجور، وظروف العمل غير المواتية على صعيدَي الصحة والسلامة، قبل أن تنتهي مصائر هؤلاء العمال المدنيين إلى قاعات المحاكم العسكرية، بعد القبض عليهم بواسطة قوات من الشرطة العسكرية، وإقحام 26 عاملًا في قضية عسكرية برقم 2759 لسنة 2016، بتهم تتعلق بتحريض العمال على تعطيل سير العمل، والإضرار بالمصلحة العامة.

المحاكم العسكرية

يُذكر أن الشركة التي يعمل فيها العمال المدنيون، تأسست كشركة مُساهمة مصرية بقرار وزاري رقم 330 لسنة 1978 كأحد شركات وزارة البترول، قبل أن تنتقل ملكيتها من الشركة القابضة للصناعات الهندسية إلى الشركة القابضة للنقل البحري في عام 1993، وذلك بالقرار 217 لسنة 1993، لترسو في محطتها الأخيرة في عام 2007 ضمن ممتلكات وزارة الدفاع -جهاز الصناعات والخدمات البحرية- وذلك بصدور قرار جمهوري رقم 204 لسنة 2003.

ضمن رواية أحد عمال الشركة، فقد خاطب مدير مكتب قائد القوات البحرية العمال على خلفية تظاهراتهم: «مش إحنا اللي يتعمل معانا كدة، إحنا عندنا استعداد نقفلها مفيش مشكلة بالنسبة لينا، واللي ليه حق يرجع مكان شغله وبعدين تطلب حقك وأنت في مكانك، إنما علشان أسلوبكم ده ملكوش مستحقات خالص».

في جلسة النطق بالحكم يوم الأحد الماضي، أعلنت المحكمة إخلاء سبيل 5 من عمال الشركة، والإبقاء على حبس بقية العمال، وهو الحكم الذي أرجعه محامي العمال المحبوسين إلى: «المحكمة أخلت سبيل ٥ من العمال اللي قدموا استقالتهم في وقت سابق، أبقت على حبس العمال اللي رفضوا يقدموا الاستقالة، وهذا يُفيد بأن القضاء العسكري ينسق مع إدارة الشركة، التي تتبع وزارة الدفاع علشان يصفوا العمال ويضغطوا عليهم، وهو الأمر الذي ينفي أي دور لهذه المحاكم في تطبيق العدالة».

النطق بالحكم في القضية جاء بعد 4 تأجيلات للنطق بالحكم في الدعوى التي كان سبق حجزها للحكم بتواريخ 2/8/2016، و16/8/2016، ومن ثم 18/9/2016، وهي المسألة التي يرى المختصون بأنها تنافي الأكذوبة التي يرددها مؤيدو المحاكمات العسكرية عن كونها محاكمة سريعة العدالة، كون أحكامها تصدر بسرعة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد