عبد القادر بن مسعود

3

عبد القادر بن مسعود

3

3,559

يعاني المرضى بالجزائر من ندرةٍ شديدةٍ في بعض الأدوية، وتعرف العديد من الصيدليات بالجزائر نقصًا حادًا في تسويق كثير من الأدوية للأمراض المزمنة والأمراض الموسمية، التي تخص شريحة كبيرة من المجتمع ممن تعدّ حياتهم متعلقة بتلك الأدوية التي يتناولونها، على غرار مرضى السكري والضغط والأعصاب، وتشير الأرقام إلى فقدان أكثر من 200 دواءٍ في الجزائر، مما يدفع الجزائريين للاستنجاد بأقاربهم المقيمين بفرنسا أو الانتقال لتونس لشراء تلك الأدوية، كما أن هناك بعض الصيادلة يوفرون هذه الأدوية بطرق غير قانونية وبأسعار مرتفعة، مما يزيد معاناة هؤلاء المرضى، وفي هذا التقرير نسلط الضوء على واقع إنتاج الأدوية في الجزائر، وكيف صار الدواء جحيمًا على الجزائريين.

أكثر من 200 دواء مفقود في الجزائر

تعاني غالبية الصيدليات في الجزائر نقصًا حادًا في الأدوية خصوصًا تلك المتعلقة بالأمراض المزمنة كالسكري وارتفاع ضغط الدم، الأمر الذي حوّل حياة آلاف المرضى الجزائريين إلى جحيم، فقد فاق عدد الأدوية المفقودة في السوق الجزائرية منذ أكثر من ستة أشهر 200 دواء؛ وذلك حسب إحصائية للاتحادية الجزائرية للدواء، وخلال جولة استطلاعية قام بها «ساسة بوست» في بعض صيدليات بولاية غارداية، أكد لنا الكثير من الصيادلة أن العديد من علامات الأدوية تعرف ندرة حادة في الجزائر منذ عدّة أشهر، خصوصًا تلك الأدوية المتعلقة بالأمراض المزمنة، كدواء «براك سيلان» و«فيزيو تونس» المخصصين لمرضى الضغط الدموي، ناهيك عن دواء «فيروسانول» الخاص بمرضى فقر الدم إضافةً إلى دواء «ستاجيد» و«جلوكوفاج»، وحتى «غريبيل» المخصصين لمرضى السكري الذي يعاني منه أكثر من 3.5 مليون جزائري.

وفي السياق ذاته أكد «لطفي بن باحمد» رئيس المجلس الوطني لعمادة الصيادلة، أن هناك ندرةً مزمنةً في أزيد من 100 صنف هام من الأدوية عبر مختلف الصيدليات وذلك رغم إفراج الحكومة على برامج الاستيراد قبل عدة أشهر وأضاف المتحدث ذاته أنه: «في الآونة الأخيرة تم تسجيل نقص فادحٍ في أدوية أخرى، وهناك أدوية انتهت صلاحيتها شهر سبتمبر(أيلول) الماضي وليس هناك بديل لها، الأمر الذي لم تأخذه الجهات الوصية بعين الاعتبار، وحتى أدوية «صيدال» غير متوفرة، والسبب دائمًا غير معروف».

من جهته أكد رئيس النقابة الوطنية الجزائرية للصيادلة الخواص مسعود بلعميري في أحد تصريحاته أن سوق الأدوية في الجزائر تشهد ندرة بعض الأدوية من بينها ما بين 50 إلى 70 دواء غير قابل للتغير والاستبدال بأدوية أخرى مثل أدوية «سيتوتريكس» الخاص بمرضى السرطان، وحقن المضادات الحيوية، وكذا الدواء الخاص بالأمراض الجلدية «كراكنيل»، وأضاف أن تعطل عملية استيراد الأدوية أكثر، سيتسبب في تفاقم الندرة.

من جانبها اعترفت وزارة الصحة الجزائرية بعد تحقيق أجرته، أن ندرة بعض الأدوية هي حقيقة مؤكدة، بعدما كان الأمر محل نفي من قبل وزير الصحة «عبد المالك بوضياف»، وأرجعت الوزارة الندرة إلى تورط شركات صناعة وتسويق الأدوية في افتعالها، عبر تخزين كميات من الأدوية خاصة بالأمراض الحساسة، وعن الحلول المقترحة لمعالجة ندرة الأدوية في الجزائر قال الدكتور «لطفي بن باحمد» أن الحل يبقى في دعم الإنتاج الوطني مقدرًا نسبة تغطيته للسوق الوطنية بـ55%.

من ناحية أخرى، عرفت فاتورة استيراد الأدوية بالجزائر انخفاضًا محسوسًا خلال الأشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية، فبلغت 1.26 مليار دولار مقابل 1.35 مليار دولار خلال نفس الفترة من 2016، وحسب مراقبين، فإن الحكومة الجزائرية تبدو عاجزة حتى الآن عن توسيع قائمة الأدوية التي يتم منع استيرادها في الوقت الحالي، في ظل عدم تحقيق الجزائر للاكتفاء الذاتي في مجال تصنيع الأدوية، خاصة أدوية داء السكري وضغط الدم والسرطان، وتسعى الحكومة الجزائرية لتقليص الواردات بعدما لجأت إلى الإنفاق من احتياطي النقد الأجنبي، لتغطية عجز الخزينة وذلك عبر تقليص حجم وارداتها من الأدوية لتصل مبلغ مليار دولار.

الأدوية المفقودة صارت جحيمًا على الجزائريين

«أبو بكر ب.م» شاب جزائري أصيبت أمه بمرض السكري المزمن، وهو المرض الذي يقول إنه حوّل حياته لجحيم يومي، ومما زاد من تلك المعاناة أن الأدوية المخصصة للعلاج سعرها مرتفع، وأحيانًا تكون نادرة، وكشف أبو بكر لـ«ساسة بوست» أنه يجد نفسه مراتٍ عديدةً مجبرًا على التنقل إلى تونس لشراء هذه الأدوية، ومرّات يتكفّل بعض المحسنين بإرسالها من فرنسا وهو الأمر الذي يفاقم معاناته.

حالة أبي بكر ليست وحيدة في الجزائر، وإنما هي تجسيد لواقع آلاف المرضى، الذين يعانون في سبيل الحصول على أدوية يتغلبون بها على آلامهم اليومية، ويعد مرضى القلب أكبر المتضررين من غياب بعض الأدوية الضرورية لعلاجهم، على غرار دواء «سنتروم» و«أفلو كارديل»، وهي الأدوية التي تؤدي ندرتها إلى مضاعفات قد تكون خطيرة على صحة المريض، كما يعاني مرضى السكري المقدر عددهم في الجزائر بـ3.5 مليون مريض من الأزمة ذاتها، إذ تلاحقهم أعباء الحصول على الأدوية حتى في فترات تواجدهم بالمستشفيات الجزائرية.

وللتغلب على هذه  الأزمة يلجأ الكثير من الجزائريين إلى تحمل عناء السفر إلى تونس أو بعض الدول الأوروبية وأهمها فرنسا لجلب الأدوية المفقودة والتي تمثل جرعة حياة إضافية لكثير من المرضى، ويدفع المريض عادةً مقابل ذلك أموالًا إضافية، وقد يتجاوز سعر الدواء أضعاف سعره الحقيقي.

من المسؤول عن أزمة ندرة الأدوية في الجزائر؟

أكد «عبد الحميد بوعلاق» رئيس الجمعية الوطنية لمرضى التهاب الكبد الفيروسي أن ندرة الأدوية ظاهرة موجودة فعلًا في الجزائر، وعن أسبابها يقول المتحدث إنّ السبب الرئيسي يعود إلى سوء التوزيع وسوء التنظيم، فالقطاع الخاص الذي تؤطره – حسب حديثه – وزارة العمل يشهد حالة من الفوضى بسبب دخلاء لا علاقة لهم بالمهنة، فكل من لديه المال يستثمر في قطاع الأدوية، متهمًا المختبرات الأجنبية بالتواطؤ مع الأطباء الجزائريين من أجل خلق الندرة في بعض الأدوية بهدف التحكم في السوق، من خلال طرحها بالأسعار والطرق التي تريدها.

وأردف بوعلاق قائلًا إن القطاع الحكومي، ورغم محاولات الصيدلية المركزية التي تزود مختلف المستشفيات الجزائرية لتوفير الأدوية الضرورية، فإنه فشل في ذلك بسبب سوء التسيير وسوء التوزيع.

Embed from Getty Images

ثقة الجزائري بمنتج بلاده ضعيفة.

من جهته، أكد نائب رئيس النقابة الوطنية للصيادلة الخواص عابد فيصل «أن مشكلة الندرة في الدواء لا تقتصر على أمراض محددة، وحسب رأيه، فإن الحل لا يكون إلا بالاعتراف بوجود المشكلة، وفتح حوار جديّ لإيجاد الحلول، لأن تضارب التصريحات وحالة المد والجزر بين مختلف الجهات المنتسبة للقطاع لا يجب أن تكون، لأن الأمر متعلق بصحة المريض».

وعن الأسباب رأى فيصل: «أن دخول التجار غير الشرعيين قطاع الدواء يعد أهم أسباب حالة الفوضى التي يشهدها القطاع، ومن غير المعقول أن يسمح لأي شخص أن يتاجر في الدواء»، وأرجعت الاتحادية الجزائرية للدواء النقص الحاد في توفر بعض الأدوية في السوق الجزائرية إلى القيود المفروضة من الحكومة على المتعاملين في هذا المجال، المتمثلة في قرارات إدارية أحادية الجانب تفرض تخفيضات غير مفهومة في الكميات المستوردة أو شروطًا تعسفية في تخصيص حصص المنتجات القابلة للاستيراد لمتعاملين محددين.

وكشفت وزارة الصحة بعد تحقيق أجرته أن ندرة الأدوية هي أزمة مفتعلة، والسبب يعود لموزعي الأدوية الذين يعملون بشكل مخالف للقانون، وكشفت أن 200 موزعٍ فقط من أصل 600 يعملون بشكل منتظم ومستمر.

صناعة الأدوية في  الجزائر بين المنتج المحلي والمنافسة الأجنبية

تعرف صناعة الأدوية في الجزائر انتعاشًا كبيرًا خلال السنوات القليلة الماضية، إذ أصبحت السوق  الجزائرية هدفًا لكبريات شركات الأدوية العالمية، ويبقى الإنتاج المحلي يكابد من أجل فرض نفسه في وقت صار المواطن الجزائري يفضّل المنتوج الأجنبي على المحلي نتيجة لغياب الثقة في منتوج بلاده، ولتحسين الإنتاج المحلي وإعطائه صورة حسنة للجزائريين، قامت كبريات شركات صناعة الأدوية في الجزائر بتوقيع شراكات مع الشركات الأجنبية لإنتاج الأدوية الجنيسة على غرار مجمع «صيدال» الذي توجه للشراكة مع الشركة الفرنسية «سارفيي»، للشروع في إنتاج أدوية أصلية مرخصة من هذا المنتج الفرنسي، ما يؤكد تغيير الشركة الوطنية سياستها الإنتاجية المشجعة لإنتاج الأدوية الجنيسة، وإن كان رئيس نقابة الصيادلة «مسعود بلعمبري» يستبعد بلوغ الجزائر مرحلة التشبع من الأدوية المصنعة محليًّا فإنّ مجمع صيدال أعلن عن إنجاز خمسة مصانع لإنتاج الأدوية ضمن تسعة مشاريع يعوّل عليها ضمن الاستراتيجية الرامية إلى تجاوز فاتورة استيراد الأدوية المكلفة والانتقال إلى مرحلة التصدير.

وترمي سياسة مجمع صيدال، أكبر شركات الأدوية في الجزائر الجديدة إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال صناعة الأدوية واقتحام الأسواق الأفريقية، إذ تنتج صيدال اليوم 80 وحدة إنتاج إضافة إلى 150 مشروع وحدات جديدة ستدخل الإنتاج قريبًا.

بدوره قام مجمع «الكندي» لصناعة الأدوية بإنشاء مصنع جديد لتغطية النقص في أدوية الأمراض المزمنة، وقال عنه الرئيس المدير العام التنفيذي لمجموعة الكندي إنه الأكبر في أفريقيا، وسيغطي السوق الأفريقية في المستقبل القريب.

بدورها تراقب كبرى الدول المصدرة للأدوية السوق الجزائرية النشطة، إذ يستهلك كل جزائري ما يقارب 15 علبة دواء في سنة، هذه الأرقام دفعت أمريكا لإعلان نيتها في الاستثمار في السوق الجزائرية، وهذا ما أعلنه «إسماعيل شيخون» رئيس مجلس الأعمال الجزائري – الأمريكي، الذي قال في حديثه لموقع الحرّة الأمريكي إن مسؤولي مخابر بحث سيزورون الجزائر خلال أيام لبحث مشروع استثماري في الأدوية يعد الرابع من نوعه في العالم، وعن التفاصيل قال شيخون إنّ الولايات المتحدة تعول على المناخ الاستثماري في الجزائر لإقامة رابع أكبر مركز لصناعة الأدوية في العالم.

على جانب آخر فالمفاوضات مع مجمع «فارما» الذي يضم شركات صناعة الأدوية ومختبرات البحث والجامعات المتخصصة ما زالت متواصلة لتجسيد هذا المشروع، من جهته توجه المخبر الأردني «دار الدواء» إلى توسيع استثماراته في الجزائر، وقام بتدشين مصنع جديد الأسبوع الماضي بالعاصمة الجزائر لإنتاج قطرات العيون، وقال المدير العام لمخابر دار الدواء إنّ مختبره سيقوم بإنشاء مصنع ثانٍ في غضون أشهر لتغطية السوق الجزائرية.

تهميش الإنتاج المحلي للأدوية في الجزائر متواصل

شرعت الصين رسميًّا، في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي في تسويق المكمل الغذائي المعروف بـ«RHB» أو «رحمة ربي»، وذلك بعد أن سحبته الجزائر العام الماضي من جميع الصيدليات معللةً ذلك أن المنتج يسوّق على أنه علاج لمرض السكري، في وقت يعتبر فيه المنتج مكملًا غذائيًا.

قصة الدواء الجزائري المسوّق مؤخرًا في الصين تعود إلى سنة 2016 حين أعلن المخترع الجزائري «توفيق زعيبط» عن اختراعه مكملًا غذائيًا يحمي المريض بالسكري من المضاعفات، وينقذ المريض من بتر القدم، لكن المخترع الجزائري تلقى سخرية وانتقادات لاذعة من الإعلام الجزائري، ليصل حد سحب الوزارة المكمل الغذائي من السوق، وهجرانه الجزائر مع دوائه، ليجد في الصين وتركيا يدًا تنقل اختراعه  إلى برّ الأمان، وهذا ما حدث، حيث أعلنت الصين عن تسويقها لدواء زعبيط، ومن المحتمل أن يصل إلى الجزائر السنة القادمة كمنتوج مستورد، في وقت تعمل فيه الحكومة الجزائرية على التقليل من نفقاتها بالعملة الصعبة، وكان من المحتمل أن يوفر مكمل زعبيط الغذائي مئات الملايين من الدولارات للخزينة الجزائرية نظرًا للحاجة الكبيرة للمكمل في الجزائر إذ يبلغ عدد المصابين بداء السكري في الجزائر حوالي 4 ملايين مصاب.